Articles from Dorar.net

مقالات موقع الدرر السنية

خپرندوی

موقع الدرر السنية dorar.net

ـ[مقالات موقع الدرر السنية]ـ
المؤلف: مجموعة من المؤلفين
الناشر: موقع الدرر السنية dorar.net
عدد الأجزاء: ٣
[الكتاب مرقم آليا]

ناپیژندل شوی مخ

من روائع المقالات القديمة

1 / 1

السياسة الرشيدة في الإسلام
محمد الخضر حسين (ت:١٣٧٧هـ)
١ ربيع الثاني ١٤٣٣هـ
أتى على العالم حين من الدهر، وهو يتخبَّط في جهل وشقاء، ويتنفس من نار البغي الطاغية على أنحائه الصعداء، حتى نهض صاحب الرسالة الأعظم- صلوات الله عليه- بعزم لا يحوم عليه كلال، وهمة لا تقع إلا على أشرف غرض؛ فأخذ يضع مكان الباطل حقًّا، ويبذر في منابت الآراء السخيفة حكمة بالغة، وما لبثت الأمم أن تقلدت آدابًا أصفى من كواكب الجوزاء، وتمتعت بسياسة يتجلَّى بها العدل في أحسن رُواء، وأرفع سناء.
وضع الإسلام للسياسة نظامًا يقطع دابر الاستبداد، ولا يُبقي للحيف في فصل القضايا، أو الخلل في إدارة الشؤون منفذًا.
أوصى الرعاة بأن لا ينفردوا عن الرعية بالرأي في آية: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وآية: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
ثم التفت إلى الأمة، وعهد إليها بالرقابة عليهم، وإسدائهم النصيحة فيما تراه غير واقع على وجه الاستقامة، فقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
ولم يكن الأمراء الراشدون - احترامًا لهذا القانون الإلهي - يكرهون من الناس، أو يحجرون عليهم البحث في الشؤون العامة، ومجادلتهم فيها بلهجة ناصح أمين، وهذه صحف التاريخ حافلة بقصص الذين كانوا يقفون للخليفة عمر بن الخطاب، وهو يخطب على منبر المسجد الجامع، فينكرون عليه عزل عامل اعتقدوا أمانته، أو يجادلونه في رأيٍ عَزَم على أن يجعله قانونًا نافذًا، فلا يكون منه سوى أن يقول لمن نطق على بينة: (أصبت)، ويرد على من أخطأ في المناقشة ردًّا جميلًا.
وإن شئت مثلًا من سيرة الأمراء الذين تقلبوا في فنون من أبهة الملك، ولبسوا من عظمته برودًا ضافية؛ فقد حضر القاضي منذر بن سعيد مجلس الخليفة الناصر بمدينة الزهراء، فتلا الرئيس عثمان بن إدريس أبياتًا تمضمض فيها بشيء من إطراء الخليفة، حتى اهتزَّ لها طربًا، وكان منذر بن سعيد ينكر على الناصر إفراطه في تشييد المباني وزخرفتها، فأطرق لحظة، ثم قال:
يا باني الزهراء مستغرقًا
أوقاته فيها أما تمهل
لله ما أحسنها رونقًا
لو لم تكن زهرتها تذبل
فما زاد الناصر على أن قال: (إذا هبَّ عليها نسيم التذكار، وسُقيت بماء الخشوع، لا تذبل إن شاء الله)، فقال منذر: (اللهم اشهد؛ فإني قد بثثت ما عندي).
في مقدرة ذلك الخليفة أن يفصل منذر بن سعيد عن وظائفه، أو يبعث به إلى المنفى غير آسف عليه، ويجعل عذره في ذلك العقاب خُطَبه التي كان يلقيها على منبر الجامع، ويتصدَّى فيها لنقد بعض أعمال الدولة، ولكنه أمير نفذت بصيرته إلى روح الشريعة الغرَّاء، ودرس تاريخ الخلفاء قبله عن عبرة، فعرف أن لا غنى للدولة عن رجال يجمعون إلى العلم شجاعة، وإلى الشجاعة حكمة، حتى يمتطوا منصب الدعوة إلى الإصلاح بحق، ويكوِّنوا الصلة التي يظهر بها أولو الأمر وبقية الشعب في مظهر أمة تولِّي وجهها شطر غاية واحدة، ثم لا يغيب عن مثل ذلك الخليفة العادل أن الدولة لا تحرز مجدًا خالدًا، وسمعة فاخرة، إلا أن تعيش في ظلالها أقوام حرة، وفي مقدمتهم علماء يجدون المجال للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فسيحًا.
