كان مشروع «ساتورن» وحده سيستهلك معظم ميزانية ناسا، التي كانت تتجاوز مليار دولار أمريكي سنويا وتزيد. كان البرنامج الكامل الذي يستغرق خمسة عشر عاما خارج نطاق المناقشة، وكانت تكلفته الإجمالية المحتملة، التي تبلغ 46 مليار دولار أمريكي، تفوق الميزانية الفيدرالية بأكملها حتى عام 1951 أو نحوه. (في الاقتصاد الحالي، يساوي هذا التقدير الإجمالي تقديم مقترح بإنفاق 700 مليار دولار أمريكي على برنامج الفضاء. كانت ميزانية ناسا في عام 1997 تبلغ 13,7 مليار دولار أمريكي.)
تلقى آيك هذا التقرير في البيت الأبيض في ديسمبر، وطلب تقديم تفسير. قارن أحدهم الرحلة إلى القمر برحلة كولومبوس لاكتشاف أمريكا، التي من المزمع أن الملكة إيزابيلا قد رهنت ماساتها لإتمامها. أجاب آيزنهاور أنه «لن يخاطر بميزانية البلاد» لصالح برنامج «أبولو». وصف المؤرخ جون لوجسدون الجو العام الذي ساد في أثناء اللقاء بأنه «كان يتضمن مشاعر دهشة حقيقية - أو مشاعر استمتاع حتما - بأن أحدا يمكن أن يفكر في مهمة كتلك. قال أحد الحاضرين: لن يقنع هذا الأمر الجميع. لكن عندما يفرغون جميعا من البرنامج، فسوف تسيطر عليهم رغبة عارمة في السفر إلى الكواكب. تعالت الأصوات بالضحك لطرح هذه الفكرة.»
4
لكن، وسط هذه الرؤى حول السفر إلى القمر، كان جلينان ونظراؤه في البنتاجون يديرون برنامجا فضائيا غير مأهول كان يتسم بالقوة والحماسة. كان البرنامج يتمحور حول خمسة موضوعات وأنشطة رئيسية، ألا وهي عمليات الاستطلاع العسكري، والأرصاد الجوية، والملاحة الفضائية، والاتصالات، وعلم دراسة الكواكب. خلال العقود التالية، كانت هذه الموضوعات ستشهد نموا وازدهارا مثل شجرة فارعة، تمتد جذورها عميقا إلى مجموعات من العملاء والأشخاص الذين يعتمدون على هذه الخدمات المقدمة، وتزهر فروعا جديدة مع ابتكار المجتمعات المستهلكة لاستخدامات جديدة. في هذه المجالات، وبالأحرى في الرحلات المأهولة، برزت الأهمية الحقيقية للبرنامج الفضائي.
صارت أقمار الأرصاد الجوية واقعا ملموسا خلال عام 1960، عندما أطلقت ناسا القمر «تيروس 1» (وهو قمر الرصد الجوي باستخدام الأشعة التليفزيونية والأشعة فوق الحمراء) في أوائل شهر أبريل من ذلك العام. ونظرا لأنه كان في الأساس مشروعا تابعا لهيئة المشروعات البحثية المتطورة، انبثق المشروع عن نتيجة توصلت إليها القوات الجوية، في أغسطس 1957، مفادها أن وضع كاميرا تليفزيونية في مدار فضائي لن يوفر الدقة العالية اللازمة في عمليات الاستطلاع العسكري. لم ينل اليأس من «آر سي إيه»، التي كانت قد ساندت جهود إطلاق كاميرا تليفزيونية في مدار فضائي، ولم تثبط همتها؛ إذ إنه على الرغم من أن الصور التي كانت توفرها الكاميرات التليفزيونية لم تكن تناسب الأغراض العسكرية، فإن هذه الكاميرات كانت تبشر بمستقبل واعد في الأرصاد الجوية. تولت ناسا إدارة المشروع بدلا من هيئة المشروعات البحثية المتطورة في أبريل 1959، وأرسلت مركبة فضائية منفردة في محاولة الإطلاق الأولى، وضعتها أعلى الصاروخ «ثور-إيبل».
أبلت المركبة الفضائية بلاء رائعا على مدى شهرين ونصف؛ حيث أرسلت ما يقرب من 23000 صورة أبيض وأسود. لكن، لم تدم بعثة المركبة لمدة طويلة بما يكفي لتقديم العون أثناء موسم الأعاصير، وفقد خبراء الأرصاد الجوية صور المركبة عندما ضرب الإعصار «دونا» الساحل الشرقي. بالإضافة إلى ذلك، لم تكن المركبة في المدار المتزامن مع الأرض، بل كانت تدور في مدار منخفض، على ارتفاع 22300 ميل، وهو ما كان من شأنه أن يجعلها تدور في مدار ثابت حول الأرض وتقدم عروضا ومناظر بانورامية لنصف الكرة الشمالي بأكمله؛ بيد أن تقديم هذه العروض البانورامية تأخر إلى حين إرسال أول قمر صناعي مخصص للتكنولوجيا التطبيقية (أي في مجال تطبيقات تكنولوجيا الفضاء)، في عام 1966. لكن، مثل القمر «تيروس» تطورا هائلا مقارنة باستخدام الطائرات التقليدية في رصد العواصف العاتية. وعلى خلاف الطائرات، لم يكن القمر «تيروس» عرضة للإسقاط أو الهبوط الاضطراري في ظل الأحوال الجوية السيئة.
