هناك في الثنية لقيته وركبت وراءه، وسار في غير ما اعتاد من الطرق إلى هدى، ولكن فتنة كانت تعرف الطريق حق العلم فما زالت به تقول من هنا ومن هناك حتى اعتدل في طريق هدى الذي يعرف.
كانت فتنة تظن أنه إنما اتخذ هذا الطريق فرارا من عيون أهل مكة، لو أنه عاد إلى المروة
2
مخترقا شعاب بني هاشم وتيم إلى منى، فلم تسأله في ذلك، ولكنها إذ كانت تشكره؛ لما يتجشم من أجلها من المشاق ذكرت أنه ارتضى السير على غير هدى. قال: بل أراد الله ما ذكرت ولم أرده. أرسل فضله على لسان سيدة المؤمنين خديجة حين أشفقت أن أعود إلى حراء أودع سيدي ابن نوفل فأمرت ألا آخذ طريق منى، ولم تكن تدري أنها تعمل للنجاة بك من عذاب ابن جدعان.
بلغا هدى قبل العصر، ولكنه لم يشأ أن يذهب بصاحبته على الفور إلى بيت الحارث حتى يلقى زوجته هرميون، ويعرض أمرها عليها فيها، فإن عطفت عليها فبها، وتكلم مع الحارث في شأنها ، وإلا تدبر في شأنها.
وكان ورقة يعرف بدالا ثقفيا في هدى يدعى طويف يجيء هدى كل عام في الربيع، ويبقى فيها إلى ما بعد الصيف؛ ليبيع المصطافين حاجتهم من مؤونة الحياة، وكان يسكن هو وأخت له أرملة تدعى سعدى في بيت لهما وراء ضفة النهر في طريق الهابط إلى مكة، وكان سبب معرفته بهما أنه كان يبيع لبيت الحارث ما قد يحتاجون إليه. كما أنه زاره ذات يوم هو والحارث إذ كانت أخته مريضة، وكان يتردد عليها بأمر الحارث؛ ليراقب حالتها، ويصنع لها الدواء وفاق أمره، ثم صار يقف على دكانته يحييه، ويستأنس به وهو في طريقه رائحا إلى مكة أو غاديا منها، وربما جلس معهم بعض الوقت؛ إذ كان الرجل وأخته يمين في حديثهما ولقائهما، ومن ثم توثقت بينهما مودة كانت سببا في رواج حاله؛ إذ علمت فتيان المعسل أن ورقة يتردد عليه، فكن يقصدن إلى دكانته؛ ليشترين منها ما يكن في حاجة إليه، ثم يقضين في بيته مع أخته بعضا من الوقت يتحادثن فيما يشغل نفوسهن من شئون حياتهن، ومنها ورقة الفتى السمح الذي يركب الجواد. فإذا وجدنه هناك، أو جاء وهن عندها، أخذت كل منهن من وجوده نهلة لنفسها بالحديث معه، وعدت نفسها أسعد من رفيقتها إذا هو اختصها بدقائق في الحديث أكثر من سواها، وإذا ظفرت إحداهن منه بابتسامة أو سمعت منه على إثر حديثها معه مزحة معها أو مع الثقفية أخت البدال عدت ذلك مزية، ولذلك لم يتردد البدال في أن يرجو منه الإكثار من زيارته وإن لم يبدله من علة هذا الرجاء إلا رغبته في الائتناس به، وشعوره بعظيم المحبة له، وكان أبين ما يجتمع الفتيات عند البدال عشي ليلة البدر وصباح يومه، وعشي الهلال وصباحه، وقد فعلن ذلك هذه المرة أيضا، ولكن ورقة ذهب عشي الهلال ورأينه وحادثنه، وملأن عيونهن الجميلة منه، ولم يعد في صباحه، فصببن فرحتهن حيث نهلن؛ وإذ علا النهار ولم يعد من مكة عدن إلى دورهن آسيات لذلك، ولم تخف هذه العاطفة على الثقفية؛ إذ انطفأ ما كان يعلو عذارى المعسل من نور الابتهاج، فلم تتردد لإنعاشهن في أن تذكر لهن ذلك مباسطة ومتألفة ومغرية لهن بالحديث عنه بلا تنكر، ولكنه لم يجئ صباح اليوم الثاني، وعلا النهار كذلك فعدن إلى دورهن كما عدن في ضحى الأمس.
جاء ورقة مبكرا قبل العصر، ولم يكن يرجى أن يخرج أحد من مكة في الهجير؛ ليبلغ هدى في مثل هذا الوقت، ولذلك كان بيت الثقفي خاليا من زواره.
هناك ترجل وترجلت فتنة، وأنزل جوالقها عن الجواد، ورآه الثقفي وأخته فخرجا للقائه مرحبين، وهما مشغولان باكتناه من معه، ورأيا على فتنة شيئا غير عادي فيمن يعرفن من النساء كان سببا في عجزهما عن الحكم من هي؟ لا يمكن أن تكون أمه؛ لأنها أصغر من أن تكون أمه، ولا يمكن أن تكون من جواري بيت الحارث في مكة؛ لأنهن يرتدين غير هذا الملبس، ولهن سحنة أخرى. هذه قوية النظرة كالصقر، عليها مسحة من قوة الاعتزاز بنفسها، وأولئك لا يكن كذلك. فتركا الأمر حتى يبين من نفسه.
دخلوا الدار بين ترحيب الثقفي وأخته. فقال ورقة للثقفي: هذه أخت لي يا طويف اسمها ناجية. أدعها عندك حتى أجيء فآخذها. لن يطول مقامها عندكم فيما أرجو، ولكني أرجو منكما ألا تذكرا من أمرها لأحد شيئا، حتى ولا بعد أن أجيء لآخذها، وها أنذا أقول لكما شيئا من حقيقتها؛ لتعرفا أنه إذا ظهر من أمرها شيء كان في ظهوره أذى لها ولي: هذه الأخت كانت في براثن الشر، فأنقذتها منه في غفلة من صاحبه، فإذا عرف أين هي الآن عرف من غلبه عليها، وما ترضيان لنا هذا. قولي إن شئت يا سعدى فلن يسألكما إلا النسوة، إنها ابنة خالتك جاءت في زيارة، ولا تزيدا على ذلك.
قال طويف: حبا وكرامة، وطمأنته الأرملة على ما أراد، وأظهرت استعدادها؛ لأن تكون معه على الدنيا إذا هو شاء، وقالت: ستكون ناجية في صون الله وستره ما دامت معنا، فاطمئن.
ناپیژندل شوی مخ