Asl al-Zarari Sharh Sahih al-Bukhari - Manuscript
أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط
خپرندوی
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
د خپرونکي ځای
https
ژانرونه
حديث أبي هريرة: (أنه توضأ فغسل يديه حتى أشرع في الساقين ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﵇ يتوضأ)، ولم ينقل تركها، فكان فعله بيانًا أنه مما يدخل، وقوله: (حتى أشرع)؛ أي: أدخل وروي: (حتى أسبغ)، وقدَّمنا أن هذا لا يفيد الافتراض؛ لأنَّ الفعل لا يفيده.
وروي: (أن عمَّارًا تيمم إلى المنكب وقال: تيممنا إلى المناكب مع رسول الله ﵇، وكان ذلك بعموم الآية، ولم ينكر عليه من جهة اللغة؛ لأنَّه من أهل اللغة، فكان عنده أن الاسم للعضو إلى المنكب، فثبت بذلك أن الاسم يتناول إلى المنكب، وذكر التحديد بعده يقتضي ذلك إسقاط ما وراءها، وتمامه في «عمدة القاري».
والغايات أربعة: غاية مكان، وغاية زمان، وغاية عدد، وغاية فعل، فغاية المكان من هذا الحائط إلى هذا الحائط، وغاية الزمان قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وكلاهما لا يدخلان في المغيا، وغاية العدد عليه من درهم إلى عشرة، فهي لا تدخل عند الإمام الأعظم والإمام زفر، وعند الإمام أبي يوسف والإمام محمد تدخل، وغاية الفعل: نحو أكلت السمكة حتى رأسها، فإن نصبت السين؛ دخلت وتكون (حتى)؛ بمعنى: الواو عاطفة، وإن خفضتها؛ لم تدخل وتكون (حتى)؛ بمعنى: إلى، كذا قاله الحدادي في «الجوهرة»، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب» «شرح مختصر الإمام القدوري»، وظاهر ما قدمناه: يفيد الوجوب لا الافتراض؛ فتأمل، والله أعلم.
وفي «الظهيرية»: من قطعت يداه ورجلاه وبوجهه جراحة يصلي بلا وضوء ولا تيمم ولا يعيد في الأصح، اهـ.
ومثله: في أكثر الكتب، وأمَّا فاقد الطهورين؛ ففي «الدر» عن «الفيض» وغيره: أنه يتشبه بالمصلين وجوبًا، فيركع ويسجد إن وجد مكانًا يابسًا، وإلا؛ يومئ قائمًا ولا يقرأ ثم يعيد وهو قول الصاحبين، اهـ.
وبه ظهر أن تعمد الصلاة بلا طهر غير مكفِّر كصلاته لغير القبلة أو مع ثوب نجس، وهو ظاهر المذهب كما في «الخانية» وغيرها، وقال بعضهم: المختار أنه يكفر بالصلاة بغير طهارة لا بالصلاة بالثوب النجس وإلى غير القبلة؛ لجواز الأخيرتين حال العذر بخلاف الأولى فإنه لا يؤتى بها بحال؛ فيكفَّر، اهـ، كما في حواشي شيخ شيخنا، ويجب غسل كل ما كان مركبًا على أعضاء الوضوء كالأصابع الزائدة والكف الزائد، فإن كان خلق على العضو؛ غَسَلَ ما يحازي محلَّ الفرض ولا يلزمه غسل ما فوقه، كذا في «الينابيع».
