ليس من العسير على الإنسان بصفة عامة أن يعلل الظواهر المألوفة له في الطبيعة، كسقوط الأجسام الثقيلة ونمو النبات وتوالد الحيوان وتغذية الأجسام بألوان الطعام؛ والناس في كل هذه الظواهر يألفون أن يتبع حدث حدثا، حتى ليظنون أن ما يعدونه في الظاهرة المعينة سببا إنما يستتبع حتما ما يعدونه فيها مسببا؛ فإذا ما ظهر لهم السبب قطعوا بالحكم قطعا جازما حاسما بأن المسبب سيكون في إثره، ولا يكاد يطوف بعقولهم أدنى الشك بأن ذلك السبب سيستتبع مسببا غير الذي ألفوه فيما مضى ... ولكن قد يحدث أحيانا أن يقع ما لم يتوقعوه من الظواهر الشاذة غير المألوفة، كأن تزلزل الأرض تحت أقدامهم وقد ألفوها ثابتة، أو أن ينتشر فيهم وباء بغير علة معلومة أو أن تلد الأمهات أمساخا، وعندئذ تأخذهم الحيرة في تعليل ما وقع؛ إن الحيرة لم تأخذهم في مألوف الظواهر لأنهم «اعتادوا» أن يروا حوادث الطبيعة تجري هذا المجرى، أما أن تجري على غير مألوفهم، فذلك هو مدعاتهم إلى الحيرة في التعليل، فلماذا يا ترى حدثت هذه الأحداث الشاذة، وماذا عسى أن تكون الأسباب التي سبقتها فأحدثتها؟ إنهم ها هنا سرعان ما يلتمسون التعليل في سبب خفي يدبر الأمور بعقله تدبيرا على غير مألوف الطبيعة كما عهدوها؛ فكأنما الكثرة العظمى من الناس تقسم الظواهر قسمين: قسم لا يتعذر فيه إدراك الأسباب لأنه مألوف، وقسم يتعذر فيه ذلك لأنه شاذ يستوقف الفكر ويستدعي التأمل والنظر - أما الفيلسوف فشأنه آخر، لأنه بإمعان النظر في ظواهر القسم الأول، لا يراها مختلفة عن ظواهر القسم الثاني؛ لأنه لولا العادة التي أغمضت أعيننا لرأينا في كل ظاهرة - مهما تكن مألوفة لدينا - ما يستدعي التفكير: لماذا تتبع النتيجة سببها؟ ولا جواب عن هذا السؤال من طبيعة السبب نفسها، وإنما الجواب يلتمس في الخبرة السابقة، فهكذا جاءتنا خبراتنا السابقة بتتابع الحوادث والظواهر حتى أصبح تتابعها على هذا النحو دون سواه عادة مألوفة لنا؛ فلئن كانت الظاهرة الشاذة خلوا من علاقة ضرورية تربط بين مقدماتها ونتائجها، فهكذا الحال في كل ظاهرة من الظواهر المألوفة نفسها؛ لأن الخبرة السابقة لهذه الظواهر المألوفة إنما دلت على «تجاور» بين ما أسميناه سببا وما أسميناه مسببا، لكنها لم تدل على «رباط» ضروري ينبع من طبيعة السبب نفسه ويستلزم أن يتبعه المسبب على النحو الذي نرى.
