وقد عاد إليهم ذات مرة من بعض أسفاره في بلاد الروم. فلما أقام فيهم شهرا أو بعض شهر أنبأهم بأنه يريد أن يركب هذا البحر الذي لا يركبه الناس إلا قليلا، وأن يرى ما ينبث على سواحله من المدن، ومن يعيش حوله من أجيال الناس. وقد سمع من أمر هذه الأجيال وتلك المدن أعاجيب، منها ما يقبله العقل، ومنها ما لا يستطيع الإنسان له تصديقا. وهو يعلم على كل حال أن شرقي هذا البحر، وغير بعيد من ساحله، تقوم مدينة قديمة، يسكنها قوم صالحون يعرفون المسيح، ويؤمنون به، ويخلصون لدينه. وقد امتحنوا في دينهم بأعظم الشر وأشنع النكر، فصبروا على المحنة، وثبتوا للخطب، واصطلوا النار التي حرقهم بها اليهود تحريقا. وهو يعلم أن قيصر قد رق لهؤلاء الناس، وغضب لما أصابهم من الشر، فأنجدهم وأغاثهم وثأر لهم من اليهود. وهو يريد أن يزور هذه المدينة، ويرى هؤلاء الناس الصالحين الذين عذبوا في الدين، ويود لو استطاع أن يقيم لهم كنيسة، ويترك في مدينتهم تلك أثرا يتقرب به إلى الله.
وكان أهل القرية يسمعون حديثه، فمنهم من يزين له المضي فيما عزم عليه، ومنهم من يصده عن ذلك ويرغبه في لين العيش واستقرار الحياة. ولكنه كان يسمع لأولئك وهؤلاء، ولا يرد على أولئك ولا على هؤلاء رجع الحديث، وإنما كان يمضي في تدبير أمره كما قدر هو، أو كما قدر الله له، لا كما أراده الناس عليه.
وأصبح القوم ذات يوم فإذا «باخوم» قد تهيأ للرحلة كما تعود أن يفعل، وإذا هو يفارقهم، فتتصل غيبته وتتصل، وتمضي الأعوام دون أن يسمعوا من أمره شيئا، حتى يستيئسوا من عودته، ثم تمضي الأعوام وقد تسلوا عنه وكادوا ينسونه، وجعلوا لا يتحدثون عنه إلا قليلا، وجعلوا إذا ذكروه رقت أحاديثهم عنه، وحسن ذكرهم له، وكثر إشفاقهم عليه، كدأب الناس حين يذكرون فقيدا كريما كانوا يحبونه ويؤثرونه، ثم حالت بينهم وبينه الخطوب، فأخذوا يتعزون عنه ويذكرونه ذكرا جميلا.
ثم يتسامع أهل القرية ذات يوم بأن «باخوم» قد عاد إليهم بعد أن غاب عنهم عشر سنين، فينكرون أول الأمر، ثم يعرفون بعد أن يروا صاحبهم كعهدهم به، إلا أن السن قد تقدمت به، وظهر أثر ذلك في هذا الشيب الذي جلل رأسه، وفي هذا الهدوء الذي عظم حظه منه، وفي هذا الصمت الذي اشتد إمعانه فيه، وفي شيء آخر جديد لم يكونوا ينتظرونه منه؛ وهو إعلانه إليهم أنه لن يرحل عن قريته بعد هذه المرة! بل سيظل بينهم يشاركهم في الحياة حتى يقضي الله فيه بما يشاء.
2
وكان أهل القرية يكلفون بحديث «باخوم» ويشغفون بالاستماع له. وليس من شك في أن أولي الجد منهم كانوا ينتظرون أن تنقضي هذه الدعابة بين الفتيان وأبيهم القسيس الشيخ ليطلبوا إلى «باخوم» أن يطرفهم بشيء من أنباء رحلته الطويلة الأخيرة! فإنه لم يقص عليهم منها شيئا.
ولم يطمئن أهل القرية قط إلى محدث أو قاص كما اطمأنوا إلى هذا الرحالة من أبناء قريتهم! فقد كانوا يعرفون فيه الصدق والأمانة والتواضع والاعتدال، ولم يعرفوا قط أنه تزيد أو تكثر أو اعتز بما رأى - وما كان أكثر ما رأى! - وبما شهد، وما كان أكثر ما شهد، فلما سمع أهل القرية صوته تدانوا منه، وأصغوا إليه، وكف الفتيان عن دعابتهم، وردوا ضحكهم إلى صدورهم ولم يتموه.
وكان «باخوم» يتكلم بصوت هادئ، غليظ بعض الشيء، عميق أشد العمق، كأنه يأتي من أقصى ضميره، فكانت الكلمات التي يحملها هذا الصوت الرزين العميق إلى آذانهم لا تكاد تبلغ آذان القوم حتى تنفذ منها مسرعة إلى قلوبهم، وتستقر فيها وتملؤها عجبا وإعجابا.
قال باخوم: «أما أنا فقد رأيت الشيطان، ما أشك في ذلك ولا أرتاب. ورأيته في قصة غريبة وقعت لي في رحلتي هذه الأخيرة منذ عامين.» ثم سكت قليلا. ثم استأنف حديثه قائلا: «نعم! منذ عامين، وقد امتلأت بها نفسي حتى كأنها لم تقع إلا بالأمس، وقد اتصل بها قلبي فطمع في تجددها أشد الطمع، ورجا تكررها أشد الرجاء، حتى كأنها ستكون غدا. وهي آخر ما رأيت من أسفاري من عجيب الأمر. وما أرى إلا أنها آخر ما سأرى في حياتي من عجيب الأمر، إلا أن تمتد بي الأيام إلى أكثر مما أقدر وما يقدر أمثالي لأنفسهم من السن.
وما أشد ما أتمنى ذلك! وما أشد ما أحرص عليه! لا لأني أحب الحياة أكثر مما يحبها الناس، أو أرغب في البقاء أكثر مما يرغب فيه الناس، بل لأني موقن بأن لهذه القصة شأنا، وبأنها قد أنبأت عن شيء سيكون. وما أشد شوقي إلى أن أشهد تحقيق هذا النبأ، وظهور هذا الحدث العظيم!»
ناپیژندل شوی مخ