العبرات
العبرات
خپرندوی
دار الهدى الوطنية للطباعة والنشر والتوزيع
د خپرونکي ځای
بيروت - لبنان
ژانرونه
•Subtleties and Anecdotes
سیمې
مصر
اَلْعَبَرَات
مُصْطَفَى لُطْفِيّ اَلْمَنْفَلُوطِيّ
وَهِيَ مَجْمُوعَة رِوَايَات قَصِيرَة بَعْضًا مَوْضُوع وَبَعْضًا مُتَرْجَم
1 / 1
إِهْدَاء
اَلْأَشْقِيَاء فِي اَلدُّنْيَا كَثِير وَلَيْسَ فِي اِسْتِطَاعَة بَائِس مِثْلِي أَنْ يَمْحُو شَيْئًا مِنْ بُؤْسهمْ وَشَقَائِهِمْ فَلَا أَقَلّ مِنْ أَنْ أَسْكُب بَيْن أَيْدِيهمْ هَذِهِ اَلْعَبَرَات، عَلَّهمْ يَجِدُونَ فِي بُكَائِي عَلَيْهِمْ تَعْزِيَة وَسَلْوَى،
مُصْطَفَى لُطْفِيّ اَلْمَنْفَلُوطِيّ
1 / 5
اَلْيَتِيم
" مَوْضُوعَة "
سَكَن اَلْغُرْفَة اَلْعُلْيَا من المنزل المجاور لمنزلي من عهد قريب فتى في التاسعة عشر أو العشرين من عمره، وأحسب أنه طالب من طبقة المدارس العليا أَوْ اَلْوُسْطَى فِي مِصْر فَقَدْ كُنْت أَرَاهُ مِنْ نَافِذَة غُرْفَة مَكْتَبِي وَكَانَتْ عَلَى كَثَب مِنْ بَعْض نَوَافِذ غُرْفَته فَأَرَى أَمَامِيّ فَتَى شَاحِبًا نَحِيلًا مُنْقَبِضًا جَالِسًا إِلَى مِصْبَاح مِنْبَر فِي إِحْدَى زَوَايَا اَلْغُرْفَة يَنْظُر فِي كِتَاب أَوْ يَكْتُب فِي دَفْتَر أَوْ يَسْتَظْهِر قِطْعَة أَوْ يُعِيد دَرْسًا فَلَمْ أَكُنْ أَحْفُل بِشَيْء مِنْ أَمْره حَتَّى عُدْت إِلَى مَنْزِلِي مُنْذُ أَيَّام بَعْد مُنْتَصَف لَيْلَة قُرَّة مِنْ لَيَالِي اَلشِّتَاء فَدَخَلَتْ غُرْفَة مَكْتَبِي لِبَعْض اَلشُّؤُون فَأَشْرَقَتْ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ جَالَسَ جَلْسَته تِلْكَ أَمَام مُصَاحِبه وَقَدْ أَكُبَّ بِوَجْهِهِ عَلَى دَفْتَر مَنْشُور بَيْن يَدَيْهِ عَلَى مَكْتَبه فَظَنَنْت أَنَّهُ لَمَّا أَلَمَّ بِهِ مِنْ تَعَب اَلدَّرْس وَآلَام اَلسَّهَر قَدْ عُبِّئَتْ بِجَفْنَيْهِ سِنَة مِنْ اَلنَّوْم فأعجلته مِنْ اَلذَّهَاب إِلَى فَرَّاشه وَسَقَطَتْ بِهِ مَكَانه فَمَا رَمَتْ مَكَانِي حَتَّى رَفْع رَأْسه فَإِذَا عَيَّنَّاهُ مخصلتان مِنْ اَلْبُكَاء وَإِذَا صَفْحَة دَفْتَره اَلَّتِي كَانَ مُكِبًّا عَلَيْهَا قَدْ جَرَى دَمْعه فَوْقهَا فَمَحَا مِنْ كَلِمَاتهَا مَا مَحَا وَمَشَى بِبَعْض مِدَادهَا إِلَى بَعْض ثُمَّ لَمْ يَلْبَث أَنْ عَادَ إِلَى نَفْسه فَتَنَاوَلَ قَلَّمَهُ وَرَجَعَ إِلَى شَأْنه اَلَّذِي كَانَ فِيهِ.