وقشرة القرحة إذا ارتفعت ولم يصل الماء إلى ما تحتها؛ لا بأس به في الوضوء والغسل؛ لأنَّها متصلة بالجلد اتصال الخلقة، كذا في «الجوهرة» وفي «المجتبى»، ولا يجب نزع الخاتم وتحريكه في الوضوء إن كان واسعًا، وفي الضيِّق اختلاف المشايخ؛ فروى الحسن عن الإمام الأعظم: عدم اشتراط النزع والتحريك، ومثله في «الخانية»، لكن المختار من الرواية: أنه يجب تحريك الخاتم الضيق؛ لأنَّ النبي الأعظم ﵇ كان يحرِّك خاتمه إذا توضأ، ولو انضمَّت الأصابع أو طال الظفر فغطَّى الأنملة؛ وجب غسل ما تحته، ولا يمنع درن تحت الأظفار سواء كان قرويًا أو مدنيًا في الأصح، وعليه الفتوى، وقيل: درن المدني يمنع؛ لأنَّه من الودك بخلاف القروي؛ لأنَّه من التراب، وتمامه في «شرحنا»، والله تعالى أعلم.
(﴿وَامْسَحُوا﴾): أمر من: (مسح يمسح مسحًا)؛ أي: (فعَل يفعَل)؛ بالفتح فيهما، يقال: مسح الأرض مساحة؛ زَرَعها، ومسح المرأة؛ جامعها، وفي الشرع: المسح: الإصابة باليد المبتلَّة، ويجيء بمعنى: الغسل، كما يأتي.
(﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾): الجار والمجرور محله النصب على المفعولية، وهو يدل على فرضية المسح على الرأس، واختلف في المفروض منه، فقال الإمام أبو الحسن القدوري: والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية، وهي ما بين النزعتين من الشعر، كما في «شرح الإرشاد»، وقيل: مقدَّم الرأس، كما في «ضياء الحلوم»، وهي -أي: الناصية-: ربع الرأس، وهو ما اختاره في «الهداية»، و«التبيين»، و«شرح الوقاية».
وقال في «البحر»: الناصية: ليست قدر ربع الرأس بدليل أن صاحب «البدائع» وغيره نقلوا عن الإمام الأعظم روايتين؛ في رواية: المفروض مقدار الناصية، وفي رواية: الربع، ولا تغاير بين الروايتين؛ لأنَّ الإمام الإسبيجابي روى: أن المفروض مقدار الناصية ثم قال: هذا إذا كانت الناصية تبلغ ربع الرأس، وإن لم تبلغ؛ لا يجوز، وروى الإمام الحسن عن الإمام الأعظم: أنه الربع، وروى الكرخي والحافظ الطحاوي: أنه مقدار الناصية، فعلى هذا من روى: الربع؛ روى: الناصية.
وروى هشام عن الإمام: أن المفروض مقدار ثلاثة أصابع، وهي ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم وعليها جرى في «النهاية»، لكن المعتمد رواية: الربع، وعليها مشى المتأخرون كابن الهمام، وابن أمير حاج، والمقدسي، وصاحب «البحر» و«النهر»، والتمرتاشي، والشرنبلالي، وعليه الفتوى؛ لأنَّ الباء في ﴿برؤوسكم﴾ للإلصاق عند المحققين وأنه المجمع عليه، بخلاف غيره، والفعل الذي هو المسح قد تعدَّى إلى الآلة وهي اليد؛ لأنَّ الباء إذا دخلت على الآلة تعدى الفعل إلى كل ممسوح؛ كمسحت رأس اليتيم بيدي، أو على المحلِّ تعدَّى الفعل إلى الآلة، والتقدير: وامسحوا أيديكم برؤوسكم، فيقتضي استيعاب اليد دون الرأس، واستيعابها ملصقة بالرأس لا تستغرق غالبًا سوى ربعه؛ فتعين الربع مرادًا في الآية وهو المطلوب.
وقال مشايخنا: الآية مجملة محتاجة للبيان وقد بيَّنتها السنة، ففي «صحيح مسلم» من حديث المغيرة بن شعبة: (أن النبي الأعظم ﵇ توضَّأ ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين)، وعند ابن ماجه عن المغيرة: (أنه ﵇ أتى سباطة قوم، فبال، وتوضأ ومسح على ناصيته وخفَّيه)، ورواه النسائي، وروى أبو داود عن أنسٍ قال: (رأيت رسول الله ﵇ يتوضَّأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه)، وسكت أبو داود، وما سكت عليه؛ فهو حسن عنده، وروى البيهقي عن عطاء: (أنه ﵇ توضأ فحسر العمامة ومسح مقدَّم رأسه، -أو قال-: ناصيته)، وهو حجَّة أيضًا وإن كان مرسلًا سيما وقد اعتضد بالمتصل، وتمام مسح المقدم: هو الربع المفسر للناصية.
