للجار أن يضع جذوعه على جدار جاره كرهًا عليه، لهذا الحديث، وقال الشافعي في الجديد: ليس له ذلك، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار"، مع حديث: "لا يحل مال امرئٍ مسلمٍ إلا عن طيب نفس" (١)، وحديث: "وأموالكم عليكم حرام" (٢).
فإن قلت: هذا يشكل على ما قدمته من تخصيص عموم: "لا ضرر" بما مر، فلِمَ لم يخص بخبر: "لا يمنع أحدكم جاره" لأنه خاصٌّ.
قلت: كان القياس ذلك لو سَلِم مما اشتمل عليه من احتمال أن الضمير في "جداره" راجعٌ للجار؛ أي: لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خَشَبَهُ في جدار نفسه، ومع هذا الاحتمال لا يقوى على التخصيص (٣)، فأخذنا بعموم: "لا ضرر"، و"لا يحل مال امرئٍ مسلم" وغيرهما؛ لأنها أقوى منه.
وخبر: "لا ضرر ولا ضرار، وللرجل وضع خَشَبه في جدار جاره" (٤). . ضعيفٌ، ففيه جابر الجُعفي فقد ذمَّه ابن عيينة، وحكى من سوء مذهبه ما يسقط روايته، وتبعه على ذلك أصحابه ابن معين، وعلي بن المديني وغيرهما، ولم يعتدوا بثناء الثوري وشعبة عليه.
نعم؛ اختلفت أنظار المجتهدين في تصرُّف الإنسان في ملكه بما يضر بجاره، كفتح كوة، وتعلية بناءٍ مشرفٍ وغيرهما، فأباحه الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه إن أضر بالمالك، ومنعه إن أضر بالملك، والفرق: أن الأول يحتمل عادةً ويمكن الاحتراز عنه بجعل ساترٍ لعياله يمنعهم من النظر، بخلاف الثاني.
ومنعهما غير الشافعي أخذًا بعموم حديث: "لا ضرر"، ويؤيد ما ذهب إليه الشافعي القاعدة الأصولية: أنه يستنبط من النص معنًى يخصصه، ويؤيده أيضًا:
(١) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ١٠٠)، والدارقطني في "سننه" (٣/ ٢٦) عن سيدنا أبي حرة الرقاشي عن عمه.
(٢) أخرجه البخاري (١٧٤١) عن سيدنا أبي بكرة ﵁.
(٣) لأن الدليل إذا تطرَّق إليه الاحتمال. . كساه ثوب الإجمال، وسقط به الاستدلال، وحينئذٍ لا يختص به عموم: "لا ضرر ولا ضرار" اهـ هامش (غ)
(٤) أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٠/ ١٥٨) عن سيدنا ابن عباسٍ ﵄، وبعد أن تكلم على السند قال: (ولهذا قلت: إن هذا الحديث لا يستند من وجه صحيح، واللَّه أعلم).
1 / 520
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]