1 / 7
فَأَحْزَنَنِي أَنْ أَرَى فِي ظُلْمَة ذَلِكَ اَللَّيْل وَسُكُونه هَذَا اَلْفَتَى اَلْبَائِس اَلْمِسْكِين مُنْفَرِدًا بِنَفْسِهِ فِي غُرْفَة عَارِيَة بَارِدَة لَا يَتَّقِي فِيهَا عَادِيَّة اَلْبَرْد بِدِثَار وَلَا نَار يَشْكُو هُمَا مِنْ هُمُوم اَلْحَيَاة أَوْ رزء مِنْ أرزائها قَبْل أَنْ يُبَلِّغ سِنّ اَلْهُمُوم وَالْأَحْزَان مِنْ حَيْثُ لَا يُجْدِ بِجَانِبِهِ مُوَاسِيًا وَلَا مُعِينًا وَقُلْت لَابُدَّ أَنْ يَكُون وَرَاء هَذَا اَلْمَنْظَر الضارع اَلشَّاحِب نَفْس قَرِيحَة مُعَذَّبَة تَذُوب بَيْن أَضْلَاعه ذَوَّبَا فَيَتَهَافَت لَهَا جِسْمه تَهَافُت اَلْخِبَاء اَلْمُقَوِّض فَلَمْ أَزَلْ وَاقِفًا مَكَانِي لَا أَرْبَحهُ حَتَّى رَأَيْته قَدْ طَوَى كِتَابه وَفَارِق مَجْلِسه وَأَوَى إِلَى فِرَاشه فَانْصَرَفَتْ إِلَى مَخْدَعِي وَقَدْ مَضَى اَللَّيْل إِلَّا أُقِلّهُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ سَوَاده فِي صَفْحَة هَذَا اَلْوُجُود إِلَّا بَقَايَا أَسْطُر يُوشِك أَنْ يَمْتَدّ إِلَيْهَا لِسَان اَلصَّبَاح فَيَأْتِي عَلَيْهَا:
ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَرَاهُ بَعْد ذَلِكَ فِي كَثِير مِنْ اَللَّيَالِي إِمَّا بَاكِيًا أَوْ مُطْرِقًا أَوْ ضَارِبًا بِرَأْس عَلَى صَدْره أَوْ مُنْطَوِيًا عَلَى نَفْسه فِي فِرَاشه يَئِنّ أَنِين الوالهة اَلثَّكْلَى أَوْ هَائِمًا فِي غُرْفَته يذرع أَرْضهَا وَيَمْسَح جُدْرَانهَا حَتَّى إِذَا نَالَ مِنْهُ اَلْجُهْد سَقَطَ عَلَى كرسية بَاكِيًا مُنْتَحِبًا فَأَتَوَجَّع لَهُ وَأَبْكَى لِبُكَائِهِ وَأَتَمَنَّى لَوْ اِسْتَطَعْت أَنْ أُدْخِلهُ مداخلة اَلصَّدِيق لِصَدِيقِهِ وأستبثه ذَات نَفْسه واشركه فِي هَمّه لَوْلَا أَنَّنِي كَرِهْت أَنَّ بِالْإِغْوَاءِ بِمَا لَا يُحِبّ وَأَنْ أَهْجُم مِنْهُ عَلَى سِرّ رُبَّمَا كَانَ يُؤْثِر اَلْإِبْقَاء عَلَيْهِ فِي صَدْره وَأَنْ يكاتمه اَلنَّاس جَمِيعًا حَتَّى أَشْرَقَتْ عَلَيْهِ لَيْلَة أَمْس بَعْد هَدْأَة مِنْ اَللَّيْل فَرَأَيْت غُرْفَته مُظْلِمَة سَاكِنَة فَظَنَنْت أَنَّهُ خَرَجَ لِبَعْض شَأْنه ثُمَّ لَمْ أَلْبَث أَنْ سَمِعَتْ فِي جَوْف اَلْغُرْفَة أَنَّهُ ضَعِيفَة مُسْتَطِيلَة فَأَزْعَجَنِي مُسْمِعهَا وَخَيَّلَ إِلَيَّ
