أدرك الفوال أن عليه أن يحني رأسه بدلا من أن تقطع. جاهد كي يتماسك، فرت من عينه دمعة حاول أن يخفيها. خطا الضابط نحوه خطوة وربت على كتفه. - هون عليك. لا تحمل الأمور ما لا تحتمل. الضرورة تحتم علينا أن نتجاوز القانون في بعض الأحيان. إننا نعمل في ظل ظروف صعبة.
جف حلقه، وأحكم الكرب قبضته على صدره وبالكاد استمر يتنفس، دخل الحمام، وأغلق بابه، وفتح أمام دموعه مجرى واسعا.
أنصت لصوت المذيع الداخلي للمحطة، سوف يتحرك القطار بعد خمس دقائق، سار متثاقلا مطأطئ الرأس حتى بلغ الرصيف.
صعد إلى القطار، مشى بين صفي المقاعد، عدد الركاب محدود دائما، أغلبهم مواطنون فوق العادة، أترى كم منهم مرغت كرامته في التراب مثله؟ إنه يكره التشبه بهذه النخبة وهو ليس منها، ويرى أن من العار أن يتعلق بأذيالها، لكنها الضرورة أيضا كما يقول الضابط، تلك الكلمة السحرية الأثيرة عند كل الطغاة، الكلمة التي تحتمل أي معنى وفي الوقت ذاته لا تقبل النقاش، التي تجبرك جبرا على الرضا بكل الأشياء التي تبغضها، الضرورة، الضرورة في الأمن، وفي الغذاء والكساء والشراب والدواء والزواج والعمل. «أنا لا أحب عربات القطار المكيفة ولا أنتمي لركابها، إنهم يبصرون جلدي خلف قماش البدلة ويأنفون من لونه الكالح، لكن لو رآني أحد الموكلين أجلس بين ركاب الدرجة الثالثة لطالبني بإعادة الأتعاب حتى لو صدر الحكم ببراءته، ما زال الناس يعتقدون أنه لا يمكن لفقير أن يكون محترما!»
اهتدى الفوال إلى رقم مقعده فجلس ووضع حقيبته على أرضية القطار إلى جواره، أرخى التكييف عضلاته وأعصابه فأغمض عينيه وراح في سبات عميق لم يوقظه إلا ارتجاج القطار عند توقفه، نظر من النافذة، إنها المحطة الأولى، ما زال أمامه العديد من المحطات. إلى جواره جلس أحد الركاب بعد أن ألقى السلام، يبدو أنه لم يحجز مقعدا فهو لم يلتفت إلى أي رقم. لنفسه قال الفوال: «لقد اختارني دون غيري، أقسم النكد ألا يمل من مرافقتي.»
الراكب كان شابا لم يبلغ الثلاثين من عمره، كث اللحية حليق الشارب، يرتدي جلبابا أبيض ويضع على رأسه طاقية بيضاء، ومعه حقيبة أوراق لفتت نظر حسنين الفوال لأنها تشبه إلى حد كبير حقيبته.
عاود الفوال النظر إلى وجه الراكب الشاب مرة أخرى بطرف عينه، إنه نموذج للإرهابي الذي تعرضه شاشات التليفزيون. حسنا، فالشاب الآن في إجازة، لو أنه خرج قاصدا الجهاد ما ارتدى هذه الملابس التي تلفت الأنظار إليه، وربما لأن الأمن يفكر غالبا على هذا النحو فقد تعمد الشاب التمويه. «في كل الأحوال يبدو أن هذا اليوم لن يمر على خير. لو تحسب الإنسان لكل الاحتمالات لكان الموت أفضل له.» استسلم ونام.
عندما استيقظ للمرة الثانية لم يكن الشاب جالسا إلى جواره، لكن حقيبته كانت موجودة إلى جانب مقعده. «لعله نهض ليصلي في مكان ما، تقبل الله منا ومنه.»
مرت ساعة تقريبا ولم يرجع الشاب، ليس الأمر إذن صلاة. هل غادر القطار؟ سرت بجسده رعدة، ربما كانت الحقيبة مفخخة. بغير تدبر ودون تردد التقط الفوال الحقيبة ووضعها على ركبتيه وفتحها، أغمض عينيه، وتخشبت يديه وهو يقبض بقوة على الحقيبة، تسارعت دقات قلبه، أنب نفسه بقوة: كيف لمحام أن يبلغ هذه الدرجة من الحمق؟ لو كانت الحقيبة مفخخة كما تخوف فربما انفجرت عند فتحها. لم تنفجر، حبس أنفاسه وفتح عينيه ببطء، رأى رزما متراصة من الأوراق النقدية تملأ الحقيبة، بسرعة أغلقها وتلفت سريعا حوله، وأرجع الحقيبة إلى موضعها. «من أين يأتي شاب في مقتبل العمر بثروة كهذه؟» تساءل حسنين متعجبا «لعلها تجارة سلاح أو تجارة مخدرات؛ فخبرتهم كبيرة بمثل هذه الأمور في أفغانستان.» «هم من أفتوا فليس علي جناح، إنهم يستحلون أموال المسلمين بل ودماءهم أيضا لتحقيق أغراضهم، سوف أكتفي أنا بالمال لأحقق أغراضي ولو لمرة واحدة في عمري، لعلني لا أضطر مستقبلا لدخول محطة السكك الحديدية فيستبيح الأمن كرامتي العليلة.» «ليس أمامي متسع من الوقت كي أعمل العقل، لقد أعملته من قبل دائما فأصبحت على هذه الحال التي لا تسر مسلما أو كافرا.»
سوف يصل القطار إلى المحطة بعد دقائق، قرر حسنين الفوال قرارا لا رجعة فيه، اعتزم أن ينال نصيبه من مال المسلمين! تلفت حوله، لا أحد يجلس في الصف الذي يجلس فيه، والمقاعد عالية ولن يراه أحد. لو أنه حمل حقيبتين لأصبح في موضع شبهة، أخرج أوراقه من حقيبته سريعا ثم وضع الحقيبة أسفل مقعده، كان يفضل لو ألقى بها من النافذة، لكن النوافذ لا تفتح في مثل هذه العربات، فتح الحقيبة الأخرى وفي لمح البصر وضع أوراقه فوق النقود وأغلقها بإحكام ووضعها إلى جانبه.
ناپیژندل شوی مخ