فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان ــ مع ذلك ــ لابدّ للنصوص من معنى، بقوا متردّدين بين الإيمان باللفظ، وتفويض المعنى، وهي التي يسمونها: طريقة السلف، وبين صرف اللفظ إلى معانٍ (^١) بنوع تكلُّف، وهي التي يسمونها: طريقة الخلف؛ وصار هذا الباطل مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا (^٢) فيه على أمور عقلية ظنوها بيَّنات وهي شبهات، والسمع حرَّفوا فيه الكَلِمَ (^٣) عن مواضعه.
فلما انْبَنى (^٤) أمرُهم على هاتين المقدِّمتين الكاذبتين الكُفْريتين، كانت النتيجة استجهال السابقين الأوّلين (^٥) واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قومًا (^٦) أميين، بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحَّروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطَّنوا لدقيق (^٧) العلم الإلهي، وأن الخَلَفَ الفضلاء حازوا قَصَب السَّبْق في هذا كله.
وهذا (^٨) القول إذا تدبَّره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة. كيف يكون هؤلاء المتأخِّرون ــ لاسيما والإشارة بالخَلَف إلى
(^١) (أ، ب، ق): «معاني» وزاد في المطبوعة «أخرى».
(^٢) الأصل: «اعتقدوا».
(^٣) (خ): «حرفوا الكلام فيه».
(^٤) (ب، ق): «انتهى». (ك): «ابتنى».
(^٥) «الأولين» ليست في (ف، خ).
(^٦) ليست في (ك).
(^٧) (خ، ط): «لدقائق».
(^٨) (خ): «فإن هذا»، (ط): «ثم هذا».