الفتاوى الحديثية

ابن حجر هیتمي d. 974 AH
128

الفتاوى الحديثية

الفتاوى الحديثية

خپرندوی

دار الفكر

احتجنا إِلَى غَيره لقصورنا، وَقد كَانَت أَحْكَام نَبينَا كلهَا مَأْخُوذَة من الْقُرْآن، وَمن ثمَّ قَالَ الشَّافِعِي ﵁: كل مَا حكم بِهِ النَّبِي ﷺ فَهُوَ مِمَّا فهمه من الْقُرْآن، فَلَا يبعد أَن عِيسَى ﷺ يكون كَذَلِك أَو بِرِوَايَة السّنة عَن نَبينَا ﷺ فَإِنَّهُ اجْتمع بِهِ فِي حَيَاته مَرَّات وَمن ثمَّ عُدَّ من الصَّحَابَة. أخرج ابْن عدي عَن أنس ﵁ (بَينا نَحن مَعَ رَسُول الله ﷺ إِذْ رَأينَا بُرْدًا ويدًا فَقُلْنَا يَا رَسُول الله مَا هَذَا الْبرد الَّذِي رَأينَا وَالْيَد؟ قَالَ: قد رَأَيْتُمُوهُ؟ قُلْنَا نعم. قَالَ: ذَلِك عِيسَى بن مَرْيَم سلم عليَّ) . وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر عَنهُ (كنت أَطُوف مَعَ النَّبِي ﷺ حول الْكَعْبَة إِذْ رَأَيْته صَافح شَيْئا وَلم أره قُلْنَا يَا رَسُول الله رَأَيْنَاك صافحت شَيْئا وَلَا نرَاهُ، قَالَ: ذَلِك أخي عِيسَى بن مَرْيَم انتظرته حَتَّى قضى طَوَافه فَسلمت عَلَيْهِ) وحينئذٍ فَلَا مَانع أَنه حينئذٍ تلقى عَن النَّبِي ﷺ أَحْكَام شَرِيعَته الْمُخَالفَة لشريعة الْإِنْجِيل لعلمه أَنه سينزل وَأَنه يحْتَاج لذَلِك فَأَخذهَا مِنْهُ بِلَا وَاسِطَة. وَفِي حَدِيث ابْن عَسَاكِر (أَلا إِن ابْن مَرْيَم لَيْسَ بيني وَبَينه نَبِي وَلَا رَسُول أَلا إِنَّه خليفتي فِي أمتِي من بعدِي) وَقد صرح السُّبْكِيّ بِأَنَّهُ يحكم بشريعة نَبينَا ﷺ بِالْقُرْآنِ وَالسّنة إِمَّا بِكَوْنِهِ يتلقاها من نَبينَا ﷺ شفاها بعد نُزُوله مِنْ قَبره، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أبي يعلى (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لينزلنّ عِيسَى بن مَرْيَم ثمَّ لَئِن قَامَ على قَبْرِي وَقَالَ يَا مُحَمَّد لأجُيبنَّه) وَإِمَّا بِكَوْنِهِ تَعَالَى أوحاها إِلَيْهِ فِي كِتَابه الْإِنْجِيل أَو غَيره، لِأَن جَمِيع الْأَنْبِيَاء كَانُوا يعلمُونَ فِي زمانهم بِجَمِيعِ شرائع مَنْ قَبْلهم ومَنْ بَعْدَهم بِالْوَحْي من الله على لِسَان جِبْرِيل ﵊ وبالتنبيه على ذَلِك فِي كتبهمْ الْمنزلَة عَلَيْهِم كَمَا دلّ على ذَلِك أَحَادِيث وآثار، وَلَا بعد فِيمَا يفهم من هَذَا أَن جَمِيع مَا فِي الْقُرْآن مُضمَّن فِي الْكتب السَّابِقَة لقَوْله تَعَالَى: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الْبَقَرَة: ٩٧] أَي كتب من قبله ﴿إِنَّ هَاذَا لَفِى الصُّحُفِ الاٍّولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الْأَعْلَى: ١٨، ١٩] ﴿وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الأٌّوَّلِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ١٩٦] أَي كتبهمْ. وَقد أَخذ أَبُو حنيفَة ﵁ قَوْله بِجَوَاز قِرَاءَة الْقُرْآن بِغَيْر الْعَرَبيَّة من هَذِه الْآيَة قَالَ: لِأَن الْقُرْآن مضمن فِي الْكتب السَّابِقَة وَهِي بِغَيْر الْعَرَبيَّة. ١٧٣ وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: عَمَّن روى حَدِيث (يُوشك أَن يمْلَأ الله أَيْدِيكُم من الْعَجم فَيَأْكُلُونَ فِيكُم)؟