أيما تغيير يلغي الفقر ويزيد الفراغ بين العمال سوف يلغي أيضا الحاجة إلى المخدرات والخمور التي تبعث في النفس إحساسا كاذبا بالسعادة.
إن القاعدة التي يقول بها الطبيعيون: «الطبيعة تكره الخواء» تنطبق أيضا على رأس الإنسان؛ إذ ليس هناك رأس فارغ ... فإذا أنت تركت زاوية صغيرة فارغة في رأسك لحظة واحدة فإن آراء الناس غيرك ستندفع إلى ملئها ... من الإعلانات والجرائد، والكتب، والقيل والقال، والخطب السياسية، والقصص والدرامات ... فيجب أن تحرص على أن تفكر بنفسك ما استطعت.
نموت جوعا إذا نحن كففنا عن العمل المنتج كل يوم، وإذا وجدت إنسانا فارغا لا يعمل فإن هناك من يعمل لنفسه وله، وإلا لما وجد أحدهما طعامه. ولذلك قال بطرس الرسول : «إذا لم يعمل الإنسان وينتج فإنه لن يجد ما يأكل.»
عقولنا هي عقول الجماعة، ومهما حاولنا الاستقلال في تفكيرنا فإننا مع ذلك لن نستطيع التخلص من التفكير الجماعي، وقصارى ما نستطيعه هو قشرة صغيرة من الاستقلال الفكري، بل إني لأقول إنك حين اشتريت كتابي هذا إنما فعلت ذلك كي أفكر أنا لك، ولكن الواقع أني لن أستطيع ذلك أكثر مما أستطيع أن أتناول لك عشاءك، وقصارى ما أفعل أني أطبخ لك عشاءك الذهني بأن أقدم لك مقدار ما فكرت وفكر غيري في الموضوع الذي تفكر أنت فيه؛ وذلك اقتصادا لك في المجهود.
ما منفعة النقود؟ إنها تمكننا من أن نحصل على ما نريد بدلا من أن نحصل على ما يظنه غيرنا نريده، وعندما تتزوج إحدى الفتيات يتقدم إليها أصدقاؤها بالهدايا بدلا من أن يقدموا لها نقودا، ونتيجة ذلك أنها تجد نفسها مثقلة بأدوات المائدة المكررة، أو بنحو ثماني ساعات، ولا تجد جوربا واحدا من الحرير، ولو أن أصدقاءها كانوا على تعقل وقدموا لها النقود بدلا من الهدايا - كما أفعل أنا - ولو أنها هي أيضا كانت على تعقل وقبلت النقود (وهي تقبلها على الدوام) لاقتصدت.
يمكننا تعليم الصبيان الجهل؛ إذ من السهل أن نكتب على ورقة بيضاء ما نشاء، ولكن أوراق المدارس التي يكتب عليها التلاميذ ليست بيضاء إذ هي تحفل بأبيات الشعر اللاتينية السخيفة، وبالشعارات والأمثال المهجورة، وبسخافات القرون الماضية وقماماتها، وبالتاريخ الحافل بالأساطير، وأيما إنسان يحاول محو هذه الأشياء يعاقب، وإذا لم يمكن عقابه فإنه يلعن باعتباره عدو الله والإنسان. أما روسو، وفولتير، وتوم بين، الذين حرروا الشعوب، فيعدون ملحدين أشرارا في مدارسنا العامة، وكذلك واشنطون وكارل ماركس ولنين يعدون مجرمين طغاة.
لا تقوم الحضارة إذا لم يكن لها قوانين ونظم واصطلاحات وقواعد، ولكن بعد أن تستقر كل هذه الأشياء يجب أن يكون هناك مجال للثورة والزندقة والشذوذ والابتداع والمخالفة؛ وإلا فإن الحضارة تتصدع وتنهار لأنها تعجز عن التكيف باكتشافات العلم ونمو الذهن، وعلى الحكومات أن تعاقب وتتسامح في وقت معا، ولكن العقوبة والتسامح ليسا مبدأين؛ إذ على الحكومة أن تعرف متى تعاقب ومتى تتسامح وفق الظروف الجديدة.
جميع أولئك الذين يحققون امتيازا في الحياة، يبدأون حياتهم ثوريين، والمتفوقون فيهم يزدادون ثورة كلما تقدموا في السن، وإن كان الوهم السائد عنهم أنهم يعودون محافظين، وعلة هذا الوهم أنهم يفقدون إيمانهم بالطرق المألوفة في الإصلاح.
سطور أخيرة
لو شئت أن أقول كلمة أخيرة تعين مكان برنارد شو في المسرح أو الأدب العصري، ما تعلمنا منه وما وضع مناهج، لقلت ما يلي:
ناپیژندل شوی مخ