1 / 8
وَهِيَ صَادِرَة مِنْ أَعْمَاق نَفْسه كَأَنَّنِي أَسْمَع رَنِينهَا فِي أَعْمَاق قَلْبِي وَقُلْت إِنَّ اَلْفَتَى مَرِيض وَلَا يُوجَد بِجَانِبِهِ مَنْ يَقُوم بِشَأْنِهِ وَقَدْ بَلَغَ اَلْأَمْر مَبْلَغ اَلْجَدّ بُدّ لِي مِنْ اَلْمَصِير إِلَيْهِ فَتَقَدَّمَتْ إِلَى خَادِمِي أَنْ يَتَقَدَّمنِي بِمِصْبَاح حَتَّى بَلَغَتْ مَنْزِله وَصَعِدَتْ إِلَى بَاب غُرْفَته فَأَدْرَكَنِي مِنْ الوحضة عِنْد دُخُولهَا مَا يُدْرِك اَلْوَاقِف عَلَى بَاب قَبْر يُحَاوِل أَنْ يَهْبِطهُ لِيُوَدِّع سَاكِنه اَلْوَدَاع اَلْأَخِير ثُمَّ دَخَلَتْ فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ عِنْدَمَا أَحَسَّ بِي وَكَأَنَّمَا كَانَ ذاهلا أَوْ مُسْتَغْرِقًا فَأَدْهَشَهُ أَنْ يَرَى بَيْن يَدَيْهِ مِصْبَاحًا ضَئِيلًا وَرَجُلًا لَا يَعْرِفهُ فَلَبِثَ شَاخِصًا إِلَى هُنَيْهَة لَا يَنْطِق وَلَا يَطْرِف فَاقْتَرَبَتْ مِنْ فَرَّاشه وَجَلَسَتْ بِجَانِبِهِ وَقُلْت أَنَا جَارك اَلْقَاطِن هَذَا اَلْمَنْزِل وَقَدْ سَمِعْتُك اَلسَّاعَة تُعَالِج أَمْرك فَجِئْتُك عَلَنِيّ أَسْتَطِيع أَنْ أَكُون لَك عَوْنًا عَلَى شَأْنك فَهَلْ أَنْتَ مَرِيض؟ فَرَفَعَ يَده بِبُطْء وَوَضْعهَا عَلَى جَبْهَته فَوَضَعَتْ يَدَيْ حَيْثُ وَضَعَهَا فَشَعَرَتْ بِرَأْسِهِ يَلْتَهِب اِلْتِهَابًا فَعَلِمَتْ أَنَّهُ مَحْمُوم ثُمَّ أَمْرَرْت نَظَرِيّ عَلَى جِسْمه فَإِذَا خَيَال سَارّ لَا يَكَاد يَتَبَيَّنهُ رائيه وَإِذَا قَمِيص فَضْفَاض مِنْ اَلْجِلْد يَمُوج فِيهِ بَدَنه مَوْجًا فَأَمَرَتْ اَلْخَادِم أَنْ يَأْتِينِي بِشَرَاب كَانَ عِنْدِي مِنْ أشربة اَلْحُمَّى فَجَرَّعَتْهُ مِنْهُ بِضْع قَطَرَات فاستفاق قَلِيلًا وَنَظَر إِلَى نَظْرَة عَذْبَة صَافِيَة وَقَالَ شُكْرًا لَك فَقُلْت مَا شَكَّاتك أَيُّهَا اَلْأَخ قَالَ لَا أَشْكُو شَيْئًا فَقُلْت فَهَلْ مَرَّ بِك زَمَن طَوِيل عَلَى حَالك هَذِهِ قَالَ لَا أُعَلِّم قُلْت أَنْتَ فِي حَاجَة إِلَى اَلطَّبِيب فَهَلْ تَأْذَن لِي أَنْ أَدْعُوهُ إِلَيْك لِيَنْظُر فِي أَمْرك فَتَنَهَّدَ طَوِيلًا وَنَظَرَ إِلَى نَظْرَة دَامِعَة وَقَالَ إِنَّمَا
1 / 9
