لَكِنْ ذَهَبْتُ لأَرْتَدِي ... فَطَرَفْتُ عَيْني بِالرِّدَاءِ
فَقَالَ بَشَّارٌ: مَا أَشْعَرَكَ لَولَا أَنَّكَ سَرَقْتَنِي قَالَ حِيْنَ تقُوْلُ مَاذَا قَالَ حِيْنَ أَقُوْلُ (١):
وَقَالُوا قَدْ بَكِيْتَ فَقُلْتُ كَلَّا ... وَهَلْ يَبْكِي مِنَ الطَّرَبِ الجّلِيْدُ؟
وَلَكِنِّي أَصَابَ سَوَادَ عَيْنِي ... عُوَيْدُ قَذَى لَهُ طَرَفٌ حَدِيْدُ
فَقَالُوا مَا لِدَمْعهِمَا سَواءٌ ... أكِلْتَي مُقْلتيْكَ أَصَابَ عُوْدُ
فَقَالَ أَبُو العَتَاهِيَةِ فَأَنْتَ مَا أَشْعَرَكَ لَولَا أَنَّكَ سَرَقْتَ مِنْ عُمَرِ بن أَبِي رَبيْعَةَ حُيْثُ يَقُوْلُ (٢):
انْهَلَّ دَمْعِي فِي الرّدَاءِ صبَابَةً ... فَسَتَرْتُهُ بِالبُرْدِ مِنْ أَصْحَابِي
فَرَأى سَوَابِقَ عبْرَةٍ مُنْهَلَّةٍ ... عَمْرٌو فَقَالَ بَكَى أَبُو الخطَابِ
فَمَرَيْتُ نَظْرَتَيْهِ وَقُلْتُ أَصابَنِي ... رَمَدٌ فَهَاجَ العَيْنَ بِالتِّسْكَابِ
فَقَالَ بَشَّارٌ فَمَا أَشْعَرَ عُمَرًا لَولَا أَنَّهُ سَرَقَ هَذَا مِنْ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
إِذَا مَا العَيْنُ فَاضَ الدَّمْعُ مِنْهَا. البَيْتُ
وَهَذَا البَيْتُ أَشْعَرُ مِنْ كُلِّ بَيْتٍ فِي مَعْنَاهُ لِسِبْقِهِ إِلَى المَعْنَى وَإِيْجَازِهِ فِي العِبَارَةِ. وَقَدْ تَدَاوَلَ هَذَا المَعْنَى جَمَاعَةُ مِنَ الشُّعَرَاءِ مِنْهُمْ البُحْتُرِىُّ وَرَفَدَهُ بمَا لَعَلَّهُ اخْتَرَعَهُ من قَولِه (٣):
شَيَّعْتهُمْ فَاسْتَرَابُوني فَقُلْتُ لَهُمْ ... إِنِّي تَعِبْتُ مَعَ الأَحْمَالِ أَحْدُوْهَا
قَالُوا فَمَا نفسٌ يَعْلُو كَذَا صعُدًا ... وَمَا لِعَيْنَيْكَ مَا تَرْقَى مَآقِيْهَا
قُلْتُ التَّنَفُّسُ مِنْ إِدْمَانِ سَيْرِكُمُ ... وَمَاءُ عَيْني يَجْرِي مِنْ قَذًى فِيْهَا
وَمِنْهُمْ أحْمَدُ بن أَبِي فَنَنٍ فَإِنَّهُ قَالَ وَاخْتَرَعَ (٤):
(١) ديوان بشار بن برد: ٤/ ٤٠.
(٢) ديوان عمر بن أبي ربيعة: ٤٣.
(٣) الأبيات في ديوان البحتري: ٥/ ٢٧٤١.
(٤) الأبيات في أحمد بن فنن (مجلة المجمع العلمي العراقي): ج ٤ مج ٣٤: ١٦٧.