وفي الحديث: "من لا يسأل اللَّه يغضب عليه" (١)، "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شِسْعَ نعله إذا انقطع" (٢).
وخرج المحاملي وغيره: "قال اللَّه تعالى: من ذا الذي دعاني فلم أجبه، وسألني فلم أعطه، واستغفرني فلم أغفر له وأنا أرحم الراحمين؟! " (٣).
ومع محبته لإلحاح السائلين كما جاء في الحديث (٤)، والمخلوق يغضب وينفر عند أدنى تكرار السؤال عليه، وقد قال تعالى لموسى صلى اللَّه على نبينا وعليه وسلم: (يا موسى؛ سلني في فى عائك -وجاء: في صلاتك- حتى ملحَ عجينك) (٥).
فشتان ما بين هذين، وسُحقًا وطردًا لمن عَلِق بالأثر وأعرض عن العين.
(وإذا استعنت) أي: طلبت الإعانة على أمرٍ من أمور الدنيا والآخرة (فاستعن باللَّه) لما علمت أنه القادر على كل شيء، وغيره عاجزٌ عن كل شيء، حتى عن جلب مصالح نفسه، ودفع مضارِّها، والاستعانةُ إنما تكون بقادرٍ على الإعانة، وأما من هو كَلٌّ على مولاه، لا قدرة له على إنفاذ ما يهواه لنفسه فضلًا عن غيره. . فكيف يُؤهَّل للاستعانة به، أو يستمسك بسببه؟! قال ﷾: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قدَّم المعمول؛ ليفيد الحصر والاختصاص، فمن أعانه تعالى. . فهو المعان، ومن خذله. . فهو المخذول، ومن ثَمَّ كانت (لا حول ولا قوة إلا باللَّه) كنزًا
(١) أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٦٥٨)، والترمذي (٣٣٧٣)، وأبو يعلى (٦٦٥٥) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه ابن حبان (٨٦٦) عن سيدنا أنس ﵁. وفي هامش (ج): (الشِّسْع: الخيط الذي تربط به النعل ليثبت في الرِّجْل).
(٣) ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه اللَّه تعالى في "جامع العلوم والحكم" (١/ ٤٨٠).
(٤) أخرجه القضاعي في "مسند الشهاب" (١٠٦٩)، والبيهقي في "الشعب" (١٠٧٣)، والطبراني في "الدعاء" (٢٠) عن أم المؤمنين سيدتنا عائشة ﵂.
(٥) ذكره الحافظ ابن رجب رحمه اللَّه تعالى في "جامع العلوم والحكم" (٢/ ٣٩).
(٦) البيت من الكامل، وقبله:
لا تسألنَّ بُني آدم حاجةً ... وسلِ الذي أبوابُهُ لا تُحجب
1 / 372
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]