فإن قلت: الحديث يقتضي بيان عين الناصية، والمدعى ربع غير معين وهو الناصية فلا يوافق الدليل؟!
أجيب: بأن الحديث يحتمل معنيين بيان المجمل وبيان المقدر، وخبر الواحد يصلح بيانًا للمجمل في الكتاب، والإجمال في المقدار دون المحل؛ لأنَّه الرأس وهو معلوم، فلو كان المراد منه مطلق البعض؛ لا يحتاج إلى البيان، فإن المسح على أدنى ما ينطلق عليه الاسم غير ممكن إلا بزيادة غير معلومة، وإن الله أفرد المسح بالذكر، ولو كان المراد بالمسح مطلق البعض؛ لم يكن للإفراد بالذكر فائدة.
فإن قلت: لا نسلِّم أن الكتاب مجمل؛ لأنَّ المجمل ما لم يمكن العمل به إلا ببيان، والعمل بالنصِّ ممكن؛ لحمله على الأقل.
قلت: لا نسلِّم أن العمل به ممكن قبل البيان، والأقل لا يكون أقل من شعرة، والمسح عليها لا يكون إلَّا بزيادة عليها، وما لا يمكن إلَّا به فهو فرض، والزيادة غير معلومة فتحقَّق الإجمال في المقدار.
فإن قلت: سلَّمنا أنه مجمل والخبر بيان له، ولكن الدليل أخصُّ من المدلول؛ لأنَّ المدلول مقدار الناصية، وهي الربع والدليل يدلُّ على تعيين الناصية.
قلنا: البيان فيه؛ لما فيه الإجمال، فكأن الناصية بيان للمقدار لا للمحل المسمى: ناصية؛ إذ لا إجمال في المحل، فكان من باب ذكر الخاص وإرادة العام، وهو مجاز شائع، فكانا متساويين في العموم.
فإن قلت: لا نسلِّم أن مقدار الناصية فرض؛ لأنَّ الفرض ما ثبت بدليل قطعي، وخبر الواحد لا يفيد القطع ولئن سلَّمناه، ولكنَّ لازمه -وهو تكفير الجاحد- منتف فينتفي الملزوم.
قلت: الأصل في هذا أن الخبر الواحد إذا لحق بيانًا للمجمل؛ كان الحكم بعده مضافًا إلى المجمل دون البيان، والمجمل من الكتاب دليل قطعي، ولا نسلِّم انتفاء اللازم؛ لأنَّ الجاحد من لا يكون مؤولًا، وموجب القول أو الجميع مؤول يعتمد شبهة
قوية، وقوة الشبهة تمنع التكفير من الجانبين، ألا ترى أنَّ أهل البدع لا يُكَفَّرون بما منعوا مما دلَّ عليه الدليل القطعي في نظر أهل السنة؛ لتأويلهم، وتمامه في «عمدة القاري» و«منهل الطلاب». وقال مالك: المفروض في مسح الرأس ثلثيه، وفي رواية: الثلث، وفي أخرى: مسح كله فرض، وهو المعتمد عنده؛ لأنَّ الباء: زائدة، والمعنى: امسحوا رؤوسكم، فتعيَّن مسح الجميع، وبه قال أحمد بن حنبل، ويدل لذلك ما رواه مالك من حديث عبد الله بن يزيد بن عاصم: (أنَّه سئل عن وضوئه ﵇، فأكفأ على يديه)، وفي آخره: (ثم أدخل يده في التَّور، فمسح رأسه، فأقبل بها وأدبر مرة واحدة، ثمَّ غسل رجليه)، واعترض بأنَّ الباء معناها: الإلصاق عند المحققين، والقول بزيادتها ضعيف، ويصان كلام الباري عن الزيادة التي لا فائدة فيها، فإنَّه مهما أمكن حمل كلامه تعالى على المعنى؛ يصار إليه ولا يعدل عنه، وإنَّ الحديث الذي رواه ليس بقوي؛ لأنَّ فيه راوٍ ساقط مجهول، وحديث المغيرة وأنس أقوى؛ لأنَّه مروي في الكتب الستة من طرق متعددة، حتَّى