يصفون بعض الأمم بمحررة الشعوب، ويلقبون عاصمة بلادها بمطلع الحرية، إلا أن ناشر لواء الحرية بحقٍّ، ومعلم البشر كيف يتمتعون بالحقوق على سواء، من وضع لطاعة الرؤساء حدًّا فاصلًا، فقال: «إنما الطاعة في المعروف»، وجعل الناس في موقف القضاء أكفاء، فقال صلوات الله عليه: «أيها الناس! إنما ضلَّ من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها».
كم ظهر في البلاد العرب من سيد بلغ في الرياسة أن أحزر لقب مَلِك؛ كآل جفنة، وآل غسان، وربما وُجِد من بينهم من لا يقلُّ في قوته النفسية الفطرية عن الفاروق ﵁، فما بالهم لم يأخذوا في السياسة بنزعته، ويرموا إلى أغراضها عن قوس حكمته؟!.
لا عجب أن يمتطي ابن خطاب تلك السياسة الفائقة، ويجول بها بين الأمم جولته، التي رفعت الستار عن أبصارهم، حتى شهدوا الفرق بين سيطرة الدولة المستبدة، وسيرة الخليفة الذي ينام في زواية من المسجد متوسِّدًا إحدى ذراعيه.
إن هو إلا الإسلام، أقام له أساسها، وأنار سراجها، فبنى أعماله على أساس راسخ، واستمدَّ آراءه من سراج باهر، فكانت صحف آثاره أبدع عند عشاق السياسة القيمة من مناظر الروضة الغناء.
تدرَّب الخلفاء العادلون على مذاهب السياسة وفنون الحرب بما كانوا يتلقونه من حضرة الرسول- ﵊ من الحكم السامية؛ كحديث: «الحرب خدعة»، أو ما يشاهدونه من التدابير المحكمة؛ كوسيلة التكتم في الأمر الجارية عند الدول لهذا العهد، وهي أن يبعث الرئيس الأعلى إلى الرئيس الأدنى، أو يناله رسالة مختومة، ويأمره أن لا يفك ختامها إلا في محل أو وقت يُسمِّيه له، وقد جاء في (صحيح البخاري) وغيره: أن حضرة صاحب الرسالة- ﵊ ناول عبد الله بن جحش- وهو أمير نجد- كتابًا، وقال له: «لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا»، فلما بلغ عبد الله المكان، قرأ الكتاب، وأخبر الجند بما في ضِمنه من الأمر.
إن اختلاف الأمم في عادتها وحاجاتها، يستدعي أن تكون سياستها وأنظمتها مختلفة، كما يقتضي أن يكون المدبرون لأحكام الأمة وتراتيبها المدنية ممن وقفوا على روحها، وأحاطوا خبرة بمزاجها، حتى لا يضعوا عليها من الأوامر والنواهي ما يجعل سيرها بطيئًا، أو يردها على عقبها خاسرة، وكذلك الإسلام يقيم السياسة على رعاية العادات، ويسير بها على ما يطابق المصالح، ولهذا فصل بعض أحكام لا يختلف أمرها باختلاف المواطن؛ كآية: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. وحديث: «البينة على المدعي، واليمين على المدعي عليه»، ودلَّ على كثير منها بأصول عامة يستنبطها الراسخ في العلم بمقاصد الشريعة، البصير بما يترتب على الوقائع من آثار المقاصد والمصالح.
وإن شريعة تقوم على قواعد: (الضرر يُزال. المشقة تجلب التيسير. العادة محكَّمة)، ويقول أحد العظماء من فقهائها: (تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من المعاملات والسياسات) لا يحق لأحد أن يرميها بمجافاة الإصلاح والبعد عما تقتضيه طبائع العمران، إلا أن يفوته العلم بحقائقها، أو يحمله الزيغ الجامد على مناوءتها.

