فتح الباقي بشرح ألفية العراقي

فتح الباقي بشرح ألفية العراقي

ایډیټر

عبد اللطيف هميم وماهر الفحل

خپرندوی

دار الكتب العلمية

شمېره چاپونه

الطبعة الأولى

د چاپ کال

۱۴۲۲ ه.ق

د خپرونکي ځای

بيروت

ـ[فتح الباقي بشرح ألفية العراقي]ـ
المؤلف: زين الدين أبي يحيى زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري السنيكي (ت ٩٢٦ هـ)
المحقق: عبد اللطيف هميم - ماهر الفحل
الناشر: دار الكتب العلمية
الطبعة: الطبعة الأولى، ١٤٢٢هـ / ٢٠٠٢م
عدد الأجزاء: ٢
أعده للشاملة/ أسامة بن الزهراء، فريق عمل المكتبة الشاملة

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومذيل بالحواشي]

1 / 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فَلاَ هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
«ونشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم، والمنهج المستقيم، أرسله الله رحمةً للعالمين، وإمامًا للمتقين، وحجةً على الخلائق أجمعين» (١).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
آل عمران: ١٠٢.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. النساء: ١.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. الأحزاب: ٧٠ - ٧١.
أما بعد:
فإن الحديث النبوي الشريف المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، بعضه يستقل بالتشريع، وكثيرٌ منه شارح لكتاب الله تعالى مُبين لما جاء فيه. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبِيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. النحل: ٤٤.
وقد أدرك المسلمون - منذ الصدر الأول، وحتى يوم الناس هذا - أهمية الحديث النبوي الشريف فحفظوا الأحاديث في الصدور، ودونوها في الدواوين، ونقَّروا عنها أشد التنقير والبحث كي لا ينضاف إليها ما ليس منها، فأنجبت هذه الأمة حُفَّاظًا عارفين وجهابذة ناقدين فكانوا بحق ينفون عن السنة تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل

(١) من مقدمة زاد المعاد ١/ ٣٤ للعلامة ابن القيم.

1 / 5

الجاهلين، فظهرت المصنفات والجوامع والسنن والمسانيد والأجزاء والمشيخات وغيرها في صور عدة وضروب كثيرة، حرصًا واحتفاظًا واعتزازًا بسنة الحبيب المصطفى ﷺ وكان لابد من ظهور مؤلفات تُبين مصطلحات المحدثين في كتبهم ودروسهم، تكشف عما يريدون من إطلاقاتهم وأقوالهم. فظهر عددٌ من المؤلفات في القرون التِي تلت عصر الرواية ومما لا شك فيه أنَّ من أحسنها تصنيفًا وأعمها نفعًا كتاب الحافظ أبي عَمْرو عثمان بن عَبْد الرَّحْمَان الشهرزوري المشهور بـ: ابن الصَّلاَح (٥٧٧ - ٦٤٣ هـ) المسمى: " مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث " (١) الَّذِي لا يُحصى عدُّ من شرحه واختصره ونظمه ونكَّت عَلَيْهِ.
ولِمَا تميز بِهِ كتاب ابن الصَّلاَح من أهمية يعرفها المختصون بهذا الشأن؛ إذ اشتهر هَذَا الكِتَاب أيما اشتهار، وذاع صيته بَيْنَ الأنَامِ، وحرص عَلَى تحصيله القريب والبعيد. وَقَدْ هيأ الله لهذا الكِتَاب التعاليق الكثيرة والشروح المستفيضة. وَكَانَ من الَّذِيْنَ قيظهم الله لخدمة هَذَا الكِتَاب النفيس الحَافِظ زين الدين أَبُو الفضل عَبْد الرحيم بن الْحُسَيْن العراقي
(ت٨٠٦ هـ) فنظم كتاب ابن الصَّلاَح في أرجوزة ربتْ عَلَى ألف بيت من الشعر (٢). وَكَانَ لهذا النظم من المزايا والمنافع الشيء الكثير لما احتواه من زيادات وإيضاحات واستدراكات. وقد كتب الله لهذه الأرجوزة القبول فتسابق الناس في حفظها، وأخذوا في شرحها وإيضاحها. فكان من تِلْكَ الشروح الكثيرة هَذَا الكِتَاب الَّذِي بَيْنَ أيدينا، وَهُوَ شرح نفيس للغاية إِذْ امتاز بشرح وبيان المسائل اللغوية والصرفية والعروضية والتنبيه عَلَى ضرورات الشعر، وما إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ من الميزات العديدة التِي احتواها هَذَا الشرح المبارك.
ولم يكتب - الباري ﷿ لهذا الكِتَاب أن يطبع من قَبْل محققًا تحقيقًا علميًا رصينًا رضيًا عَلَى الرغم من أهميته ونفاسته، كُلّ هَذَا دفعنا إِلَى إعادة طبعه بالشكل الَّذِي يسر كُلّ محب لسنة المصطفى ﷺ.

