173

دلیل و برهان

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

وليس كل من عرفته موجودا عرفته حيا، وهو الذي يدلك على أن الوجود ليس بصفة، وأن كون الموجود حيا من الجائزات، وكون الحي موجودا من الواجبات.

فإذا اطرد لنا هذا وانعكس في أن الحي فاعل وأن الفاعل حي، فليس يصح في العقول كون الحي لا فاعلا، ولا كون الفاعل لا حيا، فلهذا قلنا: إنه علم ضروري لا يتطرق إليه الشك.

واعلم أن الحب والبغض كالرضا والسخط، وأن الولاية والعداوة كالحب والبغض، حتى لا يقع التكرار بعد هذا، لأنها قريبة البعض من البعض، إلا أنها فوق الفعل دون الإرادة والكراهة، والإرادة والكراهة دون القدرة، وفوق الرضا والسخط وأخواتها، والقدرة دون العلم وفوق الإرادة والكراهة، والعلم دون الحياة وفوق القدرة، والحياة دون الوجود وفوق العلم.

وهما تتبعتها من فوق إلى أسفل كانت عموما، ومهما تتبعتها من أسفل إلى فوق كانت خصوصا من عموم.

واختلف أهل العلم في النظام. فقال بعضهم: العلم نظام الكل.

وقال بعضهم: القدرة نظام الكل.

وقال بعضهم: الحياة نظام الكل. ولذلك قال بعضهم: إنها ليست بصفة. ويذهبون بها إلى الذات، وليس على الجميع ضرر ولا ضرورة، والذي أميل إليه أن الحياة هي النظام، لأن حد الحي الفاعل، فكل حي فاعل، وكل فاعل حي، وقد اطرد وانعكس، فإذا كان ذلك كذلك، فلن يستقيم الفعل من حي، حتى يكون عالما قادرا مريدا كارها راضيا ساخطا فاعلا.

فإذا كانت حقيقة الحي هو الفاعل، والحي يقتضي الصفات التي ذكرنا، والفاعل يقتضي ما دون ذلك، وهو المر والنهي يستدعيان الطاعة والمعصية، والطاعة والمعصية يقتضيان بيان المطيع والعاصي، ويستوجبان الثواب والعقاب وهما الجنة والنار.

ولي في الوجود إلا الفاعل والفعل، فقد أشتمل اسم الحي الفعال على الكل، وغليه الإشارة بقول الله - عز وجل -: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم) ونص عليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أنها أعظم آية في القرآن الكريم».

مخ ۸