شعر خوراک
عيار الشعر
ایډیټر
عبد العزيز بن ناصر المانع
خپرندوی
مكتبة الخانجي
د خپرونکي ځای
القاهرة
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
(وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وسلَّم)
الحمدُ لله ربّ الْعَالمين، وصلواته على سيِّدنا مُحَمَّد وآلهِ الطَّاهرين.
قَالَ أَبُو الحَسَن مُحَمد بن أَحْمد بن طَبَاطَبَا العَلَوِيُّ - رَحْمَةُ الله عَلَيْهِ -:
وفَّقَك اللهُ للصَّواب وأعانَكَ عَلَيْهِ، وجَنَّبَكَ الخَطَأ وباعَدَك مِنْهُ وأدامَ أَنْسَ الآدابِ باصطفائِك لَهَا، وحياةَ الحكمةِ باقتنائك إيَّاها. فهمتُ - حاطك الله - مَا سَأَلت أنْ أصِفَهُ لَك من عِلْم الشّعْر، والسَّبَب الَّذِي يُتَوصَّلُ بِهِ إِلَى نَظْمِهِ، وتَقْريب ذَلِك على فَهْمِكَ، والتَّأنِّي لِتَيْسيرِ مَا عَسُرَ مِنْهُ عَلَيْك. وَأَنا مُبِّينٌ مَا سَأَلْتَ عَنهُ، وفاتحٌ مَا اسْتَغْلَقَ عليكَ مِنْهُ إِن شَاءَ اللهُ تعَالى:
(مَفْهُومُ الشِّعْر)
الشِّعْرُ - أَسْعَدَكَ اللهُ - كلامٌ منظومٌ بَان عَن المنثور الَّذِي يَسْتعملُهُ النَّاس فِي مخاطباتهم بهَا خُصَّ بِهِ من النَّظم الَّذِي إنْ عُدِل بِهِ عَن جِهَتهِ مَجَّتْهُ الأسْمَاعُ وفَسَدَ على الذَّوْق. ونَظْمُهُ معلومٌ محدودٌ؛ فَمَنْ صَحَّ طَبْعُهُ وذَوْقُهُ لم يَحْتَجْ إِلَى الاستعانَةِ على نَظْمِ
1 / 5
الشِّعر بالعَرُوض الَّتِي هِيَ مِيزَانه، وَمن اضطَرَب عَلَيْهِ الذَّوقُ لم يَسْتَغْنِ عَن تَصْحيحهِ وتَقْويمهِ بمَعْرفِة العَروضِ والحِذْقِ بهَا حَتَّى تَصِير معرفَتُهُ المُسْتفادةُ كالطَّبع الَّذِي لَا تَكَلُّفَ مَعَه.
(أدَوَاتُ الشِّعْر)
وللشِّعر أدواتٌ يجبُ إعدادُهَا قَبْلَ مَرَامِهِ وتكَلُّف نَظْمِه، فَمَنْ نَقَصَتْ عَلَيْهِ أداةٌ من أدواتهِ لم يَكْمُلْ لَهُ مَا يَتَكَلُّفهُ مِنْهُ، وبَانَ الخَلَلُ فِيمَا يَنْظمهُ، ولحِقَتْهُ العُيوبُ من كلِّ جِهَةٍ. فَمِنْهَا: التَّوَسُّعُ فِي عِلْم اللُّغة، والبراعةُ فِي فَهْم الإِعرَاب، والروايةُ لفُنُونِ الآدابِ، والمعرفةُ بأيَّام النَّاس وأنْسَابِهم ومَنَاقِبهم وَمَثَالبِهِمْ، والوقوفُ على مَذَاهب العَرَب الشّعْر، والتَّصَرُّفُ فِي مَعَانِيه فِي كلِّ فَنِّ قاَلَتْه العَرَبُ فِيهِ وسلوكُ مناهجها فِي صِفَاتِهَا ومُخَاطَبَاتِهَا وحِكَايَاتِهَا وأمْثَالِهَا، والسَّننِ المستعملة مِنْهَا، وتَعْريضِها وتَصْريحِها، وإطنابِهَا وتَقصيرِهَا، وإطالتِهَا، وإيجازهَا، ولُطِفْهَا وخَلاَبتِها، وعُذُوبِة ألفاظِها، وجِزالَةِ مَعَانيها، وحُسْن مَبَاديها، وحَلاوةِ مَقَاطِعها، وإيفَاءُ كل مَعْنىً حَظَّهُ من العبَارة، وإلبَاسُهُ مَا يُشَاكِلُهُ من الأَلْفاظ حَتَّى يَبْرُزَ فِي أَحْسَنِ زِيِّ وأَبْهَى صُورَة، واجتنابُ
