170

دلیل و برهان

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

وعلى هذه العلوم الثلاثة ينبني البرهان ومنها يتركب، فمن لم يحسبها ويتعرف طرقها، استعجمت عنه براهين الدنيا، فضلا عن برهان واحد منها وأنا لا أدري أكنت تحسنها أم لا تحسنها.

فلو علمت أنك ممن يحسنها، لاقتصرت لك عن إيضاح الحق في سطرين، وأوضح لك البرهان في كلمتين، ولكن يا أخي سأشرع لك في إيضاحها وإظهار معانيها، حتى تكون طرق البرهان وسبل الحجاج عندك موجودة مدخرة عتيدة، إن شاء الله لتحقيق الحق وإبطال الباطل، والله المستعان.

وإنما وقعت المغالطات بين الخصوم من تضييعهم معرفة هذه الأصول، فلما بطلوا عطلوا.

ويعتور على البرهان ثلاثة ألفاظ: برهان صحيح، ومموه صريح، وخطاب فصيح.

وهذه الطرق الثلاثة هي التي سلكت بنو آدم في الدعاء إلى اعتقاداتهم ومذاهبهم.

فمن بنى برهانه على الحد والقياس والطرد والانعكاس، كان برهانه صحيحا في العقليات.

والبرهان المموه الصريح: هو الذي تقع المغالطة في طريق استعماله من أحد الخصمين، فيفترقان على غير طائل.

والبرهان في الخطاب الفصيح إقامة الحق والباطل في نفس المخاطب، حتى يعتقده من غير دليل ولا برهان صحيح ولا تمويه صريح، فإن سلك فيه طريق الحق كان حقا، وإن سلك فيه طريق الباطل كان باطلا، ويسوغ للأمرين.

والتمويه ليس فيه إلا الباطل، والبرهان (1) ليس فيه إلا الحق، فاحترز ما قدرت من التمويه، ولا تركن إلى القول الفصيح، حتى يقع البرهان الصحيح.

والبرهان الصحيح - كما ذكرت لك - هو الحد والقياس وهو الطرد والانعكاس، وقد نبهتك أولا على تحقيق المعاني واطرح الألفاظ.

واعلم أن وصولك إلى معرفة المعاني بثلاثة مقامات: إحداها هلهلته، والثاني ماهيته، والثالث كيفيته.

فالهلهلة: هي ذات الشيء، ولن تفيدك برد اليقين.

والماهية: هي رسمه، والرسم قد يبين وقد لا يبين.

مخ ۵