اختيار: موقع الدرر السنية www.dorar.net
المصدر: كتاب (موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين)، دار النوادر بسوريا، ط١، ١٤٣١هـ، (١٠/ ٤٥٩١).

1 / 2

تهيئة الشرق لوراثة الحضارات والمدنيات
محمود محمد شاكر
نُشر عام ١٩٣٨م
نحن شعوب متخاذلة، قد غفلت عن حقيقة الحياة، فواجبنا أن نعمل على إيقاظ هذه الشعوب من سِنَةِ النوم التي طالت بها، وقتلت فيها مادة النشاط، التي تدفعها إلى تحقيق الأغراض النبيلة، التي خُلِق من أجلها الإنسان على الأرض.
أجل .. وهذه الشعوب نفسها، هذا الشرق قد أثبت في التاريخ مرات أنه قادر على صناعة الحضارات والمدنية، يُتقنها، ويستجيدها، ويُطهِّرها من أدران البلاء، التي تعصف بإنسانية الإنسان، كما تعصف الريح بأوراق الشجر؛ فَلِمَ لا يثبت الشرق مرة أخرى في التاريخ الحديث أنه لم ينس هذه الصناعة؟ وأن أنامله الرفيقة لا تزال قادرة على نسج الثياب الرفيعة التي تلبسها الإنسانية؛ لتزهَى بها، وتبدو في زينتها؟
هذه المدنية الأوربية المحدثة من أمامنا قد عملت عملها، وأتمَّت ما وجدت له على طريقتها ومذهبها، وجعلتنا ننظر إليها ذاهلين، كأنما نرى معجزة تحقِّقها أيدي مَرَدَة من الجن، ليسوا من الإنس في أصل ولا نسب.
إن هذا الوهم الكبير هو الذي أعجز الشرق عن العمل، ورماه في براثن الأمم المستأسدة الضارية، وجعله كالفريسة تنتفض تحت أقدامه عجزًا وهلعًا واستكانة ولكن الحين قد حان، وآن للشرق أن ينظر إلى الحقائق الواقعة؛ ليعرف كيف يعمل.
إن أوروبا، التي هي مصدر المدنية الحديثة تقف على هذه الأرض موقفًا ظاهرًا لمن يتأمل.
هذه دول الحضارة الحديثة من أمامنا قد هبت كلها في جنبات الأرض تملؤها حديدًا، ونارًا، وضجيجًا في الأرض، وصخبًا طائرًا في السماء. والرجال على الأرض كأنهم قنابل معدَّة مهيَّأة لتنفجر، وفي كل ناحية أمة مُقْعِيَة متربصة، تكاد تثب، والحياة تتدافع بهذا وذاك وهؤلاء، فلا تلبث أن تصطدم هذه الأمم بعضها ببعض، ويومئذ لن تثبت الأرض، ولن تسكن السماء، وتتطاير أشلاء الحضارة الحديثة إلى أعلى؛ لتسقط على أهل هذه الحضارة، وتطويهم في أكفانها، وتدفنهم في قبورها.
إن المدنية الأوربية المحدثة في هذا العصر، تحمل في داخلها كل عناصر التهدم، وكل أسباب الفناء والبلى، وأهم هذه العناصر والأسباب، هذه الحالة الحربية التي شملت كل دولة أوربية، ودفعتها إلى زيادة التسلُّح بكل أدوات الدمار والهلاك، والسرعة الجامحة التي تعمل بها هذه الأمم في كلِّ ما يمسُّ الاستعداد الحربي.
ولا شك في أن هذه الإرادة وحدها- مع الإسراع في تنفيذها- سوف تؤدي حتمًا إلى اختلال التوازن في القوى المتساندة، وسينتهي هذا الاختلال باصطدام قوى الشرِّ جملة واحدة، وسيعقب هذا الاصطدام انفجار هائل يشوِّه وجه الإنسانية الباغية أبد الدهر، ويتركها مثلًا في العالمين.
ولو أن هذا الاستعداد الحربي العظيم كان نتيجة للدفاع عن مبادئ استقرت على أصولها في نفوس القائمين بأمرها- لقلنا عسى أن تنتفع الإنسانيةُ بانهزام الباطل، وانتصار الحق، وإن ضحَّت في سبيل ذلك بالملايين من البشر، الذين تأكلهم هذه الحروب الضروس، ولكان ثمَّة أمل في عودة الحضارة إلى منزلة من الإصلاح، تعمل فيها لسعادة الإنسان بعد الشقاء الكبير الذي تعس به.