1 / 6
مَا يَشيِنُهُ من سَفْسَافِ الْكَلَام وسَخيفِ اللّفْظِ، والمَعَاني المُسْتَبْردَةِ، والتَّشْبيهاتِ الكاذبة والإِشاراتِ المَجْهولة، والأوْصاف البَعيدةِ، والعبارات الغَثَّة، حَتَّى لَا يكونَ مُلَفَّقًا مَرْقُوعًا، بل يكونُ كالسَّبيكة المُفْرَغَةِ، والوَشْي المُنَمْنَم، والعِقْد المُنَظَمِ، والرِّيَاضِ الزاهرة، فتسابِقُ معانيهِ ألفاظَهُ فَيَلْتَذٌّ الفَهْمُ بِحُسْنِ مَعَانِيه كالتِذَاذِ السَّمْعِ بمونِق لَفْظِه، وتكونُ قَوَافيهِ كالقَوَالبِ لمعانيه، وتكونُ قَوَاعِدَ للْبِنَاء يَتَرَكَّبُ عَلَيْهَا ويَعْلو فوْقَها، ويكونُ مَا قبلهَا مَسبُوقًا إِلَيْهَا وَلَا تكون مَسْبُوقَةً إِلَيْهِ فَتَقْلَق فِي مَوَاضِعها، وَلَا تُوافِق مَا يَتَّصِلُ بهَا، وَتَكون الألفاظُ مُنْقَادَةً لما تُرَادُ لَهُ، غَيْرَ مُسْتَكرَهَةٍ وَلَا مُتْعَبَةٍ، مُخْتَصَرةَ الطُرق، لَطِيفةَ المَوَالِج، سَهْلَةَ المَخَارج.
وَجَماعُ هَذِه الأدوات كمالُ العَقْلِ الَّذِي بِهِ تَتَميزُ الأضدادُ، ولزومُ العَدْل، وإيثارُ الحَسنِ، واجتنابُ القَبيحِ، ووَضْعُ الأشْياءِ مَوَاضِعَهَا.
(بِنَاءُ القَصِيدَة)
فإذاَ أرَادَ الشَّاعِرُ بناءَ قَصيدةٍ مخَضَ المَعْنى الَّذِي يُريد بِنَاءَ الشِّعر عَلَيْهِ فِي فِكْرِهِ نَثْرًا، وأعَدَّ لَهُ مَا يُلْبسُهُ إيَّاهُ من الْأَلْفَاظ الَّتِي
1 / 7
تُطَابِقُهُ، والقوافي الَّتِي توافِقُهُ، والوَزْنِ الَّذِي سَلَسَ لَهُ القَوْلُ عَلَيْهِ، فَإِذا اتَّفَقَ لَهُ بيتٌ يُشَاكِلُ المَعْنَى الَّذِي يرومُهُ أثْبَتَهُ وأعْمَلَ فِكْرَهُ فِي شُغْل القوافي بِمَا تَقْتَضِيهِ من الْمعَانِي على غير تَنْسِقٍ للشِّعر وتَرْتيبٍ لفُنونِ القَوْلِ فِيهِ بل يُعَلِّقُ كلَّ بيتٍ يَتَّفِقُ لَهُ نَظْمُهُ على تَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُ وبَيْنَ مَا قبلَهُ، فَإِذا كَمُلَتْ لَهُ المَعَاني، وكَثُرت الأبياتُ، وَفّقَ بَينهَا بأبياتٍ تكونُ نظامًا لَهَا، وسِلْكًا جَامعا لما تشَتَّتِ مِنْهَا. ثمَّ يتأمَّلُ مَا قد أدَّاه إِلَيْهِ طَبْعُهُ، ونَتَجَتْهُ فِكْرَتُهُ فَيَسْتَقْصِي انتقادَهُ، ويَرُمُّ مَا وَهَى منهُ، وَيُبْدِلُ بكُلِّ لَفْظَةٍ مُسْتكرهَةٍ لَفْظَةً سَهْلةً نَقِيَّةً.
