وإنما يمنع الحكيم نفسه ممَّا يقدر على فعله، ألا ترى أن آدميًا لو قال: منعت نفسي من صعود السماء. . استُهزئ به؟!
وأيضًا: فهو تعالى عامل عباده معاملة مستأجرٍ لأجرائه بقوله لأهل الكتاب: "هل ظلمتكم من أجوركم شيئًا؟ " قالوا: لا، قال: "فذلك فضلي أوتيه من أشاء" (١) والمستأجر يصح منه ظلم الأجراء.
وأيضًا: ترك الظلم مع إمكانه والقدرة عليه أمدحُ من تركه مع استحالته والعجز عنه؛ كما أن ترك الفعل للزنا أمدح له بالعفاف من ترك الخصيِّ والعِنِّين له. اهـ
وهو غير سديدٍ كان نقله بعض الشارحين وأقره؛ لِمَا تقرر أن حقيقة الظلم: وضعُ الشيء في غير محلِّه بالتصرف في ملك الغير، أو مجاوزةُ الحدِّ، ومع النظر لهذا يجزم كلُّ مَنْ له أدنى بصيرةٍ باستحالته عليه تعالى؛ إذ لا يُتَعَقَّلُ وقوع شيءٍ من تصرفه تعالى في غير محله، وكأن مدعي تصوره منه ﷾ يفسره بما هو ظلمٌ عند العقل لو خُلِّي ونفسه من حيث عدمُ مطابقتِه لقضيته، فحينئذٍ يكون لكلامه نوعُ احتمال، بخلاف ما إذا فسره بالأول (٢)؛ فإن دعوى تصوره منه حينئذٍ في غاية السقوط.
ويجاب عمَّا احتج به من التمدُّح بنفيه ومنع نفسه منه بأن هذا خارجٌ عن قضية الخطاب العادي، المقصود به زجرُ عباده عنه، وإعلامهم بامتناعه عليهم بالأَولى، فهو على حدِّ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وهذا فنٌّ بليغٌ من أساليب البلاغة، لا ينكره إلا كل جامد الطبع، فامتنع قياسه على قول الأعمى: لا أبصر، والآدميِّ: منعت نفسي من صعود السماء، بل شتَّان ما بينهما؛ فإن كلًّا من هاتين المقالتين محض سَفْساف ولغو، بخلاف قوله تعالى: "إني حرمت الظلم على نفسي" الذي وطَّأ به لقوله تعالى: "وجعلته بينكم محرمًا" ثم وطَّأ بهما لقوله تعالى: "فلا تظالموا" فاتضح أن هذا السياق في غاية البلاغة، وأنه لا ينافي استحالة الظلم عليه تعالى، وأن
(١) أخرجه البخاري (٢٢٦٨)، والترمذي (٢٨٧١) عن سيدنا ابن عمر ﵄.
(٢) الأول: هو قوله: (الظلم وضع الشيء في غير محله، أو مجاوزة الحد) والئاني: هو قوله: (بما هو ظلم عند العقل. . . إلخ) اهـ هامش (ج)
1 / 414
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]