1
دخلت لمياء وبنت الإخشيد متكئة على ذلك المقعد والمطرف على جنبيها يأخذ لمعانه بالأبصار، والمائدة بجانبها عليها الأطعمة وقد وقف الخدم من الجواري يحملن الأطباق فيها الحلوى أو الفاكهة، وهن في أجمل ما يكون من الأثواب وتصفيف الشعور إلا لمياء، فإنها على بساطتها.
فتقدمت القهرمانة أولا وأنبأت السيدة بنت الإخشيد بقدومها وانصرفت فدخلت سلامة (لمياء) وعليها ذلك الثوب الباهر الذي زاد وجهها إشراقا وهيبة. ولم تتمالك بنت الإخشيد عند دخولها عن الجلوس ووسعت لها مجلسا على المقعد ودعتها إلى القعود بجانبها فقعدت فرحبت بها وقالت: «إن هدية بن كلس اليوم قد كفرت عن سيئاته وسيئات شيعته.» وضمتها وقبلتها ولمياء مطرقة وقد زادها الحياء وقارا، والحياء من أجمل ما تزدان به المرأة بل هو أجمل أثواب زينتها الحقيقية.
ثم تقدمت بنت الإخشيد إلى لمياء أن تتناول الغداء معها، وأشارت إلى خادم بيده طبق أن يضعه على المائدة بين يديها وفيه سكباج، فتناولت قطعة وناولت لمياء قطعة؛ تشجيعا لها فأطاعتها وتناولت مما حضر من الألوان. ولم يكن بينها شيء لم تعرفه إلا لونا في جام أنكرته ولم تستلذ طعمه. ولحظت بنت الإخشيد ذلك فقالت: «يظهر أنك لم تستطيبي هذا اللون مع أن الدرهم منه يكلف مئات الدنانير، إنه مصنوع من أدمغة نوع من الطير لا يوجد في غير مصر، ونحن ننفق في جمعه الأموال الطائلة؛ لأن دماغه كثير الغذاء واللقمة منه تغني عن عدة أطباق من أطعمة أخرى.»
ثم أمرت بالحلوى فأتوا بعشرات من أشكالها بين معاجين ومطبوخات وفاكهة، ويقدمون في أثناء الطعام باقات الأزهار الطيبة الرائحة غير ما يرشونه في أرض القاعة من ماء الزهر أو العطر وما يحرقونه في المباخر المنصوبة بين الأبواب من الندا أو العود.
وكان في جملة ما قدموه على المائدة سائل محمر اللون (خمر) لم تعرفه لمياء ولا مدت يدها إليه، بل هي حالما وقع بصرها عليه اقشعر بدنها؛ لأنها تذكرت الشراب الذي ذهب بحياة أبيها. على أنها كانت تنظر إلى كل ذلك بعين الاستغراب وتقابل بين ما كانت تراه من تقشف المعز وأم الأمراء والأموال عندهم في الخزائن وسلطانهم في إبانه وبين ذلك الرخاء - والبلاد في ضيق والناس يتضورون جوعا.
وكانت بنت الإخشيد تأكل بنهم ولذة وتعجب لتعفف لمياء وتحسبها تفعل ذلك من علة؛ لأنها تعودت أن ترى غاية الإنسان في دنياه أن يتمتع بالملذات على اختلاف أشكالها وضروبها. ولا تقدر تتصور أحدا يمتنع عن لذة إلا إذا عجز عن نيلها، ذلك شأن المنغمسين في الشهوات، وهم يكثرون في أواخر الدولة قرب سقوطها؛ إذ تذهب ملذاتهم العقلية أو الأدبية بذهاب مجدهم ونفوذهم فلا يبقى لهم غير الملذات البدنية فينصرفون إليها فلا تزيدهم إلا ضعفا وانحطاطا. إن ملذات الرجال في أوائل الدولة تقوم بالنصر أو الفوز والمسابقة في الفتح أو نيل المناصب وتقويمها وتوسيع دائرتها، لا تهمهم الملذات البدنية إلا قليلا، فإذا ذهب المجد وأخذ أصحابه بالتقهقر لا يبقى غير هذه الملذات.
أمرت بنت الإخشيد برفع المائدة وقد امتلأت معدتها وانتفخت عروقها وأسرعت دورتها وبان ذلك في عينيها واستلقت على ذلك المقعد.
وأحبت لمياء أن تنتقل إلى المقعد الآخر فأمسكتها وأقعدتها بجانبها وأخذت تحادثها فبدأت بالسؤال عن بلدها فقالت: «من أين أنت يا سلامة؟»
فلم تعرف ما تجيب ؛ لأنها لا تريد أن تكذب ولا أن تقول من هي فأجابت جوابا وسطا، فقالت: «إني من إفريقية (بلاد المغرب).»
ناپیژندل شوی مخ