وإِن اتَّفَقَتْ لَهُ قافيةٌ قد شَغَلَهَا فِي مَعْنىً من الْمعَانِي واتَّفَقَ لَهُ مَعْنًى آخر مُضَادٌ للمعنى الأوَّل، وكانَت تَلك القَافيةٌ أوْقَعَ فِي المَعْنى الثَّاني مِنْهَا فِي المَعْنى الأوَّل نَقَلها إِلَى المَعْنى الْمُخْتَار، الَّذِي هُوَ أحسَنُ، وأبْطَلَ ذَلِك البَيْت، أَو نَقَضَ بعضَهُ وطَلَبَ لمعنَاهُ قافيةً تُشَاكِلُهُ ويَكون كالنَّسَّاج الحاذِق الَّذِي يُفَوِّفُ وَشْيَهُ بأحسَنِ التَّفْويِف ويُسَدِّيه ويُنيُرهُ، وَلَا يُهَلْهِلُ شَيْئا منهُ فَيَشِينهُ.
وكالنَّقَّاش الرَّقيقِ الَّذِي يَضَعُ الأصْبَاغَ فِي أَحْسَنِ تَقَاسِيمِ نَقْشِهِ، ويُشْبِعُ كلّ صِبْغٍ مِنْهَا حَتَّى يتضاعَفَ حُسْنُهُ فِي العَيَانِ، وكناظِمِ الجَوْهر الَّذِي يُؤَلّفُ بَين النَّفيس مِنْهَا والثَّمين الرَّائق، وَلَا يشين عُقودَ بأنْ يُفَاوتَ بَين جواهِرِهَا فِي نَظْمها وتَنْسيقها، وَكَذَلِكَ الشَّاعرُ إِذا أسَّسَ شِعْرَهُ على أَن يَأْتِي فِيهِ الْكَلَام البَدَويِّ الفَصِيح لم يَخْلطْ بِهِ الحَضَرِيَّ المُوَلَّدَ، وَإِذا أتَى بلَفْظَةٍ غريبةٍ أتْبَعَهَا أخَواتِها.
1 / 8
وَكَذَلِكَ إذَا سَهَّلَ أَلفاظَهُ لم يَخْلط بهَا الألفَاظَ الوَحْشِيَّةَ النافرةَ الصَّعْبَةَ القياد، ويقفُ على مَرَاتِب القَوْلِ والوَصِفْ فِي فَنِّ بَعْد فَنٍّ، ويتَعَمَّدُ الصَّدقَ، والوفقَ فِي تَشْبيهاته وحِكَايَاتِه، ويُحْضِرُ لبَّهُ عندَ كلَّ مُخاطبةٍ وَوَصْفٍ، فَيُخَاطبُ الملوكَ بِمَا يَسْتَحِقُونَهُ من جَليلِ المُخَاطباتِ ويَتَوقَّى حَطّهَا عَن مَرَاتبها وأَنْ يَخْلطَهَا بالعَامَّةِ، كَمَا يَتَوقَّى أَن يرفَعَ العَامَّةَ إِلَى دَرَجَات المُلُوك. وَيُعدُّ لكُلَّ مَعْنى مَا يَلِيق بِهِ ولكُلِّ طَبَقَةٍ مَا يُشَاكِلُهَا حتَّى تكون الاستفادةُ من عقلهِ فِي وَضْعِه الكَلامَ مواضِعَهُ أكْثَرَ من الاستفَادةِ من قَوْلِه فِي تَحْسِين نَسْجِهِ، وإِبدَاعِ نَظْمهِ. ويَسْلكُ مِنْهَاجَ أصْحَاب الرَّسائل فِي بَلاغَاتهم وتَصَرُّفهم فِي مُكَاتَباتهم، فإنَّ للشِّعْرِ فُصُولًا كفُصُول الرَّسَائل، فيحتَاجُ الشَّاعِرُ إِلَى أنْ يَصِلَ كلامَهُ - على تَصرُّفِهِ فِي فُنُونِه - صِلَةً لَطِيفَة فيتخلَّصُ من الغَزَل إِلَى المَدِيح، وَمن المَدِيح إِلَى الشَّكْوَى، وَمن الشَّكْوَى إِلَى الاستماحَة، وَمن وَصِفْ الدِّيَار والْآثَار إِلَى وَصْف الفَيَافي والنُّوق، وَمن وَصْفِ الرُّعُود والبُروِق إِلَى وَصْفِ الرِّياض والرُّوَّاد، وَمن وَصْف الظِّلْمَان والأعْيار إِلَى وَصْفِ الخَيْلِ والأسْلحِة، وَمن وَصْف المفاوز والفَيافي إِلَى وَصْف الطَّردِ والصَّيْدِ، وَمن وَصْف اللَّيل والنُّجوم إِلَى وَصْف المَوَارد والميَاه والهَوَاجر والآل والحَرَابي وَالْجَنَادِب، وَمن الافْتِخَار إِلَى اقْتِصَاصِ مَآثِر الأسْلاِف، وَمن الاسْتِكانَةِ والخُضُوعِ إِلَى والاسِتْعَتاب والاعْتِذَار، وَمن الإِباء والاعتيَاص إِلَى الإجابَةِ والتَّسَمُّحِ بألْطَفِ تَخَلُّصٍ وأحْسَن حكايةٍ بِلَا انفصالٍ للمَعْنَى الثَّاني عَمَّا قبلَهُ بل يكونُ مُتَّصِلًا بِهِ ومُمْتَزِجًا معهُ، فَإِذا استَقْصَى المَعْنى وأحَاطَ بالمراد الَّذِي إِلَيْهِ يَسُوق القَوْلَ بأيْسَرِ وَصْفٍ وأخَفُ لَفْظٍ لم يَحْتَجْ إِلَى تطويلهِ وتكريرِهِ.
1 / 9
(تَفَاضُل الأشْعَار)
والشِّعرُ على تَحْصيل جِنْسِهِ، ومَعْرفةِ اسمهِ - مُتَشابهُ الجُمْلة مُتَفَاوتُ التَّفْصِيل، مختلّف كاختلاف النَّاس فِي صُوَرهم وأصْوَاتهم وعُقَولهم وحُظُوظهم وشَمَائِلهم وأخْلاقِهم، فهم مُتَفاضِلُون فِي هَذِه المَعَاني، وَكَذَلِكَ الأشْعَارُ هِيَ متفاضِلَةٌ فِي الحُسْنِ على تَسَاويهَا فِي الجِنْسِ. ومواقِعُها من اخْتِيَار النَّاس إِيَّاهَا كَمواقِع الصُّور الحَسَنة عِنْدهم واختيارِهْم لما يَسْتحسِنونه مِنْهَا، ولِكُلِّ اختيارٌ يُؤثُرهُ، وهَوَىً يَتْبعُهُ وبِغْيَةٌ لَا يَسْتبِدلُ بهَا وَلَا يُؤْثِرُ عَلَيْهَا.