، فَأجَاب: بقوله رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ. ١٧٤ - وَسُئِلَ نفع الله بِهِ: هَل ثَبت أَن عِيسَى ﷺ بعد نُزُوله يَأْتِيهِ الْوَحْي؟ فَأجَاب بقوله: نعم بِوَحْي إِلَيْهِ وَحي حَقِيقِيّ كَمَا فِي حَدِيث مُسلم وَغَيره عَن النواس بن سمْعَان؛ وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة (فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إذْ أوحى إِلَيْهِ يَا عِيسَى إِنِّي قد أخرجت عبادًا لي لَا يَد لأحد بقتالهم حوَّل عبَادي إِلَى الطّور) وَذَلِكَ الْوَحْي على لِسَان جِبْرِيل إِذْ هُوَ السفير بَين الله وأنبيائه لَا يعرف ذَلِك لغيره وَعِيسَى نَبِي كريم بَاقٍ على نبوته ورسالته، لَا كَمَا زَعمه مَنْ لَا يعتدَّ بِهِ أَنه وَاحِد من هَذِه الْأمة، لِأَن كَونه وَاحِدًا مِنْهُم يحكم بشريعتهم لَا يُنَافِي بَقَاءَهُ على نبوته ورسالته. وَخبر (لَا وَحي بعدِي) بَاطِل، نعم إِنَّمَا يتلَقَّى جِبْرِيل الْوَحْي عَن الله بِوَاسِطَة إسْرَافيل كَمَا دلّت عَلَيْهِ الْأَحَادِيث، وَمَا اشْتهر أَن جِبْرِيل ﵇ لَا ينزل إِلَى الأَرْض بعد موت النَّبِي ﷺ فَهُوَ لَا أصل لَهُ. وَيَردهُ خبر الطَّبَرَانِيّ (مَا أحب أَن يرقد الجُنب حَتَّى يتَوَضَّأ فَإِنِّي أَخَاف أَن يتوفى وَمَا يحضرهُ جِبْرِيل) فَدلَّ على أَن جِبْرِيل ينزل إِلَى الأَرْض ويحضر موت كل مُؤمن توفاه الله وَهُوَ على طَهَارَة. وَفِي حَدِيث الطَّبَرَانِيّ وَغَيره (أَن مِيكَائِيل ﵇ يمْنَع الدَّجَّال مَكَّة، وَجِبْرِيل ﵇ يمنعهُ من الْمَدِينَة) وَلَا يُنَافِي مَا تقرر أَن جِبْرِيل ﵇ هُوَ السفير نزُول إسْرَافيل على نَبينَا ﷺ، فقد صَحَّ عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: أنزلت عَلَيْهِ النبوّة وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة، فقرن بنبوّته إسْرَافيل ثَلَاث سِنِين لِأَن هَذَا أثر مُرْسل أَو معضل فَلَا يُنَافِي الثَّابِت فِي أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَن صَاحب الْوَحْي هُوَ جِبْرِيل، على أَن المُرَاد بالسفير المرصد لذَلِك، فَلَا يُنَافِي ذَلِك مَجِيء غَيره من الْمَلَائِكَة إِلَى النَّبِي ﷺ فِي بعض الْأَخْبَار، إِذْ كم من ملك غير إسْرَافيل جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فِي قضايا مُتعَدِّدَة كَمَا هُوَ فِي كثير من الْأَحَادِيث. وَمِمَّا يُنَازع فِي أثر الشّعبِيّ قَول جمَاعَة من الْعلمَاء فِي خبر مُسلم وَغَيره (بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ جَالس وَعِنْده جِبْرِيل إِذْ سمع نقيضًا من السَّمَاء من فَوق فَرفع جِبْرِيل بَصَره إِلَى السَّمَاء فَقَالَ يَا مُحَمَّد هَذَا ملك قد نزل لم ينزل إِلَى الأَرْض قطّ. قَالَ: فَأتى النَّبِي ﷺ فَسلم عَلَيْهِ) الحَدِيث أَن هَذَا الْملك إسْرَافيل. وَأخرج الطَّبَرَانِيّ حَدِيث: (لقد هَبَط عليّ ملك من السَّمَاء مَا هَبَط

1 / 129