فبعث الباشا إلى بيروت يكتري عربة خصوصية من شركة طريق الشام، فلما حضرت العربة ركب بها الباشا وامرأته وابنته، وركب بخيت بجانب السائق تاركين سائر الخدم والأمتعة في عاليه.
أما عزيز فتواطأ مع الباشا على أن يتبعهم إلى دمشق، فسارت بهم العربة على تلك الربى في طريق كثيرة التعرج، تارة يصعدون، وطورا ينحدرون، حتى وصلوا البقاع العزيزية المشهورة بخصبها واتساعها في منتصف الطريق بين بيروت ودمشق.
فانذهل الباشا وفدوى بنوع خاص لذلك المنظر البهج، فإن المشرف على تلك البقاع الخصبة يخيل له أنها بساط متسع منقسم أقساما مربعة، عديدة الألوان بين أحمر قان وأسمر وأخضر وأزرق وسنجابي وعنابي وأبيض كاختلاف الزرع في النضج، والتربة في الحراثة.
فوقفت بهم العربة بالقرب من فندق في ذلك السهل نحو ساعة حتى استراحوا، ثم عادوا يريدون دمشق فلم يدركوها إلا بعد الغروب، فنزلوا في فندق مشرف على نهر بردى، ونزل الباشا في الصباح التالي يفتش عن حمويه، فإذا هما لا يزالان في بيتهما القديم. فلما شاهدا الباشا لم يعرفاه لطول غيابه عنهما، وهو أيضا لم يعرفهما؛ لما كان من تأثير الشيخوخة عليهما، مع ما رافق حياتهما من الأحزان والأكدار. ولما عرفاه وعرفهما هما إليه وقبلاه وقبل أيديهما، وسألاه عن ابنتهما، فقال: هي هنا معي بخير، وابنتي كذلك، وإنما جئت وحدي لكي أتحقق وجودكما في البيت، فتقدما إليه أن يبعث إليهما فيأتيا، فذهب هو بنفسه وجاء بهم جميعا، ونزلوا في بيت عمه. ولا تسل عن قلب ذينك الوالدين وما أظهراه من الاشتياق لابنتهما التي لم يرياها منذ 25 سنة تقريبا، وقد أحبا فدوى بنوع خاص لما كان في وجهها من اللطف والجمال مع ما هي فيه من الضعف.
فمكث الباشا وسائر عائلته في دمشق بقية ذلك الشتاء إلى ربيع سنة 1885، وكان عزيز قد جاء دمشق يترقب نيل مرامه، وكان قد خامره ريب في مواعيد الباشا لطول مدة الانتظار، ولكنه لم يجترئ على مخاطبته إلا برقة وحسن أسلوب لئلا يغضبه؛ إذ كان قد عرف أن يده على جميع ممتلكاته. ولا تسل عن ندمه على كتابة تلك الورقة، ولم يكن يظهر ذلك أمام أحد.
ولما جاء الربيع أراد الباشا الرجوع إلى مصر، وألح على حمويه أن يذهبا معه؛ إذ ليس لهما إرب في دمشق - وكان قد أطلعهما على تلك الورقة - فقال: إننا من الممكن أن نجتمع بولدكما في مصر. أما إلى هنا، فلا أظنه يأتي؛ فالأفضل أن تسيرا معنا نقضي بقية هذه الحياة معا في مصر، فاستحسنا الرأي، بل كان ذلك غاية مناهما تخلصا من تذكر ولدهما في المدينة التي فقد فيها، فباعا كل ما كان لهما من الأمتعة والأثاث والأملاك، وهاجرا دمشق وقد تجددت أحزانهما بعد تلاوة تلك الورقة، وبكيا من أجلها بكاء شديدا.