ولكن الواقع غير ذلك؛ فإن الحرب الحديثة المقبلة إنما هي بغيٌ؛ لقد بغى بعضهم على بعض في العلم؛ فضربوا للإنسان أسوأ الأمثلة على أن ضَرَرَ العلم أكبر من نفعه [أي العلم المادي]، وأن الشقاء قرينٌ لعلم هذه المدنية الطاغية، وأن الفرد فيها حيوان يُستغل، فيا لشناعة هذا الاستغلال الذي هزم العقل والإرادة، وردَّهما إلى أدنأ درجة في تاريخ الإنسان على الأرض!.
هذه أوربَّا التي نفضتْ على كلمة (الحرية) من تهاويل الخيال، وتخاليف الفن، وتحاسين الإبداع، وزخارف الأرض، حتى بدتْ فتنةً يتهاوى في فتونها كلُّ غاوٍ وحليم- تثبتُ للناس أن (الحرية) كلمة ضامرة ضعيفة، لا معنى لها، ولا حياة فيها.
ولعل التاريخ كله لم يشهدْ عصرًا ضاعت فيه كل معاني هذه الكلمة- مع كثرة دورانها على الألسنة- مثل الذي شهده في هذا العصر؛ ففي كلِّ ناحية في أوربا يضرب الحصار على حرية الأفراد، وحرية الجماعات، وعلى حرية السرِّ، وحرية العلن، وعلى حرية الرأي، وحرية الضمير.
في فرنسا- باعثة هذه الفتنة في أوربا- في إنجلترا، في ألمانيا، في إيطاليا، في روسيا، في كلِّ بلد، يشهد التاريخ أفظع استبداد تستبدُّ به السياسة الدولية، وتتعسف به المعاهدات والمحالفات القائمة على مصالح البغي السياسي والحربي، في إزهاق الروح الحقيقية التي تحملها كلمة الحرية.
إن كلَّ عمل، بل كلَّ رأي، بل كلَّ فكر، بل كلَّ شيء في أوربا الآن تقتسره السياسة الحربية على صورة تنفعها، فإن لم تكن تنفعها فلا تضرها، حتى صارت العقول الإنسانية آلة في يدها تصرفها كيف تشاء، وفسدت معاني الأشياء، وطغى غرور القوة والاعتداد بها في العلم والفن والأدب، وفي كل شيء، واختلط الحق بالباطل اختلاطًا فاسدًا لا أمل في تطهيره إلا بجهد كبير تبذله نفوس هادئة ساكنة حكيمة، تتجرد للعمل، وتعمل للحق، وتختار صالحَ كلِّ شيء، وتنفي فساده، وتحريفه، وغلوَّه، وغروره؛ ليكون الانتفاع به أقرب لإنقاذ الإنسانية من مصير مخيف، يرتدُّ بها إلى وحشية الغرائز الدنيا، التي تتحكَّم في مراشد العقل والقلب بغير حكمة ولا رويَّة.
هذه الصور الدانية الآن للحالة الظاهرة في أوروبا غير ناظرين إلى الاختلاط الفكري القبيح بين المذاهب المتباينة، ولا إلى الفساد الكبير في المبادئ العقلية، التي تبني عليها سعادة القلب الإنساني، ولا إلى تشاجر الأهواء الاجتماعية في حرب الفضيلة والرذيلة، والخير والشر، والعدل والبغي، ولا إلى انحلال القوى الاقتصادية، وتزعزع الأسس المالية، ولا إلى ما يمدُّ كلَّ هذه بأكبر أسباب الفساد، ألا وهو غرور هذه المدنية بعلمها، ورأيها، وفهمها، وادعائها إدراك سرِّ الحقيقة في كلِّ ما تتناوله بالبحث والتحليل.
أما الشرق فهو الآن يموج، ويهتزُّ، ويمتدُّ بآماله، ويطالب بحرياته؛ فبذلك تُهَيِّئُه ضرورةُ الحياة الحاضرة لانتزاع الخير المحض مما يقع إليه من مدنية وحضارة، وتُهيِّئه طبيعتُه الموروثةُ للاستفادة من نتاج الحضارات والمدنيات قديمها وحديثها، وتُهيِّئه ما انحدر معه في أعصابه من الحكمة القديمة، والرزانة التقليدية؛ لتعبئة قواه التاريخية كلها؛ فيأخذ الحضارة الحديثة، فيصهرها، ويذيبها، ويعيد تكوينها موسومة بسمته: الحرية، العدل، الشرف، الفضيلة، سكينة النفس، التقوى؛ تقوى الله في عمل الدنيا، وعمل الآخرة، تلك سمات الشرق التي يَسِمُ بها مدنيته الجديدة التي يَتهيَّأ اليوم لوراثتها عن سالف الحضارات والمدنيات.