وَقد جَمَعْنَا مَا اخْتَرْنَاهُ من أشْعَار الشُّعَراء فِي كتاب سَمَّيناهُ " تَهْذيب الطَّبْع " لَيْرتاضَ مَنْ تَعَاطَى قَوْل الشِّعر بالنَّظَر فِيهِ ويَسْلُكَ المِنْهَاجَ الَّذِي سَلَكَهُ الشُّعَراءُ، ويتناوَلَ المَعَاني اللطيفَةَ كتنَاوُلهم إيَّاهَا فَيَحْتَذِيَ على تِلْكَ الْأَمْثِلَة فِي الفُنُون الَّتِي صَرَّفوا أقوالَهُمْ فِيهَا. واقْتَصَرنا على مَا اخْتَرْنَاهُ - من غَيْر نَفْي لما تَرَكْنَاهُ بل لاسِتحسَانٍ لَهُ خَصَصْنَاه بِهِ دون مَا سواهُ. وَقد شَذَّ عنَّا الكَثِيرُ مِمَّا وَجَبَ اختيارُهُ وإيثارُهُ، وَإِذا استفَدْناهُ ألْحَقْنَاهُ بِمَا اختَرْناه - إِن شاءَ الله تَعَالَى.
1 / 10
(الألفاظُ والمعاني)
فمِنَ الأشْعارِ أشْعارٌ مُحْكَمةٌ مُتْقَنةٌ، أنيقَةُ الألفَاظِ، حكيمةُ الْمعَانِي، عَجيبةٌ التأليفِ، إِذا نُقِضَتْ وجُعِلَتْ نَثْرًا لم تَبْطُلْ جَوْدةُ مَعَانيها، وَلم تَفْقُدْ جَزَالةَ ألفاظِهَا.
وَمِنْهَا أشعارٌ مُمَوَّهةٌ مُزَخْرفَة عَذْبةُ، تَرُوقُ الأسْمَاعَ والأفْهامَ إِذا مَرَّتْ صَفْحًا، فَإِذا، حُصَّلَتْ وانتُقِدَتْ بُهْرِجَتْ مَعَانِيهَا، وزُيَّفَتْ ألفاظُهَا، ومُجَّتْ حَلاوَتُها، وَلم يَصْلُحْ نَقْضُها لبناءٍ يُسْتَأنَفُ مِنْهُ؛ فبعضُها كالقُصُور المُشَيَّدة والأبْنيةِ الوَثِيقةِ الباقيةِ على مَرِّ الدُّهور، وبعضُهَا كالخيام المُوَتَّدة الَّتِي تُزَعزِعُها الرِّياحُ، وتُوهِيها الأمطارُ، ويُسْرِعُ إِلَيْهَا البلَى، ويُخْشَى عَلَيْهَا التَّقَوُّض.
وللمعاني ألفاظٌ تُشَاكِلُها فتَحْسُنُ فِيهَا وتَقْبُحُ فِي غَيرهَا، فَهِيَ كالمَعْرضِ لِلْجَارِيَةِ الحَسْنَاءِ الَّتِي تَزْداد حُسْنًا فِي بعض الْمعَارض دون بعض.
فَكَمْ من مَعْنىً حَسَنٍ قد شِينَ بمعرضهِ الَّذِي أُبْرِزَ فِيهِ.
وكَمْ من مَعْرضٍ حَسَنٍ قد ابْتُذِلَ على مَعْنىً قَبِيح ألْبِسَهُ.
وكَمْ من صَارم عَضْبٍ قد انتضَاهُ مَنْ وَدَدْتَ لَو أنَّهُ أمْضَاهُ. فَهَزَّه ثمَّ لم يَضْرِبْ بِهِ.
وكَمْ من جَوْهرةٍ نَفِيسَةٍ قد شِينَتْ بِقَرينَةٍ لَهَا بَعيدةٍ مِنْهَا، وأفْرِدَتْ عَن أخَواتها المُشَاكلاتِ لَهَا.
1 / 11
وكَمْ من زائفٍ وبَهْرجٍ قد نَفَقا على نُقّادهِما، وَمن جَيِّدٍ نافقٍ قد بُهْرِجَ عِنْد البَصير بِنَقْدِهٍ فَنَفَاهُ سَهْوًا.
وكَمْ من زُبَرٍ للمعاني فِي حَشْو الْأَشْعَار لَا يَحْسُنُ أَن يُطَبِّعها غير العُلَماءِ بهَا والصياقلةِ للسُّيوف المَطْبُوعِة مِنْهَا.