(١) هكذا سماه بِهِ مؤلفه في ديباجة كتابه: ٧٨ بتحقيقنا، وهكذا أطلق عليه القرطبي في تفسيره ٤/ ٣١٠٩، طبعة الشعب.
(٢) وهي مشهورة معروفة باسم: " التبصرة والتذكرة ".

1 / 6

وَقَدْ قدّمنا بَيْنَ يدي الكِتَاب دراسة ضمنّاها ثلاثة أبواب: الباب الأول: العراقي ونظمه " التبصرة والتذكرة "، والباب الثاني: الأنصاري وكتابه " فتح الباقي، والباب الثالث: التحقيق، واشتمل عَلَى ثلاثة فصول: الأول: التعريف بالكتاب، والثاني: وصف النسخ المعتمدة، والثالث: منهج التحقيق.
وبعد:
فهذا كتاب " فتح الباقي " نُقدمه لِمُحبي المصطفى ﷺ السائرين عَلَى هديه الراجين شفاعته يوم القيامة، قَدْ خدمناه الخدمة التِي توازي تعلقنا بسيدنا المصطفى ﷺ، وَكَانَ الوقت الَّذِي قضيناه فِيْهِ كله مباركًا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام عَلَى سيدنا مُحَمَّد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إِلَى يوم الدين.
المحققان
١/ ١٠ / ٢٠٠١ م

1 / 7

القِسْم الأول: [الدراسة]
الباب الأول: العراقي، ونظمه "التبصرة والتذكرة"
الفصل الأول: سيرته الذاتية
لا بد لنا وقد خضنا غمرة تحقيق كِتَاب "فتح الباقي بشرح ألفية العراقي" أن نعرِّج على تعريف موجز بصاحب النظم، ليس بالطويل المملّ ولا بالقصير المخلّ، لاسيّما أن هذا العمل يُعدّ مفتاحًا للولوج بمعرفة أكثر بالناظم، تعين القارئ على تكوين صورة مجملة عنه، وتوضح مكانته العلمية والمدة الزمنية التي عاشها.
ويشتمل هذا الفصل ثمانية مباحث نوردها تباعًا:
المبحث الأول: اسمه، ونسبه، وكنيته، وولادته:
هو عَبْد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمان بن أبي بكر بن إبراهيم الكردي (١) الرازياني (٢) العراقي الأصل (٣) المهراني (٤) المصري المولد الشافعي المذهب. كنيته: أبو الفضل، ويلقّب بـ (زين الدين) (٥). وُلِدَ في اليوم الحادي والعشرين من شهر جُمَادَى

(١) نسبة إلى أقوام يقطنون شمال العراق، إذ أن أصل المتَرْجَم منهم. الأنساب٤/ ٦٠٩.
(٢) نسبة إلى رازيان: قرية من قرى إربل (أربيل: محافظة في شمال العراق). طبقات الحفاظ٥٤٣.
(٣) نسبة إلى عراق العرب، وهو القطر الأعظم الذي يضم قرية أبيه. الضوء اللامع ٤/ ١٧١، وطبقات المفسرين ١/ ٣٠٩.
(٤) نسبة إلى منشأة المهراني: موضع بين مصر والقاهرة، حيث ولد المترجم. طبقات الحفاظ٥٤٣.
(٥) قد يخفّف فيقال: الزين، كما جرت عادتهم آنذاك، فيقولون مثلًا: الشمس الذهبي والتقي السُّبْكِيّ ونحوهما.

