كانت درية فتاة جامعية في السنة النهائية، تستعين بأناقتها كي تضيف الكثير إلى جمالها المتواضع، تنتمي لأسرة متوسطة الحال تفتخر دوما بأصولها التركية وثرائها البائد، وتتنكر لأصولها الجينية من الغطرسة والغلظة. فبدت شابة أنيقة عريقة النسب، خجولة مهذبة، ولم يكن عزت يبغي ما هو أفضل.
كان عزت أعقل وأكثر طيبة من أن يكون زوجا! بمضي الوقت أسفرت درية عن وجهها الحقيقي وبدت أكثر عنادا وأنانية وجحودا من أن تكون امرأة أو أما. أخلاق عزت الطيبة وإحساسه بالمسئولية تجاه أطفاله جعلاه يقدم التنازلات تباعا، حتى صارت حقوقا مكتسبة لزوجة لحوح عنيدة، وما إن ظفرت باستسلامه حتى تجاهلته تماما فلم يعد يحفزها على شيء قط، أي شيء، وسعت خارج دائرة الأسرة لإشباع رغبتها في التسلط والظهور. تحقق لها ما أرادت، فتفرغت لعملها بعد أن فرغت من أمر زوجها وأبنائها الذين تم احتجازهم كرهائن لإرادتها، وأسرعت ترتقي السلم الوظيفي لا يعوقها قريب أو غريب أو مبدأ، وكسبت رضاء رؤسائها بالطرق المشروعة وغير المشروعة.
كان العاملون تحت قيادتها أكثر انضباطا ومواظبة على مواعيد العمل والتزاما بكل التعليمات، وحققت تلميذات مدرستها نتائج طيبة جدا في الاختبارات العامة، وكان الكل يتمنى زوال هذه النعمة! فالمعلمون يشعرون بأن عينا ما تراقبهم أينما حلوا، لا يسلمون من لسانها المنفلت وجزاءاتها الإدارية، ورفضها للحوار وتمسكها الغبي بوجهة نظرها، ونظرة التعالي التي تخترق كبرياءهم، وتهديداتها المشئومة للقمة عيشهم. وهي تستثير في تلميذاتها مشاعر الرعب من «أمنا الغولة» ويكنون لها ما يضمرون تجاه زوجات آبائهم. والجميع يتلهفون على الهروب من هذا المعتقل.
ظل الأستاذ عزت يطرق أبوابا أخرى مصرا على ترك العمل بالمدرسة، وظنت درية أن زوجها بات يؤلب الرعية على ملكتهم، فأضحى من جديد هدفا لذيذا يستحثها لاستجماع مواهبها المنحطة، وشحذ همتها لإصابة فريستها في مقتل. كانت قد أهملته بعد أن أجهزت على كبريائه فلم يعد رجل أحلامها، وأضحت الآن تختلق الحجج لتعنيفه أمام زملائه، بل وأمام تلميذاته، وعادة ما تتوافر الحجج لدى أي مدير فاشل. وظل الأستاذ عزت كما عهده الجميع في المدرسة مربيا فاضلا، معلما كفئا محبوبا، وزميلا محترما مقربا، لكن شيئا عارضا صغيرا قد طرأ عليه ولم يلتفت إليه إلا القليلون، لقد أصبح الرجل يتلقى صفعات زوجته المديرة بابتسامة واثقة!
مرت أيام وكأن الموجة العاتية التي ضربت المدرسة قد استقرت أخيرا فوق رمال ناعمة. وللمرة الثالثة على التوالي تفوز المدرسة بكأس المدرسة الأفضل على مستوى الإدارة، ولا يبرر عاقل سبب فرحة الجميع بهذا الانتصار إلا بهيمنة روح القطيع على من استعبدوا لفترات طويلة. تزاحم المهنئون على مكتب السيدة المديرة الذائعة الصيت، وتراصت باقات الزهور على جانبي الطرقة المؤدية إليه. لقد أدى الجميع فرائض الطاعة، وكان لزاما على الابن المدلل أن يكون على مستوى توقعات سيدته، وقد حدث. فأمام الحشد المتزاحم في مكتب السيدة المديرة دخل خليل أيوب حاملا باقة من الزهور وضعها على المكتب، ومد يده مهنئا ليصافح مدام درية، وعندما مدت يدها لتصافحه انحنى خليل سريعا فقبل يدها. احمر وجه المرأة وارتبكت، وساد الصمت، ومن وسط الحشد اندفع الأستاذ عزت نحو خليل أيوب وعلى حين غرة لكمه في وجهه فسقط على الأرض.
بعد تلك الواقعة، تغيب الأستاذ عزت عن المدرسة لأربعة أيام متواصلة، وفي اليوم الدراسي الأخير من الأسبوع بكر في الحضور إلى أرض الطابور، وما إن انتظم الجميع وخرجت درية تتفقد حرس الشرف، حتى أمسك الأستاذ عزت بالميكروفون داعيا كل الزملاء والتلميذات لحضور حفل خطوبته على الآنسة علية، إحدى تلميذاته بالصف الثالث. وكأن دعوته الموجزة كانت إشارة البدء المتفق عليها، فانفرط عقد الطوابير وتزاحمت التلميذات حول زميلتهن علية، بعضهن يطلقن الزغاريد، والأخريات يرددن الأغنية الشهيرة: «مبروك عليك يا معجباني يا غالي، عروستك الحلوة قمر بيلالي ...» (تمت)
مزرعة جارسيا
منذ الصباح الباكر، اصطف جميع من في المزرعة على جانبي الطريق المؤدي إلى الفيلا في انتظار وداع الكولونيل جارسيا، الذي اعتزم القيام بإحدى رحلاته البعيدة والتي لا يعلم أحد وجهتها أو الغاية منها. مضت على وقفتهم هذه ساعات، وبينهم من هو متعب أو ساخط أو ضجر، لكن الرهبة كانت تملأ القلوب فما كان أحدهم يجرؤ على التعبير عن استيائه أو رفضه لطابور العذاب هذا، الذي يتكرر في كل مرة يرحل فيها الكولونيل أو يعود من أسفاره، فالتشريفة والزي العسكري هما الإرث الذي يعتد به الكولونيل ويذكره بمجده الغابر، ويرضي شغفه بالسطوة والتعالي.
من وقت لآخر كان كارلوس، خادم السيد وذراعه الباطشة، يخرج من القصر ليتفقد طابور الشرف، وهو اليوم على غير العادة لا يحمل معه سوطه، لكنه لا يبخل بلكمة في الوجه أو رفسة بقدمه يستقيم معها ما اعوج من أمر؛ انحراف عن الصف، التفاتة، طفل يبكي على صدر أمه، رجل يطرد ذبابة حطت على عينه، شيخ استسلم لانحناء ظهره. وعندما يعود كارلوس أدراجه يتراجع الخوف وتلح أوجاع البدن، فيلتوي الصف وينحني يسارا ويمينا، وتتراخى السيقان والأذرع، ويتحرك الساكن.
تخطت السيارة بوابة المزرعة فاتجهت كل الأنظار إليها وانفرجت الأسارير، فعما قريب ينتهي هذا الموقف الذي لا يجرؤ أحد على استهجانه حتى بينه وبين نفسه فقط. توقف السائق في نهاية الممر الفاصل بين الصفين المتراصين، ثم أطلق بوق سيارته يعلن عن وصوله، بعدها هبط من السيارة ووقف إلى جوار بابها الخلفي. أطل كارلوس من النافذة العريضة للقصر ثم اختفى، وأطبق الصمت على المكان.
ناپیژندل شوی مخ