501

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

خپرندوی

شركة من العلماء بمساعدة إدارة الطباعة المنيرية

سلطنتونه او پېرونه
عثمانيانو
التَّقْدِير، من تأسيس أول يَوْم، وَضَعفه بَعضهم بِأَن التأسيس لَيْسَ بمَكَان. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: التَّقْدِير من أول يَوْم من أَيَّام وجوده. قلت: هَذَا جنوح إِلَى مَذْهَب الْكُوفِيّين. وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد أَن كل من كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَة على الأَرْض لَا يعِيش بعْدهَا أَكثر من مائَة سنة، سَوَاء قل عمره قبل ذَلِك أم لَا، وَلَيْسَ فِيهِ نفي عَيْش أحد بعد تِلْكَ اللَّيْلَة فَوق مائَة سنة. وَيُقَال: معنى الحَدِيث أَنه ﷺ وعظهم بقصر أعمارهم بِخِلَاف غَيرهم من سالف الْأُمَم، وَقد احْتج البُخَارِيّ وَمن قَالَ بقوله على موت الْخضر، وَالْجُمْهُور على خِلَافه. وَمن قَالَ بِهِ أجَاب عَن الحَدِيث بِأَنَّهُ من سَاكِني الْبَحْر فَلَا يدْخل فِي الحَدِيث. وَمن قَالَ: إِن معنى الحَدِيث: لَا يبْقى مِمَّن تَرَوْنَهُ وتعرفونه، فَالْحَدِيث عَام أُرِيد بِهِ الْخُصُوص. وَقيل: أَرَادَ النَّبِي ﷺ بِالْأَرْضِ الْبَلدة الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة﴾ (النِّسَاء: ٩٧) يُرِيد الْمَدِينَة. وَقَوله: مِمَّن هُوَ على وَجه الأَرْض احْتِرَاز عَن الْمَلَائِكَة. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا تَقول فِي عِيسَى ﵇؟ قلت: فَهُوَ لَيْسَ على وَجه الأَرْض بل فِي السَّمَاء، أَو هُوَ من النَّوَادِر. فَإِن قلت: فَمَا قَوْلك فِي إِبْلِيس؟ قلت: هُوَ لَيْسَ على ظهر الأَرْض بل فِي الْهَوَاء أَو فِي النَّار، أَو المُرَاد من لفظ من هُوَ الْإِنْس وَالله أعلم. قلت: هَذِه كلهَا تعسفات، وَلَا يرد على هَذَا لَا بِعِيسَى، ﵊، وَلَا بإبليس. فَإِن مُرَاده ﷺ مِمَّن هُوَ على ظهر الأَرْض أمته، والقرائن تدل على ذَلِك، مِنْهَا قَوْله: (أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه؟)، وكل من على وَجه الأَرْض من الْمُسلمين وَالْكفَّار أمته، أما الْمُسلمُونَ فَإِنَّهُم أمة إِجَابَة، وَأما الْكفَّار فَإِنَّهُم أمة دَعْوَة. وَعِيسَى وَالْخضر، ﵉، ليسَا داخلين فِي الْأمة. وَأما الشَّيْطَان فَإِنَّهُ لَيْسَ من بني آدم. وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا أَرَادَ، ﵊، أَن هَذِه الْمدَّة تخترم الجيل الَّذِي هم فِيهِ، فوعظهم بقصر أعمارهم، وأعلمهم أَن أعمارهم لَيست كأعمار من تقدم من الْأُمَم ليجتهدوا فِي الْعِبَادَة. وَقد أخرج البُخَارِيّ، فِيمَا انْفَرد بِهِ عَن أبي بَرزَة الْأَسْلَمِيّ: أَن رَسُول الله، ﵊، كَانَ يكره النّوم قبل الْعشَاء والْحَدِيث بعْدهَا، فَهَذَا يدل على الْمَنْع مُطلقًا، والْحَدِيث الْمُتَقَدّم يدل على جَوَاز السمر فِي الْعلم وَالْخَيْر، فنخص الْعُمُوم فِيمَا عداهما. وَأما مَا عدا ذَلِك فَذهب الْأَكْثَر إِلَى كَرَاهَته، مِنْهُم أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس، وَكتب عمر، ﵁، أَن لَا ينَام قبل أَن يُصليهَا فَمن نَام فَلَا نَامَتْ عينه. وَهُوَ قَول عَطاء وَطَاوُس وَإِبْرَاهِيم، وَقَول مُجَاهِد وَمَالك والكوفيين وَالشَّافِعِيّ، وَرخّص طَائِفَة فِيهِ، رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، ﵁، أَنه كَانَ رُبمَا غفى قبل الْعشَاء، وَكَانَ ابْن عمر ينَام ويوكل من يوقظه، وَعَن أبي مُوسَى مثله، وَعَن عُرْوَة وَابْن سِيرِين أَنَّهُمَا كَانَا ينامان نومَة قبل الْعشَاء، وَاحْتج لَهُم بِأَن الْكَرَاهَة إِنَّمَا كرهت لمن خشِي عَلَيْهِ تفويتها، أَو تَفْوِيت الْجَمَاعَة فِيهَا. وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف قَول مَالك، فَقَالَ مرّة: الصَّلَاة أحب إِلَيّ من مذاكرة الْفِقْه. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: الْعِنَايَة بِالْعلمِ، إِذا صحت النِّيَّة، أفضل. وَقَالَ سَحْنُون: يلْتَزم أثقلهما عَلَيْهِ.
١١٧ - حدّثنا آدمُ قَالَ: حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدثنَا الحَكَمُ قالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحارِثِ زَوْجِ النَّبيَّ ﷺ، وكانَ النَّبيُّ ﷺ عِنْدَها فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ العِشَاءَ ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلهِ فَصَلَّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ، ثُمَّ قَامَ ثُمَّ قالَ: (نامَ الغُلَيِّمُ؟) أوْ كَلِمَةُ تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أوْ خَطِيطَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نَام الغليم)، قَالَه ابْن الْمُنِير، وَيُقَال: ارتقاب ابْن عَبَّاس، ﵄، لأحوال النَّبِي، ﵊، إِذْ لَا فرق بَين التَّعَلُّم من القَوْل والتعلم من الْفِعْل، فقد سمر ابْن عَبَّاس ليلته فِي طلب الْعلم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الَّذِي فِيهِ من الدّلَالَة على التَّرْجَمَة هُوَ مَا يفهم من جعله على يَمِينه كَأَنَّهُ، ﵇، قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: قف على يَمِيني. فَقَالَ: وقفت. وَيجْعَل الْفِعْل بِمَنْزِلَة القَوْل، أَو أَن الْغَالِب أَن الْأَقَارِب إِذا اجْتَمعُوا لَا بُد أَن يجْرِي بَينهمَا حَدِيث للمؤانسة، وَحَدِيث النَّبِي، ﵊، كُله فَائِدَة وَعلم، ويعد من مكارمه أَن يدْخل بَيته بعد صَلَاة الْعشَاء بِأَصْحَابِهِ، ويجد ابْن عَبَّاس مبايتا لَهُ وَلَا يكلمهُ أصلا. وَاعْترض بَعضهم على هَذَا كُله، فَقَالَ: كل مَا ذَكرُوهُ معترض، لِأَن من يتَكَلَّم بِكَلِمَة وَاحِدَة لَا يُسمى سامرا، وصنيع ابْن عَبَّاس

2 / 177