224

في الوقت الذي كان الصليبيون يكرسون جهودهم في نشر النصرانية المحرفة في ربوع الأندلس بعد نفي المسلمين منها، شرح الله صدر رجل من أكبر علمائها للإسلام، فأسلم وجهه لله، واستقام على طاعة الله، وجاهد بيده ولسانه وقلمه في سبيل الله عز وجل، ذلكم هو الشيخ "أبو محمد عبد الله بن عبد الله الترجمان الميورقي"، الذي كان قسيسا يدعى "انسلم تورميدا"، والذي اشتهر بالترجمان لأنه لما مضى خمسة أشهر على إسلامه، قدمه السلطان في الديوان لقيادة البحر، وكان يقصد من ذلك أن يتعلم اللغة العربية، لتكرر عمل الترجمة هناك بين النصارى والمسلمين، فأتقن اللغة العربية في سنة واحدة، وعينه الأمير رئيسا لشئون الترجمة.

ومن ألقابه عند العوام: "سيدى تحفة" وذلك نسبة إلى كتابه الشهير: "تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب" ذلك الكتاب الذي كان بمثابة ضربة قوية على بنيان النصرانية، كتبه عالم من أكبر علماء النصرانية في عصره باعتراف أهلها وشهادتهم، والذى افتتحه بذكر قصة إسلامه التي نختصرها فيما يلي، فلنصغ إليه الآن وهو يحكي لنا بداية هدايته، وكيف حرر الله قلبه من رق الشرك والكفران، وشرح صدره للإسلام، فكان على نور من ربه:

[اعلموا -رحمكم الله- أن أصلي من مدينة "ميورقة" (¬1) -أعادها الله للإسلام - وهي مدينة كبيرة على البحر بين جبلين، يشقها واد صغير، وهي مدينة متجر، ولها مرساتان -اثنان- عجيبتان، ترسو بهما السفن الكبيرة للمتاجر الجليلة، والمدينة في جزيرة تسمى باسم المدينة "ميورقة" وأكثر غاباتها زيتون وتين، ....

وكان والدى محسوبا من أهل حاضرة "ميورقة"، ولم يكن له ولد غيري، ولما بلغت ست سنين من عمري أسلمني إلى معلم من القسيسين، قرأت عليه الإنجيل، حتى حفظت أكثر من شطره في مدة سنتين، ثم أخذت في تعلم لغة الإنجيل، وعلم المنطق، في ست سنين.

مخ ۲۲۷