يَبْغِي اَلطَّبِيب مَنْ يُؤَثِّر اَلْحَيَاة عَلَى اَلْمَوْت ثُمَّ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَعَاد إِلَى ذُهُوله وَاسْتِغْرَاقه فَلَمْ أَجِد بُدًّا مِنْ دُعَاء اَلطَّبِيب رَضِيَ أَمْ أَبِي فَدَعَوْته فَجَاءَ مُتَأَفِّفًا مُتَذَمِّرًا يَشْكُو مِنْ حَيْثُ يَعْلَم أَنِّي أَسْمَع شَكْوَاهُ إِزْعَاجه مِنْ مَرْقَده وتجشيمه خَوْض اَلْأَزِقَّة اَلْمُظْلِمَة فِي اَللَّيَالِي اَلْبَارِدَة فَلَمْ أَحْفُل بِتَعْرِيضِهِ لِأَنَّنِي أَعْلَم طَرِيق اَلِاعْتِذَار إِلَيْهِ فَجَسَّ نَبْض اَلْمَرِيض وَهَمْس فِي أُذُنِي قَائِلًا إِنَّ عَلِيلك يَا سَيِّدَيْ مُشْرِف عَلَى اَلْخَطَر وَلَا أَحْسَب أَنَّ حَيَاته تُطَوَّل كَثِيرًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِي عِلْم اَللَّه مَا لَا نُعَلِّم وَجَلَسَ نَاحِيَة يَكْتُب ذَلِكَ اَلْأَمْر اَلَّذِي يُصَدِّرهُ اَلْأَطِبَّاء إِلَى عُمَّالهمْ الصيادلة أَنْ يَتَقَاضَوْا مِنْ عَبِيدهمْ اَلْمَرْضَى ضَرِيبَة اَلْحَيَاة ثُمَّ أَنْصَرِف لِشَأْنِهِ بَعْد مَا اِعْتَذَرَتْ إِلَيْهِ ذَلِكَ اَلِاعْتِذَار اَلَّذِي يُؤْثِرهُ وَيَرْضَاهُ فَأَحْضَرْت اَلدَّوَاء وَقَضَيْت بِجَانِب اَلْمَرِيض لَيْلَة لَيْلَاء ذاهلة اَلنَّجْم بَعِيدَة مَا بَيْن اَلطَّرَفَيْنِ أَسْقِيه اَلدَّوَاء مَرَّة وَأَبْكَى عَلَيْهِ أُخْرَى حَتَّى اِنْبَثَقَ نُور اَلْفَجْر فاستفاق وَدَار بِعَيْنِهِ حَوْل فِرَاشه حَتَّى رَآنِي فَقَالَ:
أَنْتَ هُنَا؟ قَلَّتْ نِعَم وَأَرْجُو أَنْ تَكُون أَحْسَن حَالًا مِنْ ذِي قَبْل قَالَ أَرْجُو أَنْ أَكُون كَذَلِكَ قُلْت هَلْ تَأْذَن لِي يَا سَيِّدِي أَنْ أَسْأَلك مَنْ أَنْتَ وَمَا مَقَامك وَحْدك فِي هَا اَلْمَكَان وَهَلْ أَنْتَ غَرِيب فِي هَذَا اَلْبَلَد أَوْ أَنْتَ مِنْ أَهِّلِيهِ وَهَلْ تَشْكُو دَاء ظَاهِرًا أَوْ هَمًّا بَاطِنًا قَالَ أَشْكُوهُمَا مَعًا قُلْت فَهَلْ لَك أَنْ تُحَدِّثنِي بِشَأْنِك وتفضى إِلَى بِهَمِّك كَمَا يُفْضِي اَلصَّدِيق إِلَى صَدِيقه فَقَدْ أَصْبَحَتْ مَعْنِيًّا بِأَمْرِك عِنَايَتك بِنَفْسِك؟ قَالَ هَلْ تُعِذْنِي بِكِتْمَان أَمْرِي إِنَّ قِسْم اَللَّه لِي اَلْحَيَاة وَبِإِمْضَاء وَصِيَّتِي إِنْ كَانَتْ اَلْأُخْرَى؟ قُلْت نَعَمْ قَالَ قَدْ وَثِقَتْ بِوَعْدِك فَانٍ مَنْ يَحْمِل فِي صَدْره قَلَّبَا شَرِيفًا مِثْل قَلْبك لَا يَكُون كَاذِبًا وَلَا غَادِرًا.