اختيار موقع الدرر السنية: www.dorar.net
المصدر: كتاب (جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط١، ٢٠٠٣م، (٢/ ٨٠٩)

1 / 3

حالة المسلمين
محمد البشير الإبراهيمي (ت ١٣٨٤هـ - ١٩٦٥م)
نشر عام (١٣٧٢هـ)
تردَّد على أقلام الكتَّاب العرب وعلى ألسنة خطبائهم منذ عهد قريب، كلمات: (الوعي)، (اليقظة)، (النهضة)، منسوبة إلى الإسلام أو مضافة إلى المسلمين، والكلمة الأولى منهن حديثة الاستعمال في المعنى الاصطلاحي المراد منها، وإن كانت عريقة النسبة في معناها الوضعي، و(الوعي) في معناه الاجتماعي الذي يعنيه هؤلاء الكتَّاب والخطباء؛ إدراكٌ بعد جهلٍ، و(اليقظة) في قصدهم تنبُّهٌ بعد غفلة، و(النهضة) معناها حركةٌ بعد ركود.
فهل هذه الأقلام والألسنة متهافتة في هذه الكلمات تصف حقيقة، أم تصور خيالًا؟ فإن الصفات لا تتحقق إلا بظهور آثارها في الخارج، وبشهادة الوقع الذي لا يمارى فيه لها.
والوعي الحقيقي: يصحبه رعي ويعقبه سعي، واليقظة الحقيقية: يصحبها علم لا هوينا فيه، ويتبعها عمل لا تردد فيه، والنهضة الحقيقية: يصحبها حزم لا هوينا فيه، ويتبعها عزم، ويسوقها إقدام لا إحجام فيه، إلى غاية لا اشتباه فيها، وهل هذه الآثار وهذه الدوال موجودة حقيقة في المجتمعات الإسلامية؟
لا نثبت فنكون متفائلين في موضوع لا ينفع فيه التفاؤل، ولا ننكر فنكون مثبطين في مقام ينفر فيه التثبيط، إنما نقول مقررين للواقع إن شاء الله: إن المعاني الحقيقية للألفاظ الثلاثة لا تظهر إلا إذا سبقتها إرهاصات أو أمارات، كما يسبق الفجر طلوع الشمس، وأدلُّها تقارب القلوب وتعارف الشخوص، أو تجاوب الشعور، وتجانس الأفكار، وتعاطف الأرواح، وتهيؤ الطباع إلى الاستحالة من صبغة إلى صبغة، وإلى الانسلاخ من جلدة إلى جلدة، وصدق التوجيهات من النتائج إلى المقدمات، ومن الوسائل إلى الغايات، وسهولة التغلُّب على المضائق، وسرعة الاستجابة إلى داعي الحق إذا دُعيَ إليه، وخفَّة الإقدام إلى الأمام، وتلمُّس القيادة الرشيدة، والشعور بالحاجة إلى توحيدها، وغير ذلك من العوارض التي تظهر لمثل هذه الأطوار من حياة الأمم، وهل هذه الإرهاصات موجودة؟ نعم يوجد بعضها القليل، ولكن آفته الكبرى أنه متَّجه إلى غير القبلة المشروعة، وإن الرياح تسوق سُحُبه إلى غير أرضنا!!
لنخرج من النفاق الغرَّار الخادع إلى الصدق والصراحة فنقول: الموجود من تلك الأشياء الثلاثة هو السماء مفسرة في الغالب بغير معانيها، مصوَّرة بغير صورها الحقيقية، وإذا فسد التصور فسد التصوير؛ لأننا ما زلنا نبني تصوراتنا على أُسس من الأماني، ونزجها بالفال ومعاني الفال، فلا تنتهي بنا إلى الأعمال، وإنما تنتهي إلى الخيال ثم إلى الخبال، وما زلنا على بقية من الافتتان بالتفسيرات القاموسية التي تقول لنا مثلًا: إن اليقظة هي الصحو من النوم، ولو أن نائمًا صحا من نومه صحوًا كاملًا، ولم يبق في أجفانه فتورٌ ولا ترفيفٌ، ولكنه بقي في مضجعه لم يعمل عملًا، ولم يأت شيئًا من مستلزمات الصحو ونواقض النوم، لكان هذا كافيًا في تحقيق المعنى القاموسي، ولكنه لا يفيد المعنى الاجتماعي، بل يُعد كما لو كان يغطُّ في نومه، وكذلك تقول في معنى اليقظة ومعنى النهضة، تصحيح معاني هذه الكلمات يستلزم إصلاحًا شاملًا للمفاسد النفسية، ويتغلغل إلى مكامن الأمراض فيها، فيطهرها ليبني العلاج على أصلٍ صحيحٍ وإلى عروق الشر منها، فيمتلخها ليأمن النكسة، ومردُّ ذلك كله إلى الأخلاق، فهي أول ما فسد بيننا، فتكون أول ما أفسد علينا كل شيء، فلتكن هي أول ما نصلح إن كنا جادين في تثبيت الوعي واليقظة والنهضة ... لأن الأخلاق إذا استقامت تفتَّحت البصائر للوعي وتهيَّأت الشواعر لليقظة، وانبعثت القوى للنهضة. فكان الوعي بصيرًا، وكانت اليقظة عامَّة، وكانت النهضة شاملة وكانت الحياة لذلك كله كاملة.