وما أكثر الفلاسفة الذين أدهشتهم العلاقة بين السبب ونتيجته، بحيث راحوا يلتمسون التعليل في كائن غيبي مدبر عاقل يفسرون به كل ارتباط بين الأسباب ونتائجها؛ فبينما يقصر عامة الناس هذا الالتجاء إلى المبدأ الغيبي على الظواهر الشاذة وحدها، ترى هؤلاء الفلاسفة يرجعون إلى نفس المبدأ في الظواهر المألوفة والظواهر الشاذة على السواء؛ وهو لا يقتصرون في ذلك على أن يجعلوا الكائن الغيبي العاقل سببا أولا فحسب، أتت بعده سلسلة الحوادث أسبابا ومسببات؛ بل يجعلونه سببا مباشرا لكل حادثة جزئية تقع؛ فلئن كانت الظاهرة المعينة من الظواهر المألوفة لنا، تقع دائما مسبوقة أو محاطة بظروف معينة تواضعنا على أن نطلق عليها «أسباب» تلك الظاهرة، فهؤلاء الفلاسفة لا يرون في هذه الظروف التي تسبق أو تحيط بالظاهرة إلا فرصة سانحة فقط لحدوث تلك الظاهرة، أما «سبب» الحدوث دائما فهو «الكائن الأسمى» الذي شاءت إرادته أن تكون هذه الظاهرة المعينة مصاحبة دائما لمثل تلك الظروف التي تصاحب وقوعها؛ فإذا كانت الكرة المتحركة من كرات البليارد قد صدمت أخرى ساكنة فحركتها، فتعليل هذه الظاهرة عند هؤلاء الفلاسفة هو أن الله قد شاءت إرادته أن تتحرك الكرة الثانية، وأنه قد عين لها هذه الحركة بأن جعل الكرة الأولى تصدمها على نحو ما فعلت، وذلك بناء على قوانين عامة سنها لنفسه لكي يحكم العالم بمقتضاها؛ ثم يمضي هؤلاء الفلاسفة أنفسهم في منطقهم هذا، فيقولون إننا إذا كنا نجهل القوة الحقيقية التي تسبب ما بين الأجسام من تفاعل، فنحن أشد جهلا بالقوة التي تسبب التفاعل بين العقل والجسم، أو بين الجسم والعقل؛ فليس في إدراكاتنا الحسية ولا في إدراكاتنا لمجرى شعورنا الباطني ما يدلنا على تلك القوة السببية في أي من الحالتين؛ وإذن فالنتيجة التي ينتهون إليها في حالة العقل والجسم، هي نفسها النتيجة التي انتهوا إليها في حالة تفاعل جسمين، وهي أن الله هو السبب المباشر الذي ينتج الصلة بين العقل والجسم؛ فإذا رأيت بعينيك شيئا، فلا تقل إن حاسة البصر منك هي التي أحدثت ما قد حدث فيك من إحساس بصري، بل قل إنها إرادة الله القادر على كل شيء والخالق لكل شيء فهو الذي أثار فيك ذلك الإحساس، وهيأ له حركة معينة في حاستك البصرية؛ وكذلك إذا عزمت بإرادتك أن ترفع ذراعك ثم رفعتها؛ فلا تقل - من وجهة نظر هؤلاء الفلاسفة - إن الإرادة سبب أحدث رفع الذراع، بل قل إنه الله الذي شاءت إرادته أن ترتفع ذراعك في تلك اللحظة، ولذلك فهو الذي أعان إرادتك - وإرادتك في ذاتها عاجزة - على أن ترفع الذراع، ولو أرجعت حركة ذراعك إلى قوة إرادتك أخطأت السبب الحقيقي، فنسبت إلى نفسك ما كان ينبغي أن تنسبه إلى الله؛ ولا يقف هؤلاء الفلاسفة عند حد الإحساس والإرادة، بل يجعلون الله كذلك سببا في أي فكرة تمثل في العقل، فما أفكارنا إلا وحي يوحى به من عند الله؛ فلو رأيت نفسك تتجه بفكرك نحو شيء معين، فأنت مخطئ - عند هؤلاء الفلاسفة - إذا زعمت أنك قد فعلت ذلك بإرادتك، لأنك لا تستطيع أن تخلق لنفسك فكرة مهما تكن، إنما يخلقها لك الله خالق الكون كله، بأن يكشف لك عنها، ويهيئ لها وسائل المثول أمام عقلك.
