انګلیزي فلسفې په سل کلونو کې (لومړی برخه)
الفلسفة الإنجليزية في مائة عام (الجزء الأول)
ژانرونه
Riehl »
3
في أنها وضعية، تتصور غاية الفلسفة ومنهجها على مثال غايات العلوم الطبيعية ومناهجها، وهي تعبر عن عقلية عصر وضع ثقته في العلم واستقر عزمه على تحقيق التقدم العلمي بكل حماسة، ولقد نشأت هذه النظرة عن الحاجة إلى بعث النظام والوحدة في تلك المعرفة المتراكمة التي كانت تنمو بسرعة، وكاد أن يفلت زمامها، ولم تحاول هذه النظرة قط أن تدير ظهرها لهذه المعرفة، وإنما أرادت أن ترتقي بها إلى أعلى مستويات التجريد الفلسفي، وكانت تؤمن بفلسفة تجريبية متقدمة حتى أعلى درجاتها. وقد حقق سبنسر هذا المثل الأعلى؛ فكان تجريبيا أصيلا في تعطشه الدائم إلى الوقائع وإلى تنظيمها، غير أن رغبته في تشييد مذهب وقدرته العجيبة على ذلك، كانت هي المسيطرة على كل شيء؛ فقد كان يبذل جهدا لا ينقطع في التجريد والتصنيف والتعميم والاستنباط، ويتحرك إلى الأمام نحو توحيد أكثر تجريدا لها، حتى وصل إلى النقطة التي استطاع فيها أن يلخص الكون كله في صيغة واحدة، وكانت النتيجة مذهبا كان فيه مكان لكل شيء؛ مذهبا بلغ تخطيطه من الجرأة، وتنظيمه من البراعة والدقة، حدا لا يملك المرء معه إلا أن يشعر نحوه بالإعجاب، مهما كان موقفه النهائي منه. وهكذا ينبغي أن يعد سبنسر واحدا من أعظم منظمي الفكر الفلسفي الذين عرفهم التاريخ.
ولقد كانت الفكرة الرئيسية في جميع أطراف مذهبه هي فكرة التطور، فسبنسر هو أول من طبق هذه الفكرة تطبيقا شاملا بالمعنى الصحيح، وشكلها في القالب الذي اكتسحت به العالم، ولم يوقف تقدمها الظافر إلا كارثة الحرب العالمية الأولى، ولقد سبقه آخرون، أولهم هرقليطس، في بناء فلسفتهم على فكرة التطور. ومن الأمثلة الواضحة لذلك هيجل، الذي كانت فلسفته مقابلا مثاليا لمذهب سبنسر الطبيعي، مثلما كان ماركس مقابلا ماديا لهيجل، ولكن من العقيم أن يحاول المرء تعقب هذه التطورات السابقة؛ إذ إن فكرة التطور قد اتخذت عند سبنسر صورة جديدة كل الجدة، لم تصبح ممكنة إلا بفضل حالة العلم في عصره. وليس معنى ذلك أنه كان معتمدا على دارون؛ إذ إنه، قبل ظهور كتاب «أصل الأنواع» بسنوات عدة، كان قد توصل إلى مجموعة من أهم عناصر مذهبه التالي، وقلب فكرة التطور من زوايا متعددة، كما يتضح من المقالات التي بعث بها إلى مجلات دورية في العقد السادس من القرن التاسع عشر، وأن هذه المقالات، وكذلك كون الخطة الأولى لمذهبه (وهي الخطة التي كان قد عمم فيها التطور بالفعل ليصبح مبدأ كونيا) قد رسمت في يناير سنة 1858. كل هذا يثبت بوضوح خطأ الزعم الشائع، القائل إنه لولا دارون لما ظهرت «فلسفة سبنسر التركيبة» على الإطلاق، ولكن عندما ظهر كتاب دارون، رأى سبنسر فيه تأييدا لأفكاره التي كانت عندئذ ما تزال تتسم بطابع المحاولة المترددة (على الرغم من أنه كان قد توسع فيها إلى حد بعيد حتى في ذلك الحين)، كما رأى فيها تأكيدا للقيمة الهائلة لما استخلصه من نتائج، وذلك في ميدان البحث لم تكن تربطه به إلا صلة طفيفة حتى ذلك الحين، وعلى الرغم من أنه هو ذاته قد استبق بطريقة تقريبية نظرية دارون في أصل الأنواع وتغيرها عن طريق الانتقاء الطبيعي، (وذلك في مقالين ظهر أحدهما سنة 1852 والآخر سنة 1857)، فإن نظرية دارون قد أتاحت ملء ثغرات معينة في تفكيره الخاص، وخلقت لديه ذلك الاهتمام بعلم الحياة، الذي ظهر بكل بوضوح في كتابه «مبادئ علم الحياة» (1864-1867). كما ينبغي التسليم بأن مذهب سبنسر لم يكن ليلقى ما لقيه من نجاح هائل لو لم تكن موجة الداروينية قد دفعته إلى الأمام.
وليس في هذا الكتاب مجال لإجراء مناقشة كاملة لأصل النظرية التطورية، ولكنا نستطيع أن نشير إلى رابطة طريفة تجمع بينها وبين الفلسفة الطبيعية في المذهب المثالي الألماني. فعندما بدأ سبنسر يتجه بفكره إلى المسائل الفلسفية، لفت نظره رأي لشلنج، اطلع عليه عن طريق كولريدج، يقول فيه: إن مسار مملكة الحياة العضوية قوامه حركة متزايدة من التنويع والتنظيم والفردانية، وتأيد هذا الرأي النظري عمليا فيما بعد بفضل أبحاث علم الأجنة التي قام بها فون بير
K. E. Von Baer ، وهو عالم تأثر بالفلسفة الطبيعية عند شلنج وأوكن
Oken ، وسرعان ما وصل هذا التأييد إلى علم سبنسر، فقد رأى سبنسر أن هناك دلالة تمتد إلى ما وراء علم الحياة بكثير في قانون «بير» القائل إن التغيرات التركيبية التي تطرأ خلال نمو جنين ما، تكشف عن تقدم تدريجي من صور غير متحددة إلى صور متحددة، ومن صور متجانسة إلى صور لا متجانسة. ولم تكن صياغته لفكرة التطور، في كتاب «المبادئ الأولى» (1862) على أنها هي المبدأ الأساسي للأشياء، سوى تعميم متطرف لهذا القانون. غير أن اهتمام سبنسر بالفلسفة الطبيعية عند شلنج قد توقف عند حد قانون «بير»، ولم تأت كل العناصر الباقية في بناء نظريته التطورية من الفلسفة، وإنما جاءت من العلوم الطبيعية بمعناها الدقيق، أي من الفرض السديمي عند كانت ولابلاس،
4
ومبدأ بقاء الطاقة، وأبحاث «ليل
Lyell » الجيولوجية،
ناپیژندل شوی مخ