نعترف أن نومنا كان ثقيلًا، وبأن عمر أمراضنا كان طويلًا، نعرف أن النوم الثقيل لا يصحو صاحبه لا بصوتٍ يصخ أو بضرب يصك، وأن المرض الطويل لا يشفى المبتلى به إلا بتدبير حكيم، قد يفضي إلى البتر أو القطع، وقد أصابنا من القوارع ما لو أصاب أهل الكهف لأبطل المعجزة في قصتهم، ومما كانوا به مثلًا في الآخرين. ولكننا لم نصحُ من نومٍ إلا لنستغرق في نومٍ، ولم ننفلت من قبضة منوِّم؛ إلا لنقع في قبضة منوِّم، صحونا من نوم الاتكال، فنُقِلنا إلى نومِ التواكل، وخرجنا من نوم الجهل ومن نوم الركود إلى طفرةٍ تدق الأعناق، وانفلتنا من تنويم تجار الدين، فوقعنا في تنويم تجار السياسة، أولئك يمنُّوننا بسعادة الآخرة من دون أن يسلكوا بنا سبيلها الواضحة، وهؤلاء أصبحوا يُغنُّون لنا .. بسعادة الدنيا دون أن يدلُّونا على نهجها الصحيح، وكانت العاقبة لذلك كله ما نرى وما نحس وما نشكو.
وما أضلنا إلا المجرمون الذين يدعونا بعضهم إلى الجمع بوسيلة التفريق، ويدعونا بعضهم إلى النجاة بطريقة التغريق، والأولون هم رجال الدين الضالون الذين فرَّقوه إلى مذاهب وطوائف، والآخرون رجال السياسة الغاشُّون الذين بدَّلوا المشرب الواحد، فجعلوه مشارب .. فهل هبَّةٌ من روح الإسلام على أرواح المسلمين، تذهب بهؤلاء وهؤلاء إلى حيث ألقت؟ وتجمع قلوبهم على عقيدة الحق الواحدة، وألسنتهم على كلمة الحق الجامعة، وأيديهم على بناء حصن الحق، على الأسس التي وضعها محمد ﷺ، ولا مطمع لنا في الوصول إلى هذه الغاية إلا إذا أصبح المسلم يلتفت إلى جهاته الأربع، فلا يرى إلا أخًا يشارك في الآلام والآمال .. فهو حقيق أن يشاركه في العمل.
إن الوسائل إلى هذه الغاية كثيرة، وأقربها نفعًا، وأجداها أثرًا أن تُربَّى الأحداث من الصبا على غير ما ربَّانا آباؤنا، وأن نحجب عليهم نقائصنا، فإن اطَّلعوا عليها سميناها باسمها، وأنها نقائص وأنها سبب هلاكنا، وحذَّرناهم من التقليد لنا فيها، فإذا شبُّوا على هذه الهداية سلكنا بهم سبيل الحق الواحدة، ووجَّهناهم بتلك القابلية إلى وجهةٍ واحدة، وحميناهم من هذه التيارات الفكرية التي تتجاذبهم، ومن الذئاب الغربية التي تتخطفهم.
إن شبابنا اليوم يتخبط في ظلماتٍ من الأفكار المتضاربة، والسبل المضلة، تتنازعه الدعايات المختلفة التي يقرأها في الجريدة والكتاب، ويسمعها في الشارع وفي المدرسة، ويرى مظاهرها في البيت وفي المسجد. وكل داعٍ إلى ضلالةٍ فكريةٍ أو إلى نحلةٍ دينيةٍ مفرِّقةٍ، يرفع صوته، ويجهر ويُزيِّن ويغري ويعد ويُمنِّي ونحن ساكتون؛ كأن أمر هؤلاء الشبَّان لا يعنينا، وكأنهم ليسوا منا ولسنا منهم! ولا عاصم من تربيةٍ صالحةٍ موحَّدةٍ، يعصمهم من التأثر بهذه الدعايات، ولا حامي من مذكِّر أو معلِّم أو مدرسة أو قانون يحميهم من الوقوع في هذه الإشراك.
إن شبابنا هم هدف هذه الدعايات، وهم ميدان الصراع، وموضوع النزاع بين دعاة الفكرة الجامعة، وصوتهم ضعيف، وعملهم ضئيل، وبين دعاة الشيوعية والإلحاد والوطنية الضيِّقة والعنصريات المحدودة وأصواتهم عالية وأسنادهم قوية، ومحركهم الأول واحد، وإن لم يشعروا به أو غالطوا أنفسهم وغالطونا فيه، وما هم إلا أسلحة في يده موجهة إلى شبابنا، إن لم يُصِب بواحد منها أصاب بالآخر، وهو الظافر على كل حال، إن لم تعالجه بما يبطل كيده ويفلُّ أسلحته كلها، وهو حماية هذا الشباب وتحصينه بالمعوذات من فضائل الإسلام وأخلاقه وروحانيته، وإن فيه العوض المضاعف عن كل ما تمنِّيه به الدعايات الخارجية.
إذا كان الشباب لا يفهم الدين من البيت ولا من المسجد ولا من المدرسة ولا من المجتمعات، فإن فهم شيئًا منه في شيء منها؛ فهِمه خلافًا وشعوذة وتخريفًا، ففي أي موضع يفهم الإسلام على حقيقته طهارة وسموًّا واتحادًا وقوة وعزة وسيادة؟ إن عاملناه بالإنصاف نقول: إنه معذور إن زلَّ وضلَّ بالانسياق مع هذه التيارات الخاطئة، التي تختلف بالأسماء والمبادئ، وتتفق في الغاية، وهي حرب الإسلام في أبنائه لتحاربه بعد ذلك بأبنائه