أَنَا فُلَان بْن فُلَان مَاتَ أَبِي مُنْذُ عَهْد بَعِيد وَتَرَكَنِي فِي اَلسَّادِسَة
1 / 10
مِنْ عُمْرِي مُعْدَمًا لَا أَمْلِك مِنْ مَتَاع اَلدُّنْيَا شَيْئًا فَكَلَّفَنِي عَمَّيْ فُلَان فَكَانَ خَيْر اَلْأَعْمَام وَأَكْرَمهمْ وَأَوْسَعهمْ بِرًّا وَإِحْسَانًا وَأَكْثَرهمْ عَطْفًا وَحَنَانًا فَقَدْ أَنْزَلَنِي مِنْ نَفْسه مَنْزِلَة لَمْ يَنْزِلهَا أَحَدًا مِنْ قَبْلِي غَيْر اِبْنَته اَلصَّغِيرَة وَكَانَتْ فِي عُمْرِي أَوْ أَصْغَر مِنِّي قَلِيلًا وَكَأَنَّمَا سَرَّهُ أَنْ يَرَى لَهَا بِجَانِبِهَا أَخَا بَعْد مَا تَمَنَّى عَلَى اَللَّه ذَلِكَ زَمَنًا طَوِيلًا فَلَمْ يُدْرِك أُمْنِيَته فَعَنِّي بِي عِنَايَته بِهَا وَأَدْخَلْنَا اَلْمُدَرِّسَة فِي يَوْم وَاحِد فَأَنِسَتْ بِهَا أُنْس اَلْأَخ بِأُخْته وَأَحْبَبْتهَا حُبًّا شَدِيدًا وَوَجَدْت فِي عَشَرَتهَا مِنْ اَلسَّعَادَة وَالْغِبْطَة مَا ذَهَبَ بِتِلْكَ اَلْغَضَاضَة اَلَّتِي كَانَتْ لَا تَزَال تُعَاوِد نَفْسِيّ بَعْد فَقْد أَبَوِيّ مِنْ حِين إِلَى حِين فَكَّانِ لَا يَرَانَا الرائي إِلَّا ذَاهِبِينَ إِلَى اَلْمَدْرَسَة أَوْ عَائِدِينَ مِنْهَا أَوْ لَاعِبِينَ فِي فَنَاء اَلْمَنْزِل أَوْ مرتاضين فِي حَدِيقَته أَوْ مُجْتَمَعَيْنِ فِي غُرْفَة اَلْمُذَاكَرَة أَوْ مُتَحَدِّثِينَ فِي غُرْفَة اَلنَّوْم حَتَّى جَاءَ يَوْم حِجَابهَا فَلَزِمَتْ خِدْرهَا وَاسْتَمَرَّتْ فِي دِرَاسَتِي.
وَلَقَدْ عَقَدَ اَلْوِدّ قَلِّبِي وَقَلْبهَا عَقْدًا لَا يُحِلّهُ إِلَّا رَيْب اَلْمَنُون فَكُنْت لَا أَرَى لَذَّة اَلْعَيْش إِلَّا بِجِوَارِهَا وَلَا أَرَى نُور اَلسَّعَادَة إِلَّا فِي فَجْر اِبْتِسَامَتهَا وَلَا أُؤَثِّر عَلَى سَاعَة أقضيتها بِجَانِبِهَا جَمِيع لَذَّات اَلْعَيْش ومسرات اَلْحَيَاة وَمَا كُنْت أَشَاء أَنْ أَرَى خَصْلَة مِنْ خِصَال اَلْخَيْر فِي فَتَاة مِنْ أَدَب أَوْ ذَكَاء أَوْ حُلْم أَوْ رَحْمَة أَوْ عِفَّة أَوْ شَرَف أَوْ وَفَاء إِلَّا وَجَدَتْهَا فِيهَا.