66
هكذا ترى أولئك الفلاسفة يدخلون الله في كل شيء، لا يرضيهم أن يكتفوا بالمبدأ القائل إنه لا وجود لشيء إلا بإرادة الله وإنه لا قوة لشيء إلا بمشيئته، بل يريدون فوق ذلك أن يسلبوا الطبيعة وكل ما فيها من كائنات مخلوقة ما لها من قوة، ليجعلوا كل شيء معتمدا على الله اعتمادا مباشرا وكاملا ومحسوسا وهم لا يدرون أنهم برأيهم هذا إنما يحدون - بدل أن يزيدوا - من الصفات التي أخذوا أنفسهم بتعظميها، كأنما هم يستهدفون هدفا لا يعرفون الوسيلة الصحيحة إليه؛ إذ لا شك أننا نقيم الحجة أقوى على قدرة الله إذا تصورناه وقد أذن لمخلوقاته بدرجات متفاوتة من القوة، منا لو جعلناه مسيطرا بقوته المباشرة على كل شيء كبر أو صغر؛ إننا نقيم الحجة أقوى على حكمة الله إذا تصورناه وقد صمم الإطار العام لهذا الكون، وعرف بسابق فكره أنه لو ترك العالم وشأنه بعد هذا التخطيط العام، فسيجري على نحو يرضي حكمته، منا لو تصورناه في كل لحظة يعيد إحكام الأشياء بعضها مع بعض ليتسق سياقها ويستقيم مجراها؛ إننا نقيم الحجة أقوى على حكمته لو تصورناه وقد أعد الآلة الكونية ثم تركها تسير على نحو ما قدر لها، منا لو تصورناه ينفخ كل لحظة في عجلاتها لتدور.
67 (4-2) الجبر والاختيار
لبث المتنازعون على اختلاف في الرأي بالنسبة إلى بعض المشكلات منذ أن نشأ عند الإنسان علم وفلسفة؛ ولو قد اتفق هؤلاء على معاني ألفاظهم لكان الأرجح أن ينحسم ما بينهم من اختلاف؛ لأنه اختلاف في استخدام الألفاظ أكثر منه اختلافا في موضوع المشكلة التي هي موضع النزاع بينهم؛ وقد كان يكفي هؤلاء المتنازعين أن يروا مشكلتهم التي يتنازعون عليها قائمة كما هي على مر الزمن، لا تحلها المناقشات، ليعلموا أنه لا بد أن يكون في العبارات المستخدمة بشأنها غموض، وأن المتناقشين لا بد أن يكونوا قد استخدموا اللفظة الواحدة بمعان مختلفة، لأنه ما دام الناس يتشابهون في ملكاتهم العقلية - وبغير هذا التشابه لم يكن ليجدي أحدا أن يناقش أحدا في شيء - فقد كان الأرجح للمتناقشين المتنازعين حول المشكلات القائمة الدائمة أن ينتهوا فيها إلى حل يرضيهم جميعا، لو كانوا على اتفاق تام فيما بينهم على معنى واحد محدد لكل لفظة يستخدمونها.
68
ومن المشكلات التي طال قيامها بين الناس واتصل نقاشهم فيها بسبب غموض المعاني المقصودة بالألفاظ المستخدمة في بحثها، مشكلة الحرية والجبر؛ فتلك مشكلة لو كانت ألفاظها قد تحددت معانيها بتعريفات حاسمة، لزال منها موضع الإشكال؛ وفيما يلي عرض جديد للمشكلة يتبين منه القارئ كم كان الأمر كله يدور حول ألفاظ، وأما الموضوع نفسه فلا خلاف عليه، ولنبدأ بفكرة «الجبر» ثم نعقب عليها بالفكرة الأخرى، فكرة «الحرية».
ليس بين الناس من لا يعترف بأن المادة في كل عملياتها إنما تتأثر بفعل قوة ضرورية، بحيث تجيء الظاهرة من ظواهر الطبيعة متعينة محددة الصورة معلومة الدرجة، بحكم فاعلية سببها، حتى ليستحيل لهذا السبب نفسه أن يستتبع نتيجة غير النتيجة المتعينة المحددة المعلومة؛ فالجسم المتحرك - مثلا - إنما يتحرك في اتجاه معين وبسرعة معينة، حتى لتأخذنا الدهشة إذا ما وجدناه يتحرك في اتجاه آخر وبسرعة أخرى غير ما نتوقع له بحكم السبب الذي أحدث الحركة فيه؛ وإذن فلو أردنا أن نكون لأنفسنا فكرة مضبوطة دقيقة عن «الضرورة» أو «الجبر» كان حتما علينا أن نتعقب المسالك التي منها تسللت إلينا فكرتنا عن الأجسام المادية بحيث أصبحنا نتوقع لها سلوكا معينا في ظروف معينة.