1 / 8

الأولى سنة (٧٢٥ هـ) (١).
المبحث الثاني: أسرته:
أقام أسلاف الحافظ العراقي في قرية رازيان - من أعمال إربل (٢) - إلى أن انتقل والده وهو صغير مع بعض أقربائه إلى مصر (٣)، إذ استقر فيها وتزوج من امرأة مصرية (٤) ولدت له الحافظ العراقي. وكانت أسرته ممن عُرفوا بالزهد والصلاح والتقوى، وقد كان لأسلافه مناقب ومفاخر (٥)، وكانت والدته ممن اشتهرن بالاجتهاد في العبادات والقربات مع الصبر والقناعة (٦).
أمّا والدُه فقد اختصَّ - منذ قدومه مصر - بخدمة الصالحين (٧)، ولعلَّ من أبرز الذين اختصَّ والده بخدمتهم الشيخ القناوي (٨). ومن ثُمَّ ولد للمتَرجَمِ ابنٌ أسماه: أحمد، وكنَّاه: أبا زرعة، ولقَّبه: بولي الدين (٩)، وبنت تدعى: خديجة، صاهره عليها: الحافظ نور الدين الهيثمي ورزق منها بأولاد، وأشارت بعض المصادر أنَّ له ابنتين أخريين: جويرية (١٠) وزينب (١١).

(١) لحظ الألحاظ ٢٢١، والضوء اللامع ٤/ ١٧١، والبدر الطالع ١/ ٣٥٤.
(٢) طبقات المفسرين ١/ ٣٠٩.
(٣) طبقات الحفاظ: ٥٤٣.
(٤) لحظ الألحاظ: ٢٢٠، والضوء اللامع ٤/ ١٧١.
(٥) الضوء اللامع ٤/ ١٧١.
(٦) لحظ الألحاظ: ٢٢١، والضوء اللامع ٤/ ١٧١، وذيل تذكرة الحفاظ للسيوطي: ٣٧٠.
(٧) طبقات الحفاظ: ٥٤٣.
(٨) هو الشيخ الشريف تقي الدين محمد بن جعفر بن محمد القناوي الشافعي، كان عالي الإسناد من الموصوفين بالصلاح، توفي سنة (٧٣٧ هـ). الدرر الكامنة ٤/ ٣٥، والضوء اللامع ٧/ ١٠٤، وحسن المحاضرة ١/ ٤٢١.
(٩) ستأتي ترجمته في مبحث تلامذته.
(١٠) نظم العقيان: ١٠٣.
(١١) نظم العقيان: ١١٤، وانظر: الضوء اللامع ٤/ ١٧١.

1 / 9

المبحث الثالث: نشأته
وُلِد الحافظ العراقي - كما سبق - في مصر، وحمله والده صغيرًا إلى الشيخ القناوي؛ ليباركه، إذ كَانَ الشَّيْخ هُوَ البشير بولادة الحَافِظ، وَهُوَ الَّذِي سمَّاه أيضًا (١)؛ ولكنَّ الوالد لَمْ يقم طويلًا مَعَ ولده، إذ إنَّ يدَ المنونِ تخطَّفته والطفل لَمْ يزل بَعْدُ طريَّ العود، غضَّ البنية لَمْ يُكمل الثالثة من عمره (٢)، وَلَمْ نقف عَلَى ذكر لِمَن كفله بَعْدَ رحيل والده، والذي يغلب عَلَى ظننا أنّ الشَّيْخ القناوي هُوَ الَّذِي كفله وأسمعه (٣)؛ وذلك لأن أقدم سماع وجد له كان سنة (٧٣٧ هـ) بمعرفة القناوي (٤)، وكان يُتَوقّعُ أن يكون له حضور أو سماع من الشيخ، إذ كان كثير التردد إليه سواء في حياة والده أو بعده، وأصحاب الحديث عند الشيخ يسمعون منه؛ لعلوِّ إسناده (٥).
وحفظ الزينُ القرآنَ الكريمَ والتنبيه وأكثر الحاوي مَعَ بلوغه الثامنة من عمره (٦)، واشتغل في بدء طلبه بدرس وتحصيل علم القراءات، وَلَمْ يثنِ عزمه عَنْهُ إلا نصيحة شيخه العزّ ابن جَمَاعَة، إذ قَالَ لَهُ: إنه علم كَثِيْر التعب قليل الجدوى، وأنت متوقد الذهن فاصرف همَّتك إلى الحَدِيْث (٧). وَكَانَ قَدْ سبق لَهُ أن حضر دروس الفقه عَلَى ابن عدلان، ولازم العماد مُحَمَّد بن إسحاق البلبيسي (٨)، وأخذ عَنْ الشمس بن اللبان، وجمال الدين الإسنوي الأصولَ (٩) وَكَانَ الأخير كَثِيْر الثناء عَلَى فهمه، ويقول: «إنَّ ذهنه