وَأَنِّي أَسْتَطِيع وَأَنَا فِي اَلظُّلْمَة اَلْحَالِكَة مِنْ اَلْهُمُوم وَالْأَحْزَان أَنْ أَرَى عَلَى اَلْبُعْد تِلْكَ اَلْأَجْنِحَة اَلنُّورَانِيَّة اَلْبَيْضَاء مِنْ اَلسَّعَادَة اَلَّتِي كَانَتْ تُظَلِّلنَا مَعًا أَيَّام طُفُولَتنَا فَتُشْرِق لَهَا نَفْسَانَا إِشْرَاق الراح فِي كَأْسهَا وَأَنْ أَرَى تِلْكَ اَلْحَدِيقَة اَلْغَنَّاء اَلَّتِي كَانَتْ مراح لَذَّاتنَا وَمَسْرَح آمَالنَا وَأَحْلَامنَا كَأَنَّهَا حَاضِرَة بَيْن يَدِي أَرَى لألاء
1 / 11
مَائِهَا وَلَمَعَان حَصْبَائِهَا وأقانين أَشْجَارهَا وَأَلْوَان أَزْهَارهَا تِلْكَ اَلْقَاعِدَة اَلْحَجَرِيَّة اَلَّتِي كُنَّا نقتعدها مِنْهَا طَرَفَيْ اَلنَّهَار فَنَجْتَمِع عَلَى حَدِيث نَتَجَاذَبهُ أوط اقة تُؤَلِّف بَيْن أَزْهَارهَا أَوْ كِتَاب نُقَلِّب صَفَحَاته أَوْ رَسْم نَتَبَارَى فِي إِتْقَانه وَتِلْكَ الخمائل اَلْخَضْرَاء اَلَّتِي كُنَّا نَلْجَأ إِلَى ظِلَالهَا كُلَّمَا فَرَغْنَا مِنْ شَوْط مِنْ أَشْوَاط اَلْمُسَابَقَة فَتَشْعُر بِمَا تَشْعُر بِهِ أَفْرَاح اَلطُّيُور اَللَّاجِئَة إِلَى أَحْضَان أُمَّهَاتهَا وَتِلْكَ الحفائر اَلصَّغِيرَة اَلَّتِي نحتفرها بِبَعْض اَلْأَعْوَاد عَلَى شَاطِئ اَلْجَدَاوِل والغدران فَنَمْلَؤُهَا مَاء ثُمَّ نَجْلِس حَوْلهَا لِنَصْطَادَ أَسْمَاكهَا اَلَّتِي أَلْقَيْنَاهَا فِيهَا بِأَيْدِينَا فَنَطْرَب إِنَّ ظُفْرنَا بِشَيْء مِنْهَا كَأَنَّا قَدْ ظَفِرْنَا بِغَنَم عَظِيم وَتِلْكَ اَلْأَقْفَاص اَلذَّهَبِيَّة اَلْبَدِيعَة اَلَّتِي كُنَّا نُرَبِّي فِيهَا عصافيرنا وَطُيُورنَا ثُمَّ نَقْضِي اَلسَّاعَات اَلطِّوَال بِجَانِبِهَا نَعْجَب بِمَنْظَرِهَا وَمَنْظَر مناقيرها اَلْخَضْرَاء وَهِيَ تحسو اَلْمَاء مَرَّة وَتَلْتَقِط الح ٠٠ ب أُخْرَى وَنُنَادِيهَا بِأَسْمَائِهَا اَلَّتِي سَمَّيْنَاهَا بِهَا فَإِذَا سَمِعْنَا صَفِيرهَا وَتَغْرِيدهَا ظَنًّا أَنَّهَا تُلَبِّي نِدَاءَهَا وَلَا أَعْلَم هَلْ كَانَ مَا كُنْت أُضْمِرهُ فِي نَفْسِي لِابْنَة عَمِّي وِدًّا وَإِخَاء أَوْ حُبًّا وَغَرَامًا وَلَكِنَّنِي أَعْلَم