وأتبع هذا الكلام بقوله: إن الجنرال جوردون عقد العزيمة على أن ينجو بنفسه من طريق إفريقيا الوسطى حيث تحقق أن حكومته غير مهتمة بإنقاذه، ويرى أنه لا سبيل إلى الاتفاق مع القبائل التي أخذت عليه طريق بربر إلا بمساعدة زبير باشا (اليوم يضطر لمساعدة زبير باشا) وهو من أعدائه، ولا نرى الزبير إلا مسلما لو سمحت ذمته بإنقاذ حياة جوردون فلا تسمح أن يكون السودان ولاية إنجليزية، وفي جريدة «الأكسترابلات» أن الحكومة الإنجليزية ورد إليها كتاب من جوردون مفاده: «ليس في طاقة أحد من البشر أن ينجينا من الخطر؛ لأننا محاطون من جميع الأطراف بالقبائل الثائرة، فلم يبق لنا سوى التضرع إلى الله بتبديد شملهم، فإن لم تسعفنا العناية الإلهية بإجابة دعوتنا فلا ريب أن تلك القبائل تنهب وتفتك بجميع سكان الخرطوم قبل وصول نجدة إنجليزية إلينا.» (وليته سأل الله تعالى حل المسألة السودانية وفوض إليه الأمر فيها وأراح نفسه من السفر إلى الخرطوم).
وجاءت الأخبار الأخيرة بأن مدينة شندي، وهي على النيل في منتصف الطريق بين بربر والخرطوم، وقعت في أيدي رجال محمد أحمد، هذا بعد أن طلب الجنرال جوردون من حكومته أن ترسل فريقا من الجيوش لتخليص حامية تلك المدينة وموظفي إدارتها، ورأت الحكومة من الصواب أن لا ترسل، فلما ضاق الأمر على الحامية ويئسوا من القدرة على الدفاع؛ ركن فريق منهم يبلغ ثلاثمائة شخص إلى الفرار واندفعوا على صفوف محاصريهم لعلهم يجدون من بينها سبيلا، فلم يستطيعوا ونزل بهم من أمر الله ما لا محيد عنه، بعث الجنرال جوردون ببرقية إلى القاهرة يشكو فيها عدم وصول الأخبار إليه من السير بارين (وكيل إنجلترا السياسي في مصر).
قالت التايمس: «ولعل البرقيات التي بعث بها بارين إليه تناولها الثائرون»، ومن كلام هذه الجريدة أن الحكومة الإنجليزية أرسلت الجنرال إلى السودان وفوضت إليه الأمر فيما يفعله ليصيب بتدبيره غاية حسنة، ونرى أن هذه الحكومة غلت يديها بترك الجنرال وشأنه مما يلحق بها عارا عظيما.
اشتدت حملة القبائل على بربر وخارت عزائم حاميتها وسكانها وأخذ اليأس بقلوبهم، ووردت برقية من مدير بربر إلى الوزارة المصرية يشكو بها تلك الحالة، ويقول: إنه لا يمضي بضعة أيام حتى يفتحها الثائرون ويحل بها من أيديهم ما حل بمدينة شندي، وبعد هذا جاءت برقية من القاهرة مفادها أن نوبار باشا يخشى أن يمتد لسان الفتنة إلى أسوان في وقت قريب، وإنا نشاركه في هذا الخوف ونزيد عليه الإشفاق من التهاب النيران في القاهرة وأطراف القطر المصري - ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الفصل الأربعون
محاولة في مصر
كل يوم يظهر من إنجلترا شأن جديد في معاملة الشرقيين والطرق التي تأخذهم بها لقضاء أوطارها من بلادهم، وتلاعبهم وتداعبهم وتجاملهم وتلاطفهم، وتعدهم وتمنيهم وتخيفهم وتؤمنهم، حتى تشتبه عليهم مسالك الفكر، وتلتبس مسارح النظر، ثم تحملهم بعد الدهشة على قبول سلطتها والرضا بولايتها، بل على طلب ذلك منها، والتماسه من كرمها، وهي في كل أعمالها تهزأ بهم وتحسبهم في عداد الصبيان القاصرين، أو من قبيل البهائم التي لا تعقل ، سلكت مسلكها هذا على بعض من أوروبا وانفردت في الأقطار الهندية النائية ، وليس لدولة من الدول إحاطة بما تجريه في حكومتها لتلك البلاد.
ثم تطرفت في هذا المشرب فعمدت إلى استعماله في مصر تحت أنظار أوروبا، وقصدت أن تدعو المصريين للإقرار بحمايتها، ورفع التماسهم إليها لعل كرمها يسمح بمنحهم شرف سيادتها عليهم، لكن الحيلة لم تذهب على المصريين ولم تختلس عقولهم تلك الشعوذات؛ فقد جاء في خبر مؤكد أن مأموري الحكومة الإنجليزية في مصر حاولوا تكليف الأهالي بتحرير محضر يلتمسون فيه حماية دولة إنجلترا ليكون التماس الأهالي حجة لديها عند الدول تقيم بها عذرا في إخلاف وعودها، حتى إذا حاسبوها على تصرفها في أرض مصر وضمها إلى أملاكها تدعي أنها مضطرة فيما تصنع والأهالي هم الذين رغبوا إليها ذلك، وهي لا تأبى قبول رغبتهم رحمة بهم ورأفة، هكذا تحاول أن تفعل في مصر وهي متاخمة لأوروبا وفيها من الأوروبيين المختلفي الأجناس ما يزيد على مائة ألف، ولا تخشى لائمة ولا تخاف عاقبة، وإن ظننا بالمصريين على اختلاف طبقاتهم أنهم لن يفعلوا ذلك ما دامت أرواحهم في أبدانهم.
الفصل الحادي والأربعون
رأي الجرائد الفرنسية في الإنجليز
ناپیژندل شوی مخ