(١) لحظ الألحاظ: ٢٢٠ - ٢٢١، وطبقات الحفَّاظ: ٥٤٣.
(٢) لحظ الألحاظ: ٢٢١.
(٣) الضوء اللامع ٤/ ١٧١.
(٤) لحظ الألحاظ: ٢٢١.
(٥) الضوء اللامع ٤/ ١٧١.
(٦) لحظ الألحاظ: ٢٢٧.
(٧) لحظ الألحاظ: ٢٢١، الضوء اللامع ٤/ ١٧٢.
(٨) الضوء اللامع ٤/ ١٧٢.
(٩) لحظ الألحاظ: ٢٢١.

1 / 10

صَحِيْح لا يقبل الخطأ» (١)، وكان الشيخ القناوي في سنة سبع وثلاثين - وهي السنة التي مات فيها - قد أسمعه على الأمير سنجر الجاولي، والقاضي تقي الدين بن الأخنائي المالكي، وغيرهما ممّن لم يكونوا من أصحاب العلوِّ (٢).
ثمَّ ابتدأ الطلب بنفسه، وكان قد سمع على عبد الرحيم بن شاهد الجيش، وابن عبد الهادي، وقرأ بنفسه على الشيخ شهاب الدين بن البابا (٣)، وصرف همَّته إلى التخريج وكان كثير اللهج بتخريج أحاديث " الإحياء " وله من العمر -آنذاك- عشرون سنة (٤)، وقد فاته إدراك العوالي مما يمكن لأترابه ومَن هو في مثل سنّه إدراكه، ففاته يحيى بن المصري - آخر مَن روى حديث السِّلَفي عاليًا بالإجازة (٥) - والكثير من أصحاب ابن عبد الدائم والنجيب بن العلاّق (٦)، وكان أوّل مَن طلب عَلَيْهِ: الحافظ علاء الدين بن التركماني في القاهرة وبه تخرّج وانتفع (٧)، وأدرك بالقاهرة أبا الفتح الميدومي، فأكثر عنه وهو من أعلى مشايخه إسنادًا (٨)، ولم يلقَ من أصحاب النجيب غيره (٩)، ومن ناصر الدين محمد بن إسماعيل الأيوبي (١٠)، ومن ثَمَّ شدَّ رحاله - على عادة أهل الحديث- إلى الشام قاصدًا دمشق فدخلها سنة (٧٥٤ هـ) (١١)، ثُمَّ عادَ إليها بعد ذلك سنة (٧٥٨هـ)، وثالثة في سنة (٧٥٩ هـ) (١٢)، ولم تقتصر رحلته الأخيرة على دمشق بل رحل إلى غالب

(١) الضوء اللامع ٤/ ١٧٢.
(٢) الضوء اللامع ٤/ ١٧١.
(٣) شذرات الذهب ٧/ ٥٥.
(٤) الضوء اللامع ٤/ ١٧٣.
(٥) الضوء اللامع ٤/ ١٧١.
(٦) شذرات الذهب ٧/ ٥٦.
(٧) الضوء اللامع ٤/ ١٧٢.
(٨) شذرات الذهب ٧/ ٥٦.
(٩) الضوء اللامع ٤/ ١٧٢.
(١٠) الضوء اللامع ٤/ ١٧٢.
(١١) لحظ الألحاظ: ٢٢٣.
(١٢) المصدر السابق.