أَنَّهُ كَانَ بِلَا أَمَل وَلَا رَجَاء فَمَا قُلْت لَهَا يَوْم إِنِّي أَحَبّهَا لِأَنِّي كُنْت أَضَنّ بِهَا وَهِيَ اِبْنَة عَمِّي وَرَفِيقَة صِبَايَ أَنْ أَكُون أَوَّل فَاتِح لِهَذَا اَلْجُرْح اَلْأَلِيم فِي قَلْبهَا وَلَا قَدَّرَتْ فِي نَفْسِي يَوْمًا مِنْ اَلْأَيَّام أَنَّ أَصْل أَسْبَاب حَيَاتِي بِأَسْبَاب حَيَاتهَا لِأَنِّي كُنْت أَعْلَم أَنَّ أَبَوَيْهَا لَا يَسْخُوَانِ بِمِثْلِهَا عَلَى فَتَى بَائِس فَقِير مِثْلِي وَلَا حَاوَلَتْ فِي سَاعَة مِنْ اَلسَّاعَات أَنْ أَتُسْقِطُ مِنْهَا مَا يَطْمَع فِي مِثْله اَلْمُحِبُّونَ المتسقطون لِأَنِّي كُنْت أَجْلهَا عَنْ أَنْ أَنْزَلَ بِهَا إِلَى مِثْل ذَلِكَ وَلَا فَكَّرَتْ يَوْمًا أَنْ أَسْتَشِفّ مِنْ رواء نَظَرَاتهَا خبيئة نَفْسهَا لِأَعْلَم أَيّ اَلْمَنْزِلَتَيْنِ أَنْزَلَهَا مَنْ قَلْبهَا أمنزلة
1 / 12
اَلْأَخ فَأَقْنَع مِنْهَا بِذَلِكَ أَمْ مَنْزِلَة اَلْحَبِيب فَاسْتُعِينَ بِإِرَادَتِهَا عَلَى إِرَادَة أَبَوَيْهَا؟ بَلْ كَانَ حبى اَلرَّاهِب اَلْمُتَبَتِّل صُورَة اَلْعَذْرَاء اَلْمَائِلَة بَيْن يَدَيْهِ فِي صَوْمَعَته يَعْبُدهَا وَلَا يَتَطَلَّع إِلَيْهَا.
وَلَمْ يَزَلْ هَذَا شَأْنِي وَشَأْنهَا حَتَّى نَزَلَتْ بِعَمَّيْ نَازِلَة مِنْ اَلْمَرَض لَمْ تُنْشِب أَنْ ذَهَبَتْ بِهِ إِلَى جِوَار رَبّه وَكَانَ آخَر مَا نَطَقَ بِهِ فِي آخِر سَاعَات حَيَاته أَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَكَانَ يُحْسِن بِهَا ظَنًّا لَقَدْ أعجلني اَلْمَوْت عَنْ اَلنَّظَر فِي شَأْن هَذَا اَلْغُلَام فَكَوْنِي لَهُ أَمَّا كَمَا كُنْت لَهُ أَبَا وَأُوصِيك أَنْ لَا يَفْقِد مِنِّي بَعْد مَوْتِي إِلَّا شَخْصِي فَمَا مَرَّتْ أَيَّام اَلْحِدَاد حَتَّى رَأَيْت وُجُوهًا غَيْر اَلْوُجُوه وَنَظَرَات غَيْر اَلنَّظَرَات وَحَالًا غَرِيبَة لَا عَهْد لِي بِمِثْلِهَا مِنْ قَبْل فَتُدَاخِلنِي اَلْهَمّ وَالْيَأْس وَوَقْع نَفْسِيّ لِلْمَرَّةِ اَلْأُولَى فِي حَيَاتِي أَنَّنِي قَدْ أَصْبَحَتْ فِي هَذَا اَلْمَنْزِل غَرِيبًا وَفِي هَذَا اَلْعَالَم طَرِيدًا.