برزت الملاحة عبر الأقمار الصناعية كمبادرة جديدة انبثقت عن احتياجات غواصة «بولاريس». كانت غواصات «بولاريس» تستخدم نظم توجيه داخلية للملاحة أثناء وجودها تحت سطح الماء، بيد أن رباني هذه الغواصات كانوا في حاجة إلى تصحيح الأخطاء في نظم التوجيه من خلال تحديث إحداثيات موضعها باستخدام نقاط مرجعية معروفة. لم تكن سبل أداء ذلك واضحة في البداية؛ إذ كان من تعاليم طاقم الغواصات عدم الإفصاح عن إحداثياتهم، كأن يصعدوا مثلا إلى السطح. لم يكن رصد النجوم يوفر دليلا استرشاديا جيدا؛ حيث كان هذا الأسلوب يصل إلى محاولة إجراء ملاحة فلكية من خلال منظار غواصة. بالإضافة إلى ذلك، كانت غواصات «بولاريس» تقضي وقتا طويلا في بحر النرويج؛ حيث كانت السحب تحجب رؤية النجوم في كثير من الأحيان.
بدا «لوران» - وهو نظام ملاحة لاسلكي تقليدي - واعدا، لكنه لم يكن يجدي نفعا عندما تكون الغواصات في عرض البحار. كان علماء المحيطات يضعون خرائط أيضا للمناطق تحت سطح البحر باستخدام أشعة السونار؛ ومن ثم كان قائد الغواصة يستطيع الملاحة من موضع محدد جيدا إلى الموضع الذي يليه. لكن، كانت الغواصات لا تتعرف على تلك المعالم إلا باستخدام أشعة السونار التي تطلقها، وهو ما قد يفصح عن موضعها لأي سفن أو غواصات أخرى قريبة متجسسة. بالإضافة إلى ذلك، لم يفلح هذا أسلوب إلا في المناطق المحدودة التي كانت البحرية تضع خرائط مفصلة بها.
طرح الفيزيائي فرانك ماجواير الحل من مختبر الفيزياء التطبيقية التابع للبحرية؛ إذ رأى ماجواير أنه مثلما يمكن تحديد الموقع الصحيح لقمر صناعي من خلال عمليات الرصد الأرضية، فإنه يمكن بالمثل تحديد الموقع الصحيح من خلال تلقي إشارات لاسلكية من قمر صناعي في مدار معروف بدقة. أقنع ماجواير رئيسه ريتشارد كرشنر بالفكرة، التي أقنع بها بدوره الأدميرال أرليه بيرك، رئيس العمليات البحرية. في سبتمبر 1959، أخفق أول قمر صناعي من هذا النوع، وهو «ترانزيت 1-إيه»، في أداء مهمته؛ لكن في شهر أبريل من العام التالي، بلغ القمر «ترانزيت 1-بي» مداره بنجاح. استعان «ترانزيت 1-بي» بإحدى نماذج الصاروخ «ثور- إيبل» للانطلاق إلى مداره، وهو الصاروخ الذي قدم إسهاما كبيرا في مجال تطوير الصواريخ؛ فقد أعيد تشغيل صاروخ المرحلة الثانية المعزز في الفضاء، ومن ثم قدم طريقة جديدة ومفيدة في بلوغ مدار على النحو المأمول.
انطلق أيضا أول قمر صناعي حقيقي لأغراض الاتصالات في عام 1960. كان القمر «سكور»، في وقت سابق على ذلك، قد اجتاز بعض اختبارات الإطلاق غير الناجحة، بيد أن القمر الذي عول عليه هو القمر «إكو». كان «إكو» عبارة عن بالون مملوء بالهواء المضغوط مصنوع من طبقة مايلار رقيقة مطلية بالألومنيوم، بقطر مائة قدم. عند عرض القمر داخل إحدى حظائر مناطيد المراقبة التابعة للبحرية، بدا مثل كرة شاطئ فضية ضخمة. وضع أحد مهندسي اللجنة الاستشارية الوطنية للملاحة الفضائية، ويدعى ويليام أوسوليفان، تصورا لاستخدام القمر الصناعي باعتباره قمرا يقيس الكثافة عند حدود المجال الجوي من خلال الاحتكاك والمقاومة. فكر جون بيرس، مدير بحوث الاتصالات في «بيل لابس»، في استخدام مختلف؛ إذ كان يعلم بإمكانية إرسال إشارة لاسلكية من القمر الصناعي، ثم استقبالها على الطرف الآخر من البلاد. عندما انطلق «إكو 1» في مداره في أغسطس 1960، تابع بيرس العمل على تحقيق ذلك التصور، ونظرا لأن «بيل لابس» كانت جزءا من شركة «إيه تي آند تي»، كان هذا هو القمر الأول الذي يلبي احتياجات القطاع الخاص. كان القمر «إكو 1» أول خطوة مهمة نحو تحقيق مشروع تجاري في الفضاء، وصار المجال التابع له، وهو مجال الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، يمثل الاستخدام الشائع للفضاء على مستوى العالم بأسره. انبثقت كل تلك التوقعات الطموحة من ريادة بيل.
ناپیژندل شوی مخ