1 / 11

مدن بلاد الشام (١)، ومنذ أول رحلة له سنة (٧٥٤ هـ) لم تخلُ سنة بعدها من الرحلة إمّا في الحديث وإمّا في الحجّ (٢)، فسمع بمصر (٣) ابن عبد الهادي، ومحمد بن علي القطرواني، وبمكة أحمد بن قاسم الحرازي، والفقيه خليل إمام المالكية بها، وبالمدينة العفيف المطري، وببيت المقدس العلائي، وبالخليل خليل بن عيسى القيمري، وبدمشق ابن الخباز، وبصالحيتها ابن قيم الضيائية، والشهاب المرداوي، وبحلب سليمان بن إبراهيم بن المطوع، والجمال إبراهيم بن الشهاب محمود في آخرين بهذه البلاد وغيرها كالإسكندرية وبعلبك، وحماة، وحمص، وصفد، وطرابلس، وغزّة، ونابلس ... تمام ستة وثلاثين مدينة. وهكذا أصبح الحديث ديدنه وأقبل عليه بكليته (٤)، وتضلّع فيه رواية ودراية وصار المعول عليه في إيضاح مشكلاته وحلّ معضلاته، واستقامت له الرئاسة فيه، والتفرد بفنونه، حتّى إنّ كثيرًا من مشايخه كانوا يرجعون إليه، وينقلون عنه -كما سيأتي- حتَّى قال ابن حجر: «صار المنظور إليه في هذا الفن من زمن الشيخ جمال الدين الإسنائي ... وهلمَّ جرًّا، ولم نرَ في هذا الفنّ أتقن منه، وعليه تخرج غالب أهل عصره» (٥).
المبحث الرابع: مكانته العلمية وأقوال العلماء فيه
مما تقدّم تبيّنت المكانة العلمية التي تبوّأها الحافظ العراقي، والتي كانت من توفيق الله تعالى له، إذ أعانه بسعة الاطلاع، وجودة القريحة، وصفاء الذهن، وقوة الحفظ، وسرعة الاستحضار، فلم يكن أمام مَن عاصره إلاّ أن يخضع له سواء من شيوخه أو تلامذته. ومما يزيد هذا الأمر وضوحًا عرضِ جملةٍ من أقوال العلماء فيه، من ذلك:

(١) لحظ الألحاظ: ٢٢٣، والضوء اللامع ٤/ ١٧٢.
(٢) الضوء اللامع ٤/ ١٧٣.
(٣) انظر: الضوء اللامع ٤/ ١٧٢ - ١٧٣.
(٤) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٣/ ٣٠.
(٥) إنباء الغمر ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦.

1 / 12

١ - قال شيخه العزُّ بن جماعة: «كلّ مَن يدّعي الحديث في الديار المصرية سواه فهو مدَّعٍ» (١).
٢ - قال التقي بن رافع السلامي: «ما في القاهرة مُحَدِّثٌ إلاّ هذا، والقاضي عزّ الدين ابن جماعة»، فلمَّا بلغته وفاة العزّ قال: «ما بقي الآن بالقاهرة مُحَدِّثٌ إلاّ الشيخ زين الدين العراقي» (٢).
٣ - قال ابن الجزري: «حافظ الديار المصرية ومُحَدِّثُها وشيخها» (٣).
٤ - قال ابن ناصر الدين: «الشيخ الإمام العلاّمة الأوحد، شيخ العصر حافظ الوقت ... شيخ الْمُحَدِّثِيْن عَلَم الناقدين عُمْدَة المخرِّجِين» (٤).
٥ - قال ابن قاضي شهبة: «الحافظ الكبير المفيد المتقن المحرّر الناقد، محَدِّث الديار المصرية، ذو التصانيف المفيدة» (٥).
٦ - قال التقي الفاسي: «الحافظ المعتمد، ... كان حافظًا متقنًا عارفًا بفنون الحديث وبالفقه والعربية وغير ذلك، ... كان كثير الفضائل والمحاسن» (٦).
٧ - وقال ابن حجر: «حافظ العصر» (٧)، وقال: «الحافظ الكبير شيخنا الشهير» (٨).
٨ - وقال ابن تغري بردي: «الحافظ، ... شيخ الحديث بالديار المصرية، ... وانتهت إليه رئاسة علم الحديث في زمانه» (٩).
٩ - وقال ابن فهد: «الإمام الأوحد، العلاّمة الحجة الحبر الناقد، عمدة الأنام حافظ الإسلام، فريد دهره، ووحيد عصره، من فاق بالحفظ والإتقان في زمانه، وشهد له في التفرّد

(١) الضوء اللامع ٤/ ١٧٣.
(٢) لحظ الألحاظ: ٢٢٧.
(٣) غاية النهاية ١/ ٣٨٢.
(٤) الردّ الوافر: ١٠٧.
(٥) طبقات الشافعية ٤/ ٢٩.
(٦) ذيل التقييد: ١١٤ / أ - ١١٥ / ب.
(٧) إنباء الغمر ٢/ ٢٧٥.
(٨) المجمع المؤسس ٨٩ / أ.
(٩) النجوم الزاهرة ١٣/ ٣٤.

1 / 13