فَإِنِّي لَجَالَسَ فِي غُرْفَتِي صَبِيحَة يَوْم إِذْ دَخَلَتْ عَلَيَّ اَلْخَادِم وَكَانَتْ اِمْرَأَة مِنْ اَلنِّسَاء اَلصَّالِحَات اَلْمُخْلِصَات فَتَقَدَّمَتْ نَحْوِي خجلة مُتَعَثِّرَة وَقَالَتْ قَدْ أَمَرَتْنِي سَيِّدَتِي أَنْ أَقُول لَك يَا سَيِّدِي إِنَّهَا قَدْ عَزَمَتْ عَلَى تَزْوِيج أَبَّنَتْهَا فِي عَهْد قَرِيب وَإِنَّهَا تَرَى أَنَّ بَقَاءَك بِجَانِبِهَا بَعْد مَوْت أَبِيهَا وَبُلُوغكُمَا هَذِهِ اَلسِّنّ اَلَّتِي بَلَّغْتُمَاهَا رُبَّمَا يُرَبِّيهَا عِنْد خَطِيبهَا وَإِنَّهَا تُرِيد أَنْ تَتَّخِذ لِلزَّوْجَيْنِ مَسْكَنَا هَذَا اَلْجَنَاح اَلَّذِي تُسَكِّنهُ مِنْ اَلْقَصْر فَهِيَ تُرِيد أَنْ تَتَحَوَّل إِلَى مَنْزِل آخَر تَخْتَارهُ لِنَفْسِك مِنْ بَيْن مَنَازِلهَا عَلَى أَنْ تَقُوم لَك فِيهِ بِجَمِيع شَأْنك وَكَأَنَّك لَمْ تُفَارِقهَا.
فَكَأَنَّمَا عَمَدَتْ إِلَى سَهْم رائش فَأَصْمُت بِهِ كَبِدِي إِلَّا أَنَّنِي
1 / 13
تَمَاسَكْت قَلِيلًا رَيْثَمَا قُلْت لَهَا سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اَللَّه وَلَا أُحِبّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ فَانْصَرَفَتْ لِشَأْنِهَا فَخَلَوْت بِنَفْسَيْ سَاعَة أَطْلَقَتْ فِيهَا اَلسَّبِيل لعبراتي مَا شَاءَ اَللَّه أَنْ أَطْلَقَهَا حَتَّى جَاءَ اَللَّيْل فَعَمَدَتْ إِلَى حَقِيبَتِي فَأَوْدَعْتهَا ثِيَابِي وَكُتُبِي وَقُلْت فِي نَفْسِي:
قَدْ كَانَ كُلّ مَا أَسْعَدَ بِهِ فِي هَذِهِ اَلْحَيَاة أَنْ أَعِيش بِجَانِب ذَلِكَ اَلْإِنْسَان اَلَّذِي أَحْبَبْته وَأَحْبَبْت نَفْسِي مِنْ أَجْله وَقَدْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنه فَلَا آسَف عَلَى شَيْء بَعْده.
ثُمَّ اِنْسَلَلْت مِنْ اَلْمَنْزِل انسلالا مِنْ حَيْثُ لَا يُشْعِر أَحَد بِمَا كَانَ وَلَمْ أَتَزَوَّد مِنْ اِبْنَة عَمِّي قَبْل اَلرَّحِيل غَيْر نَظْرَة وَاحِدَة أَلْقَيْتهَا عَلَيْهَا مِنْ خِلَال كِلْتهَا وَهِيَ نَائِمَة فِي سَرِيرهَا فَكَانَتْ آخِر عَهْدِي بِهَا.
لِعُمْرِك مَا فَارَقَتْ بَغْدَاد عَنْ قَلَى
لَوْ أَنَا وَجْدنَا مِنْ فِرَاق لَهَا بَدَا
كَفِّي حُزْنًا أَنْ رُحْت لِمَ استطع لَهَا
وَدَاعًا وَلَمْ أُحَدِّث بِسَاكِنِهَا عَهْدًا
وَهَكَذَا فَارَقَتْ اَلْمَنْزِل اَلَّذِي سَعِدَتْ فِيهِ حِقْبَة مِنْ اَلزَّمَان فَرَاقَ آدَم جَنَتْهُ وَخَرَجَتْ مِنْهُ شَرِيدًا طَرِيدًا حَائِرًا مُلْتَاعًا قَدْ اِصْطَلَحَتْ عَلَى اَلْهُمُوم وَالْأَحْزَان فِرَاق لالقاء بَعْده وَفَقْر لَا سَادَ لخلته وَغُرْبَة لَا أَجِد عَلَيْهَا مِنْ أَحَد مِنْ اَلنَّاس مُوَاسِيًا وَلَا مُعَيَّنًا.
وَكَانَتْ مَعِي صَبَابَة مِنْ مَال قَدْ بَقِيَتْ فِي يَدِي مِنْ آثَار
1 / 14