الفصل التاسع والثمانون
وادي القرن
ففي أوائل شهر نيسان (أفريل) سنة 1885، اكتروا عربتين ركب في إحداهما فدوى وجداها - وكانا قد أحباها محبة عظيمة جدا، ولم يعودوا يفارقانها ساعة - وفي الأخرى الباشا وامرأته وبخيت، وجميعهم ملثمون بالكوفيات الحريرية الدمشقية، وقد التف الرجال منهم بالعبي؛ وقاية لهم من غبار الطريق، واتباعا لعادة المسافرين في تلك الجهات، فبرحوا دمشق صباحا على نية أن يصلوا البقاع في الأصيل، ومن هناك يعرجون إلى بعلبك، فيصلونها في الغروب، فيبيتون فيها ويقضون بها اليوم التالي لمشاهدة قلعتها الشهيرة، ثم يواصلون السير في الغد إلى بيروت. وكان الباشا قد أخبر عزيزا بذلك حتى يقتفي أثرهم.
فسارت العربتان في الطريق المعدة للمسافرين بين دمشق وبيروت، وما زالوا سائرين وعربة الباشا إلى الأمام، والعربة الثانية إلى الوراء مدة ثلاث ساعات. وكانتا سائرتين بسرعة بأمر الباشا لئلا يداهمهم الليل في الطريق، وفيها من الأماكن الخطرة التي تقطعها اللصوص، ويتعرضون بها لأبناء السبيل للنهب والقتل. وفيما هم سائرون حرنت خيل عربة فدوى وجعلت تتقهقر إلى الوراء، والطريق هناك على حافة تحتها هوة عظيمة، فخاف السائق أن تهوي بهم العربة إلى ذلك الوادي، فأنذرهم بالخطر، فتحولوا من العربة حالا. أما الخيل فلم تكن تزداد إلا حرونا حتى صدمت العربة صخرا، فتعطل بعض أدواتها، فبعث السائق إلى أقرب مركز للشركة، فأتى ببعض الرجال بنجدته، فحلوا الخيل وأخذوا في تصليح العربة. وكان الباشا قد عاد بعربته بعد أن عرف ما حل بالعربة الأخرى، ولبثوا ينتظرون تصليحها، فلم يتم إلا بعد الظهر بساعتين، فركبوا وساروا يجدون السير خوفا من خطر الطريق إذا داهمهم الليل فيها، فبدلوا الخيل في محطة ميرسلون، وساروا قليلا، فأشرفوا على انحدار ينتهي بواد عميق بين جبلين، والشمس قد قاربت الزوال، وشاهدوا إلى جانب الطريق قبل مدخل الوادي بناء قديما مهجورا، فعجبوا له، وقد هابهم سكون ذلك المكان وقفره، ثم لحظوا في ذلك البناء أشخاصا في لباس أهل تلك الناحية قد وقفوا أمام البناء ينظرون إلى العربتين وهما سائرتان حتى مرتا بهم، ثم رآهم بخيت بعد أن بعدت العربتان يسيرون في أثرهما رويدا رويدا، فأوجس خوفا منهم، ولم يخبر أحدا لئلا يخافوا، ولكنه أوعز إلى السائقين أن يجدا في السوق ليبعدوا عن أولئك. وما زالت العربتان سائرتين حتى دخلتا ذلك الوادي، فإذا هم بين جبلين شامخين شموخا عظيما، حتى لا يرى المار من السماء إلا جزءا صغيرا جدا، فقال أحد السائقين يخاطب بخيتا: هذا هو المكان المعروف بوادي القرن؛ المشهور بقاطعي الطرق، وكان الخطر شديدا جدا في الزمن الماضي، وأما الآن فقد نظمت شركة العربات خفرا من الفرسان يتجولون ذهابا وإيابا؛ حماية لها، وتهديدا للذين يقطنون هذا الجوار من التعدي، والحكومة أيضا قد نظمت نفرا من الجند لهذه الغاية. وقد شاهدنا بعض هؤلاء في طريقنا منذ ساعة، فقال الباشا: نعم، قد رأيناهم - وقد أثر ذلك الكلام في قلبه خوفا شديدا، لا سيما عندما تذكر أن معظم رفاقه نساء وشيوخ لا يقوون على الدفاع، فبهت الجميع لرهبة ذلك المكان المخيف مع ما سمعوه من حديث ذلك الوادي مما يتحدث به الخاص والعام في سائر بلاد الشام.
ناپیژندل شوی مخ