لكي نلمس بأيدنيا صحة قول أولئك الذين يذهبون إلى أن العصر الأموي كان عصر تجديد في الآداب العربية، وأنه كان عصر تجديد قوي ظاهر في اللفظ والمعنى، يلزمنا أن نفهم فهما أوليا سذاجة الشعر الجاهلي وصادق تعبيره عن الحياة الجاهلية.
نعلم أن العصر الجاهلي للعرب كان في مجموعه - ككل العصور الأولية للعقل البشري - ساذجا فطريا في علومه ونظمه وعاداته، ولكنه لم يكن كذلك في آدابه، فإن عرب الجاهلية بدءوا في شعرهم وآدابهم، في ذلك الطور الأول، بما كان عليه غيرهم من الأمم السامية وكثير من الأمم الأخرى في أطوارها الأولى وعصورها الجاهلية، مع ملازمتهم للفطرة، ونفورهم من التكلف، وبعدهم عن الصنعة الكلامية.
إن العرب في جاهليتهم نظموا الشعر في كل حاجاتهم، وأبدعوا فيه بسليقتهم، ومع أنهم كانوا في دور فوضاهم، فقد نضجت لهم أفانين كانت آية في بلاغة اللسان العربي، وكان الأدب الجاهلي فطريا ممثلا خلق العصر، مبينا استقلال الفكرة البدوية، وكان في ضروبه كافة من وصف ومدح ورثاء وهجاء ناطقا بما يجيش في نفس قائله حقا، كما كان في بلاغة تركيبه وبعده عن الأوضاع المدرسية من تكلف للبيان والبديع آية في بلاغة الفطرة، وشاهدا في مجموعه على مبلغ أثر بلاغة الفطرة المرسلة عن شعور صاحبها في النفوس والأفهام.
على أنه يجدر بنا أن نقول: إن المعلقات وغيرها من آثار العقل العربي الجاهلي قد لا تتأثر بها نفوس العصر الحاضر؛ لتغير اللغات والأفكار والمعتقدات، ولتشعب المدنيات والأدبيات، ولأن آذاننا وأذواقنا قد تحكم بنبو ألفاظها وخشونتها، فكما أن الأدب الإنكليزي قد لا يستعمل اليوم ألفاظا كان يستعملها شيوخ العقل الإنكليزي «كباكون» و«شكسبير» و«ملتون» من خيرة نتاج عصر إليزابث الذهبي، وقبلهما «شوسر» وشعراء المغاني، ويعتبرها البعض نابية جافية، وأنها بمثابة ألفاظ مدرسية تاريخية، كما هي الحال في نظر أدب العصر الإنكليزي أو الفرنسي أو الألماني في تراجمهم عن الكتاب المقدس، وإلى شعرائهم وأدبائهم المتقدمين، كذلك هو الحال في أحكامنا عن نتاج العصر العربي الجاهلي. •••
إن المدنية ما ونت ساعة ولا يوما، ولكن عاطفة الإنسان تكاد تكون هي بنفسها في كل العصور؛ يحرك لواعجه الجمال، ويفطر قلبه ريب الزمان، ويبث شكاته إلى أترابه وإخوانه، ويحاول أن يتبوأ حبات الأفئدة بسحر بيانه، فهو يفخر ويشدو، وهو يمدح ويهجو، وهو يخطب وينظر ويضرب الأمثال، وهو صادق في ترجمة مشاعره، وتبيان مقاصده ما كان في دور سذاجته بعيدا عن ضروب المدنيات التي كثيرا ما تلازمها تقاليد خاصة، وتصحبها آداب تعورف عليها تقلل صراحته، وتفل من حدة شباته، وتجعل له سلطانا على ميوله وأهوائه، واللسان علنة مصفاح إن تركت له عنانه، كتمة مضلل إن جعلت العقل والتقليد ميزانه.
من هنا نستطيع أن نفسر سذاجة العربي الجاهلي وجنوحه إلى صوت الطبيعة، على العكس من حال زميله الإسلامي الذي قد صقلته بلاغة القرآن وتعاليمه، وشذبته سنة الرسول وصحابته، وأفسح المجال لخياله ما وقف عليه أثناء الفتوح العربية من تراث المدنيات الفارسية في العراق وفارس، والرومانية في الشام ومصر، وناهيك بآثار الفرس والرومان إلى ما خلف له آباؤه العرب من حكمة وبيان. •••
كان شعراء الجاهلية يسددون قولهم نحو كبد الحقيقة فلا يخطئونها، ويقولون الشعر عن شعور حي، ولا يتخطون إلى ما وراء مشهودهم ومعقولهم، فجاء شعرهم مثالا صادقا لبداوتهم وحضارتهم، حتى لو اندثرت جميع أخبارهم وآثارهم ولم يبق إلا شيء من شعرهم لتيسر للباحث أن يستخرج منه وصفا كاملا لجميع أحوالهم، كما استخرج الباحثون كثيرا من غوامض جاهلية اليونان من شعر «هوميرس».
وإليك مثالا قول المهلهل بعد وقعة السلان؛ إذ حضرها مع أخيه كليب وفر ابن عنق الحية من وجههما:
لو كان ناه لابن حية زاجرا
لنهاه ذا عن وقعة السلان
ناپیژندل شوی مخ