وإذا كان الشاب يجلس إلى أبويه وذويه فلا يسمع إلا المذهب والخلاف، ولمز المخالفين بالمذهب قبل المخالفين بالدين، ثم يجلس إلى العالم الديني فلا يسمع إلا (عندنا وعندهم)، ثم يجلس في المدرسة فلا يسمع ذكرًا للإسلام، ولا تمجيدًا لمبادئه وعظمائه وتاريخه، ولا يرى فيها شيئًا من مظاهره، بل لا يسمع إلا تحقيرًا لماضيه وغضًّا من أمجاده، إذا كان لا يسمع في مضطربه إلا هذا، ولا يرى إلا هذا، فكيف نطمع أن ينتصر مع هذه الدعايات الجارفة؟ إننا حين نطمع في هذا لفي غيٍّ بعيد
إن شبابنا لجهلهم بالإسلام أصبحوا لا يثقون بماضيه، وكيف يثقون بماضٍ مجهولٍ وهذا حاضره؟!!
أم كيف يدافعون عن هذا الماضي المجهول إذا عرض لهم الطعن فيه في الكتاب الطاعن؟ أم سمعوا اللعن له من الأستاذ اللاعن؟ أم كيف يفخرون بالمجهول إذا جُلِّيت المفاخرُ الأجنبية في كتابٍ يقرِّره قانون ويزكيه أستاذ؟!
اعذروا الشبَّان ولا تبكوا على ضياعهم، فأنتم الذين أضعتموهم، ولا تلوموهم ولوموا أنفسكم!.
أهملتموهم فذوقوا وبال الإهمال، وأنزلتموهم إلى اللجة، وقلتم لهم: إياكم أن تغرقوا .. ثم استرعيتم عليهم الذئاب، ومن استرعى الذئب ظلم ..
لا أحمق منا: نلقِّن أبناءنا الخلاف في الدين والدنيا بأعمالنا؛ ونقول لهم بألسنتنا: اتحدوا!!
وإنَّ صالحةً يأخذها الابنُ عن أبيه بطريق القدوة خير من ألف نصيحة باللسان.
النهضاتُ الصادقة تبدأ من الأخلاق، وتنتهي إلى الأخلاق، وما زادت بحوث الفلسفة ماضيها وحاضرها في الأخلاق شيئًا على ما جاء به الإسلام، وأقرَّته الفطر السليمة، ويزيد الإسلام على هذه الفلسفات، ويشق بقوة العرض للفضيلة والتشويق لها وشرح آثارها في الفرد والجماعة وبيان صلتها الوثيقة بالأقانيم الثلاثة: الحق والخير والجمال.
وإن شعراء العرب الفطريين لأدقُّ تصويرًا للفضائل، وأصدقُ تعبيرًا عليها، وتفسيرًا لآثارها، وحثًّا على التحلِّي بها من جميع الفلاسفة النظريين، وقد أثَّرت المادياتُ في هذا العصر على عقول فلاسفته، ورانت عليها العصبيات الجنسية والإقليمية، حتى انعكس نظرهم في فهم الفضيلة، فسمَّوْها بغير اسمها! فأصبحت القوة فضيلة يُدعى إليها بدل الرحمة، والظلم فضيلة يتمجد بها بدل العدل، والاستعباد فضيلة يُتغنى بها بدل الحرية، وكل هذا يدل على أن الفضيلة في نظر الفلسفة العملية الجديدة هي لباسٌ للعقل، لا نبع منه، وأنها خاضعةٌ للحُكم لا للحكمة.
أما الفضائل في نظر الإسلام وحكمه: فإنها صبغةٌ لا تتحول وحقيقة لا تتغير ولا تتبدل، فالصدق في معناه الإسلامي هو الصدق؛ لا تتصرف في معناه المصالح والمنافع، ولا تتلاعب به الأهواء والمطامع، والوفاء هو الوفاء، والعدل والإحسان والرفق والعفو عند القادر، كل أولئك من الفضائل الثابتة ثبوت الحقائق، لا تنال منها تصاريف الأيام، ولا يتصور أن يأتي على الناس يوم تُجمع فيه عقول العقلاء على أن الصدق مثلًا رذيلة، تصِمُ صاحبها بالذم، إلا إذا جوَّزنا مجيء يوم يخرج فيه الكون من تدبير الله إلى تدبير الشيطان، ويكون أفضل الذكر فيه أن يقال كلما ذكر الشيطان: ﵁!!
فالموازين القرآنية للفضائل هي التي يجب أن تحكم في العقول، حتى تأمن على الفضيلة ما يجري بيننا على (الأوراق النقدية) ونحن أهل القرآن أحق الناس بالدعوة إلى هذا وتبيينه ونشره في هذا العالم المضطرب، الذي فقد الفضائل الإنسانية، فانحدر إلى حيوانيةٍ عارمةٍ، تُوشك أن تفضي به إلى الفناء.
نحن أهل القرآن الذي وضع الموازين القسط للفضائل، وحثَّ عليها، وجعلها أساسًا للسعادة، وسلَّمًا للسيادة- أولى الناس بأن نزن النهضات بحظوظها من الفضائل، وأن نبني بأيدينا أساس نهضتنا على صخرة الفضائل، طبقًا عن طبق، ونحن- لو أجَلْنا بصائرنا في القرآن- أبعد الناس عن فساد التصوُّر في تسمية هذه الحركات المتهافتة في المجتمعات الإسلامية نهضة.