قيل: إنَّه بلغ مبلغ المتواتر. وقال الشافعي: المفروض في مسح الرأس: مسح بعض شعرة أو ثلاث شعرات؛ لأنَّ الباء عنده معناها: التبعيض، وبشعرة أو ثلاث يطلق عليه البعض، واعترض بأنَّ الباء معناها: الإلصاق عند المحققين كما مرَّ، والتبعيض ليس معنًى أصليًّا؛ بل يحصل في ضمن الإلصاق. وقال ابن جني وابن برهان: من زعم أن الباء للتبعيض؛ فقد جاء أهلَ اللغة بما لا يعرفونه، وأثبت ابن مالك والفارسي التبعيض، وهو ضعيف، كما نصَّ عليه المحققون، وأنَّه لم يرو في الأحاديث الصحاح ولا الضعاف: أنَّه ﵇ مسح شعرة أو ثلاث شعرات، ولا أحد من الصحابة والتابعين، فالقول: بالتبعيض ضعيف واهٍ لا يعتمد عليه، كما نصَّ عليه المحققون، والله تعالى أعلم. (﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾): يجوز فيه ثلاثة أوجه: الرفع؛ وهي قراءة نافع والأعمش، والنصب قراءة علي، وابن مسعود، وابن عباس، والضحاك، وابن عامر، والكسائي وغيرهم، والجر قراءة أنس، وعلقمة، وأبو جعفر، والمشهور قراءة النصب والجر، فالرفع على معنى: وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة، والنصب عطفًا على المغسول، والجر عطفًا على الممسوح. ففيه ثلاثة مذاهب: أحدها: مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل السنة والجماعة: أنَّ وظيفة الرجلين الغسل لا غير. الثاني: مذهب الإمامية من الشيعة وغيرهم: أنَّ الفرض المسح لا غير. الثالث: مذهب الحسن البصري، ومحمد بن جرير الطبري، والشيخ الأكبر محي الدين بن العربي، والمتصوفة: أنَّه مخير بين الغسل والمسح. والقراءتان متعارضتان فهو في حكم المجمل المفتقر إلى البيان. وقد ورد البيان عن النبي الأعظم ﵇ قولًا وفعلًا، أما الأول: فالأحاديث الصحيحة المستفيضة في الكتب المروية عن جابر، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وابن الحارث، وابن الوليد، وابن سفيان، وأبي أمامة، والصديق الأكبر، وأنس بن مالك وغيرهم: (أنه رأى قومًا يتوضؤون، فبقي على أقدامهم قدر الدرهم لم يصبه الماء، فقال ﵇: «ويل للأعقاب من النار»، فكان أحدهم ينظر، فإن رأى موضعًا لم يصبه الماء؛ أعاد الوضوء)، أخرجها الحافظ الطحاوي، والمؤلف، ومسلم، والدارمي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو نعيم، والطبراني، والحاكم، وأبو عوانة، وأبو داود وغيرهم، كما بسطها الشيخ الإمام بدر الدين العيني في «عمدة القاري». وأما الثاني: فالأحاديث الصحيحة أيضًا المستفيضة بالنقل المتواتر عن عثمان بن عفان، وعلي الصديق الأصغر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن زيد، والربيع، وعمرو بن عنبسة (^١) وغيرهم: (أنَّه ﵇ غسل رجليه في الوضوء)، كما بسطها في «عمدة القاري»، ولم يثبت في الأحاديث الصحاح أنَّه ﵇ مسح رجليه بغير خف في حضر ولا سفر، وما روى ابن خزيمة: (أنَّ النبي ﷺ توضأ ومسح بالماء