إنه لو كانت ظواهر الطبيعة من التغير والتباين بحيث لا تتشابه فيها حادثتان وبحيث تجيء كل ظاهرة فريدة في نوعها، ليس بينها وبين سابقة لها أدنى شبه، بل تكون جديدة كل الجدة، لاستحال علينا - في مثل هذه الحالة - أن نكون لأنفسنا أقل فكرة عن «الضرورة» أو عن الرابطة المحتومة التي نفرض وجودها بين الأشياء والظواهر؛ إننا في مثل هذه الحالة ما كنا لنقول عن أي شيء مما يحدث أو أية حادثة مما يقع إنها جاءت لاحقة لكذا وكذا من الأشياء أو الحوادث السابقة، دون أن نفرض البتة أن الحادثة السابقة قد «أحدثت» أو «أنتجت» الحادثة اللاحقة؛ أو بعبارة أخرى، لو كانت هذا هي الحال، لما عرف الإنسان شيئا عن سبب ومسبب أو علة ومعلول، لأنه لم يكن ليربط الحوادث المتتابعة بمثل هذه العلاقة؛ وبالتالي لم يكن ليستطيع الإنسان أبدا أن يستنتج شيئا عن مجرى الحوادث في الطبيعة، وكانت الحواس والذاكرة وحدهما لتصبحا معين معرفته الوحيد؛ فلا وجود إلا لما يطبع حواسه في اللحظة الراهنة أو ما تدله الذاكرة على أنه قد طبع حواسه في لحظة سابقة؛ أما أن «يتوقع» حدوث شيء في المستقبل على أساس ما قد وقع في الماضي، فذلك لم يكن ليدخل في حدود مستطاعه؛ وإذن ففكرتنا عن ضرورة الحدوث أو السببية قد نشأت بحذافيرها من الاطراد الذي لاحظناه في وقوع الحوادث في الطبيعة؛ إذ لاحظنا أن الظواهر المتشابهة تكون دائما مرتبطة بغيرها على نحو واحد، وبهذا نشأت للعقل عادة الحكم بتوقع ظهور اللاحق إذا رأى السابق قد حدث؛ فلو لاحظنا - مثلا - أن الظاهرة «س» تحدث دائما متبوعة بالظاهرة «ص»، اعتدنا هذا الرباط بينهما حتى إذا ما حدثت بعد ذلك «س» توقعنا بعدها «ص»؛ فإذا ما قلنا إن حدوث «ص» بعد حدوث «س» أمر ضروري، كان المعنى المراد ب «الضرورة» هنا هو أن الاطراد بينهما قد لوحظ فيما مضى، وأن عادة عقلية قد نشأت لدينا من هذا الاطراد الملحوظ بينهما؛ أعني أن «ضرورة» الحدوث ليست ناجمة من طبيعة «س» ولا من طبيعة «ص» بل من طبيعة الإنسان في تكوين عاداته فلا ينبغي لنا - إذن - أن نفهم من لفظ «الضرورة» أو لفظ «الحتم» أو لفظ «الجبر» أو ما في معناها، أي شيء أكثر من أن الاطراد بين الحادثتين اللتين نقول عنهما إن بينهما ضرورة ارتباط، قد كان دائم الوقوع ولم يشذ، وأن العادة التي تكونت عند الإنسان من ملاحظته لهذا التتابع المطرد بينهما قد مكنته من أن يتوقع أو «يستدل» حدوث الحادثة اللاحقة إذا ما حدثت الحادثة السابقة.
ناپیژندل شوی مخ