ويعترف هيوم بهذه الوجهة من النظر،
50
لكنه يستطرد ليقول إن المعارف الاحتمالية نفسها ليست على درجة سواء، فمنها ما هو احتمالي من الوجهة المنطقية، لكنه في حقيقته يجاوز حدود الاحتمال، فيكون درجة أعلى من درجات الإثبات، فنحن إذ نحكم - مثلا - بأن الشمس ستشرق غدا كما أشرقت ملايين المرات من قبل، فإننا لا نحكم - من وجهة النظر المنطقية الخالصة - إلا بما هو احتمالي، لأننا عندئذ نبني الحكم على أساس أن الكون سيجري غدا على غرار ما قد جرى عليه أمس القريب وأمس البعيد، لكن ليس بين أيدينا البرهان اليقيني على صدق هذه الدعوى؛ ومع ذلك «فإن من يزعم أن شروق الشمس غدا ليس إلا احتمالا ... إنما يضع نفسه موضع السخرية، على الرغم من أنه ليس لدينا ما يؤكد لنا صدق هذه الحقيقة سوى خبرات الماضي.»
51
ولذلك لم يرد هيوم عند تقسيم المعارف الإنسانية قسمين أن يقف عند هذا الحد بغير تفصيل، بل يرى ضرورة التفرقة بين المعارف الاحتمالية نفسها، بحيث نميز فيها نوعين: ما هو قائم على أساس «البرهان» من جهة، وما هو قائم على أساس «التخمين» من جهة أخرى ... وبهذا تصبح درجات الإثبات ثلاثا: أعلاها اليقين المنطقي، ويتلوها درجة الاحتمال البرهاني، وأدناها درجة الاحتمال التخميني؛ والانتقال من الاحتمال التخميني إلى الاحتمال البرهاني إنما يتم على خطوتين متدرجتين: احتمال المصادفات، ثم احتمال الأسباب.
52
والمقصود باحتمال المصادفات احتمال يتعلق بالحوادث ووقوعها، حين تقع الحادثة بغير سبب معلوم، وحين يكون هنالك أكثر من سبيل واحدة لمجرى الحوادث، كلها سواء في إمكان الوقوع؛ إذ لا يكون لدينا أساس معلوم نستطيع أن نعتمد عليه في ترجيحنا لسبيل منها دون سائر السبل؛ ومن قبيل احتمال المصادفات أن تقذف بقطعة النقد فيظهر أحد وجهيها دون الآخر، أو أن تستخرج ورقة من بين أوراق اللعب فتخرج حمراء أو سوداء؛ ففي هذين المثالين ترى أن الحادثة التي وقعت لا ترجح الحادثة التي لم تقع، بل كانت الحادثتان أول الأمر على درجة سواء من احتمال الوقوع، ولم يكن لنا أساس معلوم يصح لنا أن نبني عليه رجحان حادثة منهما على أخرى.
على أن هذه الاحتمالات المتساوية من حيث توقع حدوثها، تأخذ في التفاوت (من الوجهة النفسية لا من الوجهة المنطقية) حين يزيد عدد الفرص في ناحية عنه في ناحية أخرى؛ فلو كان لدينا - مثلا - زهرة من زهرات النرد، ذات ستة جوانب، نقش على أربع منها عدد معين، ونقش على الجانبين الآخرين عدد معين آخر، كان ظهور العدد الأول عند رمي الزهرة أرجح احتمالا من ظهور العدد الثاني، على الرغم من أن كل جانب على حدة يساوي في درجة احتمال ظهوره أي جانب آخر.
نقول إن الأرجحية هنا ليست منطقية، لأن الأمر كله على أي حال مرجعه «التخمين» ولا برهان هناك؛ أعني أننا حين نحكم برجحان ظهور العدد المكرر على جوانب أربعة، لا نصدر في ذلك عن فكرة وعلاقتها بفكرة أخرى، بل نصدر عن الخبرة الحسية مباشرة، لنحكم بما سيقع بناء على ما قد وقع في حالات ماضية شبيها بالحالة التي نحن بصددها.
ولكن السؤال لا يزال قائما: لماذا نرجح للعدد المكرر على أربعة جوانب، دون العدد المكرر مرتين، أن يظهر عند رمي الزهرة؟ مرجع الحكم هنا نفسي، لا منطقي، فالمنطق يقضي بتساوي الاحتمالات في الجوانب الستة جميعا، لكن الخيال لا يتصور طبعا أن هذه الجوانب الستة ستظهر كلها معا دفعة واحدة، بل لا بد من اختيار واحد دون سائرها، فماذا يكون هذا الواحد؟ سيمر الخيال بالجوانب الستة مرا سريعا، ليقع الترجيح على جانب منها، وها هنا ستكون الصورة الذهنية للعدد المكرر أربع مرات أوضح وأنصع من الصورة الذهنية للعدد المكرر مرتين فقط، وما مصدر الوضوح والنصوع إلا زيادة التكرار؛ وبهذا يقف الإنسان إزاء فكرتين، إحداهما أقوى نصوعا في الذهن من زميلتها، فتكون - على هذا الأساس - أقرب إلى الصدق، بناء على المبدأ الأولى العام في فلسفة هيوم، وهو أن صدق الفكرة هو في درجة وضوحها عند ارتسام صورتها في الذهن.
ناپیژندل شوی مخ