على رجليه)؛ فمنكر لا تقوم به حجَّة، وروي مثله في مسح الرجلين، وكلها ضعيفة؛ بعضها فيه مجهول، وبعضها منسوخ، وبعضها فيه ابن لهيعة، وبالجملة؛ فهي لا يحتج بها، كما بسطها في «عمدة القاري»، والوعيد الذي في الأحاديث الصحاح لا يجوز أن يستحق إلا بترك المفروض، فهذا يوجب استيعاب الرجل بالغسل. وأمَّا قراءة الجر؛ فأجيب عنها بأجوبة: منها: أنَّها جرت على مجاورة (رؤوسكم)، وإن كانت منصوبة كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] على جوار ﴿يوم﴾ وإن كان صفة لـ ﴿عذاب﴾، وقولهم: هذا جحر ضبٍ خربٍ؛ بجر (خرب) وإن كان مرفوعًا صفة لـ (جحر)، وللنحاة باب مستقل في ذلك. ومنها: أنَّها عطفت على الرؤوس؛ لأنَّها تغسل بصب الماء عليها، فكأنَّ مظنة الإسراف المنهي عنه لا لتمسح، ولكنَّه؛ لينبِّه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، فجيء بالغاية؛ ليعلم أنَّ حكمها مخالف لحكم المعطوف عليه؛ لأنَّه لا غاية في الممسوح، قاله في «الكشاف». ومنها: أنَّه محمول على حالة اللبس للخف، والنصب على الغسل عند عدمه. ومنها: أنَّ المسح يستعمل بمعنى الغسل الخفيف، يقال: مسح على أطرافه؛ إذا توضأ، قاله أبو زيد وأبو علي الفارسي. والتوفيق بين القراءتين يمكن أن يحمل قراءة النصب على ما إذا كانت الرجلان باديتان، وقراءة الجر على ما إذا كانتا مستورتين بالخفين؛ توفيقًا بين القراءتين، وعملًا بهما بالقدر الممكن. وقد يقال: إن قراءة الجر معارضة لقراءة النصب، فلا حجة فيهما إذن؛ لوجود المعارضة، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ. (﴿إِلَى الكَعْبَيْنِ﴾): قال جمهور أهل اللغة: الكعبان: العظمان الناتئان في آخر الساق مع القدم، وكلُّ مفصل للعظام؛ فهو كعب إلا أنَّ هذين الكعبين ظاهران عن يمنة القدم ويسرته؛ فلذلك لم يحتج أن يقال: الكعبان اللذان من صفتهما كذا وكذا. وقالت الإمامية من الشيعة وكل من يرى المسح: إنَّ الكعب: عظم مستدير مثل كعب الغنم والبقر موضوع تحت عظم الساق؛ حيث يكون مفصل الساق والقدم عند معقد الشراك، وهو مردود؛ لأنَّه لو كان كما قالوه؛ لكان في كلِّ رجل كعب واحد، فكان ينبغي أن يقول: إلى الكعاب؛ لأنَّ الأصل: أنَّ ما يوجد من خلق الإنسان مفردًا، فتثنيته بلفظ الجمع؛ كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، ومتى كان مثنًّى؛ فتثنيته بلفظ التثنية، فلمَّا لم يقل: إلى الكعاب؛ عُلِم أن المراد ما ذكره جمهور أهل اللغة، كما علمت. ويدلُّلما قلناه حديث عثمان بن عفان: (أنَّه ﵇ غسل رجله اليمنى إلى الكعبين، ثمَّ اليسرى كذلك)، أخرجه مسلم، فدلَّ على أنَّ في كلِّ رجل كعبين، وحديث النعمان بن بشير في تسوية الصفوف: (فقد رأيت الرجل يلصق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه)، رواه أبو داود والمؤلف، وحديث طارق قال: (رأيت رسول الله ﵇ في سوق ذي المجاز وعليه جبَّة حمراء وهو يقول: «يا أيها الناس؛ قولوا؛ لا إله إلا الله؛ تفلحوا» ورجل يتبعه ويرميه بالحجارة وقد أدمي عرقوبيه وكعبيه، وهو يقول: يا أيها الناس؛ لا تطيعوه؛ فإنه كذاب، فقلت: من هذا؟ فقالوا: ابن عبد المطلب، قلت: فمن هذا الذي يتبعه ويرميه بالحجارة، قالوا: هذا عبد العزى أبو لهب)، وهذا يدل: على أنَّ الكعب: هو العظم الناتئ في جانب القدم؛ لأنَّ الرمية إذا كانت من وراء الماشي؛ لا تصيب ظهر القدم. فإن قلت: روى هشام بن عبد الله الرازي عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني أنَّه قال: إن الكعب في ظهر القدم عند معقد الشراك. قلت: اتفق جميع الشرَّاح وأصحاب المناسك على أنَّ ذلك سهو من هشام في نقله عن الإمام محمد؛ لأنَّه قال ذلك في مسألة المحرم إذا لم يجد النعلين _________ (^١) في الأصل: (عبسة)، ولعل المثبت هو الصواب.
قوية، وقوة الشبهة تمنع التكفير من الجانبين، ألا ترى أنَّ أهل البدع لا يُكَفَّرون بما منعوا مما دلَّ عليه الدليل القطعي في نظر أهل السنة؛ لتأويلهم، وتمامه في «عمدة القاري» و«منهل الطلاب». وقال مالك: المفروض في مسح الرأس ثلثيه، وفي رواية: الثلث، وفي أخرى: مسح كله فرض، وهو المعتمد عنده؛ لأنَّ الباء: زائدة، والمعنى: امسحوا رؤوسكم، فتعيَّن مسح الجميع، وبه قال أحمد بن حنبل، ويدل لذلك ما رواه مالك من حديث عبد الله بن يزيد بن عاصم: (أنَّه سئل عن وضوئه ﵇، فأكفأ على يديه)، وفي آخره: (ثم أدخل يده في التَّور، فمسح رأسه، فأقبل بها وأدبر مرة واحدة، ثمَّ غسل رجليه)، واعترض بأنَّ الباء معناها: الإلصاق عند المحققين، والقول بزيادتها ضعيف، ويصان كلام الباري عن الزيادة التي لا فائدة فيها، فإنَّه مهما أمكن حمل كلامه تعالى على المعنى؛ يصار إليه ولا يعدل عنه، وإنَّ الحديث الذي رواه ليس بقوي؛ لأنَّ فيه راوٍ ساقط مجهول، وحديث المغيرة وأنس أقوى؛ لأنَّه مروي في الكتب الستة من طرق متعددة، حتَّى قيل: إنَّه بلغ مبلغ المتواتر. وقال الشافعي: المفروض في مسح الرأس: مسح بعض شعرة أو ثلاث شعرات؛ لأنَّ الباء عنده معناها: التبعيض، وبشعرة أو ثلاث يطلق عليه البعض، واعترض بأنَّ الباء معناها: الإلصاق عند المحققين كما مرَّ، والتبعيض ليس معنًى أصليًّا؛ بل يحصل في ضمن الإلصاق. وقال ابن جني وابن برهان: من زعم أن الباء للتبعيض؛ فقد جاء أهلَ اللغة بما لا يعرفونه، وأثبت ابن مالك والفارسي التبعيض، وهو ضعيف، كما نصَّ عليه المحققون، وأنَّه لم يرو في الأحاديث الصحاح ولا الضعاف: أنَّه ﵇ مسح شعرة أو ثلاث شعرات، ولا أحد من الصحابة والتابعين، فالقول: بالتبعيض ضعيف واهٍ لا يعتمد عليه، كما نصَّ عليه المحققون، والله تعالى أعلم. (﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾): يجوز فيه ثلاثة أوجه: الرفع؛ وهي قراءة نافع والأعمش، والنصب قراءة علي، وابن