وكَمْ من حكمةٍ غَريبةٍ قد ازْدُرِيتْ لرثَاثَةِ كِسْوتها، وَلَو جُلِبَتْ فِي غير لباسها ذَلِك لكَثُر المُشِيرونَ إِلَيْهَا.
وكَمْ من سقيمٍ من السَّعَر قد يَئِسَ طَبيبُهُ من برئه عُولج سَقَمُهُ فَعَاوَدَتْهُ سَلامتهُ.
(وكَمْ من صَحيحٍ جُنِيَ عَلَيْهِ فأرْدَاهُ حَيْنُهُ ...)
وَلَيْسَ يَخْلُو مَا أوْدَعْناهُ اختيَارَنا المُسَمَّى " تَهذيب الطّبْع " من بناءٍ إِن لم يَصْلُحْ لأنْ تَسْكُنَ الإنْهَامُ فِي ظِلَّهِ لم يَبْطُل أنْ يُنْتَفَعَ بنَقضِهِ فَيُعَدّ لبناءٍ يُحتَاج إِلَيْهِ.
(أشْعَارُ المُوَلَّدين)
وستَعْثُرُ فِي أشْعار المُوَلَّدين بعجائبَ استفادُوهَا مِمَّن تقدَّمهم، ولَطُفُوا فِي تَنَاوُلِ أصُولها مِنْهُم، وَلَبَّسُوها على من بَعْدهم، وتكَثَّروا بإبداعها فَسَلَّمتْ لَهُم عِنْد إدِّعائها للَطِيفِ سِحْرهم فِيهَا، وزَخْرفَتِهم لمعَانيها.
1 / 12
والمِحْنَةُ على شُعَراءِ زَمَانِنَا فِي أشْعارهم أشَدُّ مِنْهَا على من كانَ قبلَهُمْ؛ لأنَّهم قد سُبِقوا إِلَى كلِّ مَعْنَى بَديعٍ، ولَفْظٍ فَصِيحٍ، وحيلةٍ لَطيفةٍ، وخَلابَةٍ ساحِرةٍ. فَإِن أَتَوْا بِمَا يَقْصُر عَن مَعَاني أُولَئِكَ وَلَا يُرْبي عَلَيْهَا لم يُتَلَقَّ بالقَبُول، وَكَانَ كالمُطَّرَحِ المَمْلُولِ.
ومَعَ هَذَا، فإنَّ مَنْ كانَ قَبْلنا فِي الجاهِليَّة الجَهْلاءِ وَفِي صَدْر الإسلامِ من الشُّعَراء كَانُوا يؤسِّسُون أشعَارَهُمْ فِي المَعَاني الَّتِي رَكَّبُوها عَلَى القَصْد للصِّدْق فِيهَا مَدِيحًا وهِجَاءً، وافتخَارًا ووَصفًْا، وتَرْغيبًا وتَرْهيبًا إلاّ مَا قد احْتُمِل الكَذبُ فِيهِ فِي حُكْم الشِّعْر من الإغراقِ فِي الوَصْف، والإفراط فِي التَّشْبيه. وَكَانَ مجرَى مَا يُورِدونه مِنْهُ مجْرى القَصص الحَقِّ، والمخاطبات بالصِّدْق فَيُحابُون بِمَا يُثَابون، أَو يُثَابون بِمَا يُحَابون.
والشُّعَراءُ فِي عَصْرِنا إنَّما يُثَابونَ على مَا يُسْتَحْسَنُ من لَطِيفِ مَا يُورِدُونَهُ من أشْعَارهم، وبديع مَا يُغْربونَهُ من معانيهم، وبَليغِ مَا يَنْظِمونَهُ من ألفاظهم، ومُضْحِكِ مَا يوردونَهُ من نوادرهم، وأنيقِ مَا يَنْسِجُونَهُ من وَشْي قَوْلهم دون حَقَائِق مَا يَشْتمِلُ عَلَيْهِ من المَدْحِ والهَجاءِ وسَائرِ الفُنُون الَّتِي يُصَرِّفون القَوْلَ فِيهَا.
