الفصل السابع
ما بعد الظهيرة في شهر مايو
كينيدي يتعهد بالصعود إلى القمر
مطعم لوك أوبرز في بوسطن المشهور بباره الهادئ الذي يقدم المحار. خلال فترة الخمسينيات من القرن العشرين، كان من بين رواد المطعم المعتادين جاك وروبرت كينيدي، اللذان غالبا ما كانا يمكثان في المطعم حتى إغلاقه. كان كبير الندل في المطعم، الذي كان يطلق على نفسه اسم فريدي، مولعا بالصواريخ، وفي إحدى الأمسيات قدمهما إلى عميل آخر، وهو ستارك دريبر الأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. كان فريدي يأمل أن يقنعهما دريبر بمزايا البرنامج الفضائي، لكن الأخوان كينيدي رفضا الفكرة جملة وتفصيلا. ذكر دريبر لاحقا أن جون فيتزجيرالد كينيدي، الذي كان عضو كونجرس آنذاك، «لم يكن من الممكن إقناعه أن ليست كل الصواريخ هدرا للأموال، وأن الملاحة الفضائية ليست أسوأ.»
لم يكن ثمة ما يدعو كينيدي للتفكير بأسلوب مختلف. كان كينيدي يمثل ماساتشوستس؛ حيث كان غياب الشركات الكبرى في مجال صناعة الفضاء لافتا. كتب هيو سايدي من مجلة «تايم»، وهي مجلة لها باع في مراقبة أداء الرؤساء، أنه من بين الموضوعات التي صادفها في البيت الأبيض، «ربما كان الفضاء هو الموضوع الذي عرف عنه أقل القليل ولم يفهمه كثيرا». لكن الديمقراطيين كانوا قد قطعوا شوطا كبيرا في ذلك باتهام آيزنهاور بعدم الاكتراث بهذا المجال، وكان كينيدي يعرف القضية الرابحة متى ارتآها. خلال حملته الانتخابية في عام 1960، تبنى موضوع الرحلات الفضائية وجعله قضيته الشخصية؛ إذ تطرق إلى الموضوع مرارا وتكرارا في خطاباته، بينما اتهم السياسات الجمهورية بأنها جعلت البلاد ضعيفة في مواجهة هذا التحدي. وبينما هو يحذر من خطورة التحدي، كان سيرجي كوروليف يزيد التحدي خطورة.
منذ عام 1957، كان كوروليف قد عمل على تطوير الصواريخ التعزيزية ومركبات الفضاء العسكرية، مؤهلا إياها لإجراء اختبارات إطلاق تجريبية تحقق أفضل دعاية ممكنة. كان كوروليف قد نجح في تحقيق ذلك مع بعثات أقمار «لونا»، التي كانت قد برهنت على كفاءة الصاروخ «آر-7» في التحليق باستخدام صاروخ المرحلة العليا لسيمون كوزبرج. كان النموذج الأولي للمرحلة العليا قد جرى تصميمه في عجلة، إلا أن كوزبرج قد بنى نموذجا محسنا منه ذا قوة دفع أكبر. ومن خلال هذا الصاروخ، استطاع كوروليف الإعداد لإطلاق أول قمر استطلاعي، باسم «زينيت» (زينيث).
على غرار ما كان في صواريخ «ديسكفرر»، التقطت هذه الأقمار صورا لمساحات شاسعة بجودة عالية. كانت كل رحلة تغطي الولايات المتحدة بكامل مساحتها، وبينما لم يستطع القمر «زينيت» تقديم صور تظهر كرات الجولف في ملاعب الجولف الرئاسية، كانت الصور التي يبعث بها واضحة بما يسمح لمحللي الاستخبارات بإحصاء عدد السيارات في باحة انتظار. بالإضافة إلى ذلك، كان «زينيت» يشبه «ديسكفرر» في الاعتماد على كبسولة تعود إلى الأرض، وهو ما يسمح بالاسترجاع العيني؛ ومن ثم، طرح البرنامج المشكلة نفسها التي كانت تقض مضجع ريتشارد بسل، ألا وهي كيفية تطوير الوسائل لتنفيذ عملية الاسترجاع هذه على نحو موثوق فيه. بالإضافة إلى ذلك، كان على كوروليف حل المشكلة قبل دخول «زينيت» الخدمة في وزارة الدفاع، وكان عليه أن يتأكد من أن كبسولات القمر ستعود إلى موضعها الصحيح. ولم يكن مجديا بناء قمر مناظر للقمر «ديسكفرر 2»، الذي سقط في أيدي السوفييت.
لكن كوروليف كانت لديه ميزة مهمة؛ لأن «زينيت» كان أكبر حجما من «ديسكفرر»، وهو ما كان يعني أن نسخة معدلة من القمر يمكنها أن تحمل على متنها كلابا ورائد فضاء؛ أما كبسولة «ديسكفرر» فكانت غاية في الصغر، حتى إن أقصى ما يمكنها حمله هو الفئران. لكن من خلال «زينيت»، استطاع كوروليف إرسال أول إنسان إلى الفضاء، محققا نصرا مؤزرا؛ وأطلق على هذا النموذج المأهول اسم «فوستوك» (أي الشرق).
بعد عام 1958، واصل كوروليف تطوير تصميم مشترك لكل من «فوستوك» و«زينيت»، وعلى غرار الصاروخ «آر-7» الذي كان يستخدم كصاروخ إطلاق متعدد الأغراض، وفرت هذه المركبة وحدها الوسائل اللازمة لتنفيذ مهام مأهولة ومهام استطلاعية. نشرت مجلة «بريرودا» (أي الطبيعة) في عام 1993، في إثر عمليات الكشف عن غطاء السرية، أن «في حال وضعت المركبتان الفضائيتان - المعروفتان على نطاق واسع باسم «فوستوك» و«زينيت»، واللتان لم يجر عرضهما على الإطلاق من قبل - جنبا إلى جنب في إحدى صالات العرض، لن يستطيع زوار صالة العرض على الأرجح التفرقة بينهما دون النظر إلى ما في داخلهما.»
1
ناپیژندل شوی مخ