مسعود، وابن عباس، والضحاك، وابن عامر، والكسائي وغيرهم، والجر قراءة أنس، وعلقمة، وأبو جعفر، والمشهور قراءة النصب والجر، فالرفع على معنى: وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة، والنصب عطفًا على المغسول، والجر عطفًا على الممسوح. ففيه ثلاثة مذاهب: أحدها: مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل السنة والجماعة: أنَّ وظيفة الرجلين الغسل لا غير. الثاني: مذهب الإمامية من الشيعة وغيرهم: أنَّ الفرض المسح لا غير. الثالث: مذهب الحسن البصري، ومحمد بن جرير الطبري، والشيخ الأكبر محي الدين بن العربي، والمتصوفة: أنَّه مخير بين الغسل والمسح. والقراءتان متعارضتان فهو في حكم المجمل المفتقر إلى البيان. وقد ورد البيان عن النبي الأعظم ﵇ قولًا وفعلًا، أما الأول: فالأحاديث الصحيحة المستفيضة في الكتب المروية عن جابر، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وابن الحارث، وابن الوليد، وابن سفيان، وأبي أمامة، والصديق الأكبر، وأنس بن مالك وغيرهم: (أنه رأى قومًا يتوضؤون، فبقي على أقدامهم قدر الدرهم لم يصبه الماء، فقال ﵇: «ويل للأعقاب من النار»، فكان أحدهم ينظر، فإن رأى موضعًا لم يصبه الماء؛ أعاد الوضوء)، أخرجها الحافظ الطحاوي، والمؤلف، ومسلم، والدارمي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو نعيم، والطبراني، والحاكم، وأبو عوانة، وأبو داود وغيرهم، كما بسطها الشيخ الإمام بدر الدين العيني في «عمدة القاري». وأما الثاني: فالأحاديث الصحيحة أيضًا المستفيضة بالنقل المتواتر عن عثمان بن عفان، وعلي الصديق الأصغر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن زيد، والربيع، وعمرو بن عنبسة (^١) وغيرهم: (أنَّه ﵇ غسل رجليه في الوضوء)، كما بسطها في «عمدة القاري»، ولم يثبت في الأحاديث الصحاح أنَّه ﵇ مسح رجليه بغير خف في حضر ولا سفر، وما روى ابن خزيمة: (أنَّ النبي ﷺ توضأ ومسح بالماء على رجليه)؛ فمنكر لا تقوم به حجَّة، وروي مثله في مسح الرجلين، وكلها ضعيفة؛ بعضها فيه مجهول، وبعضها منسوخ، وبعضها فيه ابن لهيعة، وبالجملة؛ فهي لا يحتج بها، كما بسطها في «عمدة القاري»، والوعيد الذي في الأحاديث الصحاح لا يجوز أن يستحق إلا بترك المفروض، فهذا يوجب استيعاب الرجل بالغسل. وأمَّا قراءة الجر؛ فأجيب عنها بأجوبة: منها: أنَّها جرت على مجاورة (رؤوسكم)، وإن كانت منصوبة كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] على جوار ﴿يوم﴾ وإن كان صفة لـ ﴿عذاب﴾، وقولهم: هذا جحر ضبٍ خربٍ؛ بجر (خرب) وإن كان مرفوعًا صفة لـ (جحر)، وللنحاة باب مستقل في ذلك. ومنها: أنَّها عطفت على الرؤوس؛ لأنَّها تغسل بصب الماء عليها، فكأنَّ مظنة الإسراف المنهي عنه لا لتمسح، ولكنَّه؛ لينبِّه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، فجيء بالغاية؛ ليعلم أنَّ حكمها مخالف لحكم المعطوف عليه؛ لأنَّه لا غاية في الممسوح، قاله في «الكشاف». ومنها: أنَّه محمول على حالة اللبس للخف، والنصب على الغسل عند عدمه. ومنها: أنَّ المسح يستعمل بمعنى الغسل الخفيف، يقال: مسح على أطرافه؛ إذا توضأ، قاله أبو زيد وأبو علي الفارسي. والتوفيق بين القراءتين يمكن أن يحمل قراءة النصب على ما إذا كانت الرجلان باديتان، وقراءة الجر على ما إذا كانتا مستورتين بالخفين؛ توفيقًا بين القراءتين، وعملًا بهما بالقدر الممكن. وقد يقال: إن قراءة الجر معارضة لقراءة النصب، فلا حجة فيهما إذن؛ لوجود المعارضة، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ. (﴿إِلَى الكَعْبَيْنِ﴾): قال جمهور أهل اللغة: الكعبان: العظمان الناتئان في آخر الساق مع القدم، وكلُّ مفصل للعظام؛ فهو كعب إلا أنَّ هذين الكعبين ظاهران عن يمنة القدم ويسرته؛ فلذلك لم يحتج أن يقال: الكعبان اللذان من صفتهما كذا وكذا. وقالت الإمامية من الشيعة وكل من يرى المسح: إنَّ الكعب: عظم مستدير مثل كعب الغنم والبقر موضوع تحت عظم الساق؛ حيث يكون مفصل الساق والقدم عند معقد الشراك، وهو مردود؛ لأنَّه لو كان كما قالوه؛ لكان في كلِّ رجل كعب واحد، فكان ينبغي أن يقول: إلى الكعاب؛ لأنَّ الأصل: أنَّ ما يوجد من خلق الإنسان مفردًا، فتثنيته بلفظ الجمع؛ كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، ومتى كان مثنًّى؛ فتثنيته بلفظ التثنية، فلمَّا لم يقل: إلى الكعاب؛ عُلِم أن المراد ما ذكره جمهور أهل اللغة، كما علمت. ويدلُّلما قلناه حديث عثمان بن عفان: (أنَّه ﵇ غسل رجله اليمنى إلى الكعبين، ثمَّ اليسرى كذلك)، أخرجه مسلم، فدلَّ على أنَّ في كلِّ رجل كعبين، وحديث النعمان بن بشير في تسوية الصفوف: (فقد رأيت الرجل يلصق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه)، رواه أبو داود والمؤلف، وحديث طارق قال: (رأيت رسول الله ﵇ في سوق ذي المجاز وعليه جبَّة حمراء وهو يقول: «يا أيها الناس؛ قولوا؛ لا إله إلا الله؛ تفلحوا» ورجل يتبعه ويرميه بالحجارة وقد أدمي عرقوبيه وكعبيه، وهو يقول: يا أيها الناس؛ لا تطيعوه؛ فإنه كذاب، فقلت: من هذا؟ فقالوا: ابن عبد المطلب، قلت: فمن هذا الذي يتبعه ويرميه بالحجارة، قالوا: هذا عبد العزى أبو لهب)، وهذا يدل: على أنَّ الكعب: هو العظم الناتئ في جانب القدم؛ لأنَّ الرمية إذا كانت من وراء الماشي؛ لا تصيب ظهر القدم. فإن قلت: روى هشام بن عبد الله الرازي عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني أنَّه قال: إن الكعب في ظهر القدم عند معقد الشراك. قلت: اتفق جميع الشرَّاح وأصحاب المناسك على أنَّ ذلك سهو من هشام في نقله عن الإمام محمد؛ لأنَّه قال ذلك في مسألة المحرم إذا لم يجد النعلين _________ (^١) في الأصل: (عبسة)، ولعل المثبت هو الصواب.
1 / 46