فَإِذا كَانَ المديح ناقِصًا عَن الصِّفة الَّتِي ذكرنَاها كانَ سَببا لحرمَانِ قائلهِ والمُتَوسِّل بِهِ.
وإِذا كَانَ الهجاءُ كَذَلِك أَيْضا كانَ سبَبًَا لاستهانة المَهْجُوِّ بِهِ، وأمْنِهِ من سَيْرهِ، وَرِوَايَة النَّاس لَهُ، وإذاعَتِهم إيَّاهُ، وتَفَكٌّ هِهِمْ، بنوادره؛ لَا سِيَّما وأشْعَارُهُمْ مُتَكَلّفَةٌ غيرُ صَادِرةٍ عَن طَبْعٍ صَحِيح
1 / 13
كأشْعَارِ العَرَب الَّتِي سَبِيلُهم فِي مَنْظُومِهَا سَبيلُهم فِي مَنْثور كَلاَمِهم الَّذِي لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِم فِيهِ.
فَيَنبغي للشاعر فِي عَصْرنا أَن لَا يُظْهِرَ شِعْرَهُ إلاَّ بعد ثِقَتِهِ بجَوْدَتهِ وحُسْنِه وسَلامتهِ من العُيوب الَّتِي نُبِّهَ عَلَيْهَا وأُمِرَ بالتَّحرُّز مِنْهَا، ونُهِيَ عَن استعمَال نَظَائرها. وَلَا يَضَعُ فِي نَفْسِهِ أنّ الشِّعْرَ موضِعُ اضطرارٍ وأنَّهُ يَسْلُك سَبِيلَ من كَانَ قبلَهُ، ويحتجُّ بالأبيات الَّتِي عِيبَتْ على قَائِلهَا، فَلَيْسَ يُقْتَدى بالمُسِيء، وإنَّما الِاقْتِدَاء بالمُحْسِن، وكُلُّ واثقٍ فِيهِ حَجِلٌ إلاّ الْقَلِيل.
وَلَا يُغِير على مَعَاني الشُّعراءِ فيودِعُها شِعرَهُ، ويخرِجُها فِي أوْزانٍ مخالفةٍ لأوَزانِ الأشْعار الَّتِي يَتَناولُ مِنْهَا مَا يَتَنَاولُ، ويَتوهَّمُ أنَّ تَغْييرهُ للألَفَاظ والأوزَانِ مِمَّا يَسْتُر سَرقَتَهُ أَو يُوجِبُ لَهُ فَضِيلةً، بل يُديم النَّظَرَ فِي الْأَشْعَار الَّتِي قد اخترنَاهَا لتَلصَق مَعَانِيهَا بفَهْمِهِ، وتَرْسَخَ أصُولها فِي قَلْبهِ، وتَصِيرَ موادَّ لطَبْعهِ، ويَذُوبَ لِسَانُهُ بألفَاظِها فَإِذا
جاشَ فِكرهُ بالشِّعر أدَّى إِلَيْهِ نتائجَ مَا استفاده مِمَّا نَظَر فِيهِ من تِلْكَ الأشْعار فكانَتْ تِلْكَ النَّتيجةُ كسبيكَةٍ مُفْرَغَةٍ من جَميعِ الأصْنَافِ الَّتِي تُخْرِجُها المَعَادن، وكما قد اغترَفَ من وادٍ قَدْ مَدَّتْهُ سيول جَارِيَة من شعَابٍ مُخْتَلِفَةٍ، وكَطِيبٍ تَركَّبَ عَن أخلاطٍ من الطِّيب كثيرةٍ فَيَستْغرِبُ عِيانُهُ، ويَغْمُضُ مُسْتَبطَنُهُ ويذهبُ فِي ذَلِك إِلَى مَا يُحْكَى عَن خَالد بن عبد الله القَسْريِّ فَإِنَّهُ قَالَ: حَفَّظَني أبي
1 / 14