وبدأ الأستاذ توفيق يختنق. الغيظ بدأ يضع أيادي حقيقية تلتف حول عنقه وتمضي تضغط وتضغط حتى لقد بدأ جسده يتفصد عرقا، وبدأ يتأزم وينتفض ويحس أنه حالا سيموت، وأخيرا جدا، وبصعوبة شديدة، بدأ يحس وكأن الروح تعود، ووجد نفسه يرى، وكان كل ما رآه ظلاما، وحين أوقد النور وجد نفسه في حجرة نومه حيث لا قعدة ولا جرسون ولا حساب. ولم يصدق أن ما حدث لم يكن إلا حلما مزعجا إلا بعد أن قام وتحرك وأشعل النور وأطفأه مرات ليتأكد. وتأكد حينئذ أن ما حدث كان مجرد كابوس كاد يقضي عليه، وعلى الفور أحس براحة حقيقية تتصاعد من صدره، وانتابه فرح غامر وكأنه أخذ البراءة أو نجا من موت محقق.
وحينئذ فقط استعاذ بالله من الشيطان الرجيم حتى لا يتكرر الكابوس، وقرأ آية الكرسي زيادة في الاحتياط، وغير الجنب الذي كان ينام عليه وأراح رأسه من جديد على المخدة، ثم ابتسم ابتسامة كلها سعادة ونشوة.
وفي براءة الأطفال نام. (24) قابلت سارتر في «الكافتيريا»
2
قاعة «الكونزرت هاوس» في فيينا. مؤتمر وناس قادمون من جميع أنحاء العالم ولجان تجتمع وتتخاصم، وحركة دائبة في القاعة الكبيرة والمسارح الصغرى الملحقة بها. مدخل القاعة مزين بأعلام جميع الدول والشعارات الزرقاء وملابس الرجال والنساء كأنها كرنفال، والوجوه والملامح متحف حي متحرك يعرض صورا للإنسان في كل مكان من قشرة الأرض.
قرأت اسم سارتر ضمن المشتركين في المؤتمر، دخلت أتفرج. طلبت على سبيل المزاح من سكرتيرية المؤتمر أن أقابله وأعطيت اسمي باعتباري كاتبا من مصر. محاولة لم أكن جادا أبدا فيها، ولم أعتقد أنها ستنجح. تركتها وظللت أدور في المدخل والقاعة وأتفرج على الوجوه والأجناس واللغات، وأسمع بشغف صوت المذيعة في إذاعة المؤتمر الداخلية وهو تقول كلما بدأت الكلام: «آختونج. آختونج»، ومعناه «انتباه. انتباه». صوتها قوي وعميق ويحبب الأذن في الألمانية. استغرقني التفرج ومحاولة معرفة ما يدور في المؤتمر حتى نسيت كل شيء عن سارتر والمقابلة، ولكنني فوجئت بصوت المذيعة الألمانية الحلو ينطق مرة اسما خيل إلي أنه اسمي، بل تأكدت. المذيعة الإنجليزية ما لبثت أن قالت: يوسف إدريس يقابل ج. ب. سارتر في الكافيتريا.
شملني اضطراب عظيم وخفت. كنت في السادسة والعشرين، بالكاد نشرت قصة أو قصتين، ما لي أنا ولسارتر العملاق؟ فكرت في التراجع ولكني وجدت نفسي أبحث عن الكافيتريا. وطال بحثي ولم أتصور أبدا أن يكون مكانها تحت خشبة المسرح مباشرة. سألت الجرسون عن «سارتر»، أشار إلى منضدة يحتلها رجلان أحدهما ضخم أحمر الوجه فاخر الثياب جميل التقاطيع، والثاني قصير ربع أحول منظاره من نوع عتيق رخيص. تقدمت من المنضدة وقلبي يدق، خفضت رأسي ومددت يدي بعصبية للرجل المهيب، وقلت: مسييه سارتر؟ حملق في الرجل بهدوء ثم أشار بابتسامة إلى الرجل القصير الجالس بجانبه، وقال بالفرنسية: هذا هو. الواقع بهت وخاب أملي، ولم أعتقد أبدا أن رجلا هذا شأنه لو رأيته في أي مكان آخر لخيل إلي أنه مدرس أحياء في مدرسة أهلية مصرية، هو العظيم سارتر، ولكني سلمت وقدمت نفسي. وقال الرجل كلاما فرنسيا كثيرا لم أفهم منه إلا أنه يقول إنه سارتر، أما الرجل الجالس معه فهو الكاتب الروسي الكبير إليا آهرنبورج. انقلب اضطرابي إلى فزع، يا لي من أحمق! أطلب مقابلة على سبيل العبث وإذا بي مرة واحدة في حضرة اثنين من عمالقة الفكر العالمي، وأجلس معهما، وألمس أيديهما وأكلمهما، ويعاملانني كزميل لا يفرقه عنهما إلا فارق السن!
وربما الفزع هو الذي دفعني للاستهتار بالموقف كله، ودفعني لخوض مناقشات لا قبل لي بها. كنت أطمن نفسي وأقول: فليكونا عمالقة في كل شيء ولكنك أنت الآخر يا ولد تعرف أشياء لا يعرفانها، على الأقل تعرف الإنجليزية التي لا يعرفها سارتر نفسه، وتعرف العربية التي لا يعرفها آهرنبورج.
أنا مضطر أن أتخطى أشياء كثيرة جدا دارت، وكانت جديرة بالذكر لأصل إلى المناقشة. ويا لها من مناقشة يحسدني عليها أنيس منصور! أنا أناقش سارتر في الوجودية، بينما يقوم إيليا آهرنبورج بدور المترجم!
قلت: أنا للأسف لم أقرأ من أعمالك إلا مسرحيات الحائط: ولا مفر، والأيدي القذرة، ومجموعة قصص قصيرة.
ناپیژندل شوی مخ