اختيار موقع الدرر السنية: www.dorar.net
المصدر: (آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي) «٤/ ٢١٩»، دار الغرب الإسلامي، ط١، ١٩٩٧م.

1 / 4

وحي القبور
مصطفى صادق الرافعي (ت ١٣٥٦هـ - ١٩٣٧م)
ذهبتُ في صبُح يوم ... أحملُ نفسي بنفسي إلى المقبَرَة، وقد مات لي من الخواطر مَوْتَى لا مَيِّتٌ واحد؛ فكنت أمشي وفيَّ جنازةٌ بمُشَيِّعيها؛ من فكر يَحملُ فكرًا، وخاطر يتبع خاطرًا، ومعنىً يَبكِي، ومعنىً يُبكَي عليه.
وكذلك دأبي كلما انحدرتُ في هذه الطريق إلى غير ذلك المكان، الذي تأتيه العيون بدموعها، وتمشي إليه النفوس بأحزانها، وتجيء فيه القلوب إلى بقايا.
تلك المقابر التي لا يُنَادَى أهلُها من أهليهم بالأسماء ولا بالألقاب، ولكن بهذا النداء: يا أحبابنا، يا أحزانَنَا!
ذهبتُ أزورُ أمواتي الأعزاء، وأتصل منهم بأطراف نفسي؛ لأحيا معهم في الموت ساعةً، أعرض فيها أمرَ الدنيا على أمر الآخرة، فأنسى وأذكر، ثم أنظرُ وأعتبر، ثم أتعرَّف وأتوسَّم [أستطلع]، ثم أستبطِنُ مما في بطن الأرض، وأستَظهِرُ مما على ظهرها.
وجلست هناك أُشْرِفُ من دهرٍ على دهر، ومن دنيا على دنيا، وأخرجت الذاكرةُ أفراحها القديمة؛ لتجعلَها مادةً جديدة لأحزانها، وانفتح لي الزمن الماضي، فرأيت رجعة الأمس، وكأن دهرًا كاملًا خُلق بحوادثه وأيامه، ورُفع لعينيَّ كما ترفع الصورة المعلقة في إطارها.
أعرف أنهم ماتوا، ولكني لم أشعر قطُّ إلا أنهم غابوا، والحبيبُ الغائبُ لا يتغيَّرُ عليه الزمان ولا المكان في القلب الذي يحبه، مهما تَراخَتْ به الأيام [امتدت]؛ وهذه هي بقية الروح إذا امتزجت بالحب في روح أخرى: تترك فيها ما لا يُمحَى؛ لأنها هي خالدة لا تُمحى.
ذهب الأموات ذهابهم، ولم يقيموا في الدنيا، ومعنى ذلك أنهم مرُّوا بالدنيا ليس غيرُ، فهذه هي الحياة حين تعبِّر عنها النفس بلسانها لا بلسان حاجتها وحرصها.
الحياة مدةُ عمل، وكأن هذه الدنيا بكل ما فيها من المتناقضات، إن هي إلا مَصْنَعٌ يُسَوَّغُ كل إنسان جانبًا منه، ثم يقال له: هذه الأداة فاصنع ما شئت: فضيلتَك أو رذيلتَك.
جلست في المقبرة، وأطرقت أُفكر في هذا الموت، يا عجبًا للناس! كيف لا يستشعرونه وهو يهدم من كل حي أجزاءً تحيط به قبل أن يهدمه هو بجملته، وما زال كل بنيان من الناس به كالحائط المُسَلَّطِ عليه خرابه، يتأكَّلُ من هنا، ويتناثر من هناك؟!
يا عجبًا للناس عجبًا لا ينتهي! كيف يجعلون الحياة مدة نزاع وهي مدة عمل؟ وكيف لا تبرح تنزو النَّوازِي بهم في الخلاف والباطل، وهم كلما تَدَافَعوا بينهم قضيةً من النزاع، فضربوا خصمًا بخصم، وردُّوا كيدًا بكيد، جاء حكم الموت تكذيبًا قاطعًا لكل من يقول لشيء: هذا لي؟
أما والله إنه ليس أعجب في السخرية بهذه الدنيا من أن يعطي الناس ما يملكونه فيها لإثبات أن أحدًا منهم لا يملك منها شيئًا؛ إذ يأتي الآتي إليها لحمًا وعظمًا، ولا يرجع عنها الراجع إلا لحمًا وعظمًا، وبينهما سفاهة العظم واللحم حتى على السِّكِّين القاطعة.
تأتي الأيام وهي في الحقيقة تفرُّ فرارها؛ فمن جاء من عمره عشرون سنةً فإنما مضت هذه العشرون من عمره، ولقد كان ينبغي أن تُصحَّح أعمال الحياة في الناس على هذه الأصل البيِّن، لولا الطباع المدخولة، والنفوس الغافلة، والعقول الضعيفة، والشهوات العارمة؛ فإنه مادام العمر مقبلًا مدبرًا في اعتبار واحد، فليس للإنسان أن يتناول من الدنيا إلا ما يرضيه محسوبًا له ومحسوبًا عليه في وقت معًا، وتكونُ الحياة في حقيقتها ليست شيئًا، إلَّا أن يكونَ الضميرُ الإنسانيُّ هو الحيَّ في الحيِّ.
وما هي هذه القبور؟ لقد رجعتْ عند أكثر الناس مع الْمَوتى أبنية ميتة؛ فما قطُّ رأوها موجودةً إلا لينسَوا أنها موجودة، ولولا ذلك من أمرهم لكان للقبر معناه الحي المتغلغل في الحياة إلى بعيد؛ فما القبر إلا بناء قائم لفكرة النهاية والانقطاع، وهو في الطَّرَف الآخر ردٌّ على البيت الذي هو بناء قائم لفكرة البدء والاستمرار، وبين الطَّرفين المَعْبَد، وهو بناء لفكرة الضمير، الذي يحيا في البيت وفي القبر، فهو على الحياة والموت كالقاضي بين خصمين يصلح بينهما صُلحًا أو يَقضى.
القبر كلمة الصدق مبنيةً متجسِّمةً، فكل ما حولها يَتَكَذَّب ويتأوَّل، وليس فيها هي إلا معناها لا يَدْخُلُه كذبٌ، ولا يعتريه تأويل، وإذا ماتت في الأحياء كلمة الموت من غرور، أو باطل، أو غفلة، أو أثرة، بقي القبر مذَكِّرًا بالكلمة، شارحًا لها بأظهر معانيها، وداعيًا إلى الاعتبار بمدلولها، مبيِّنًا بما ينطوي عليه أن الأمر كله للنهاية.
القبر كلمة الأرض لمن ينخدع فيرى العمرَ الماضيَ كأنه غير ماض، فيعمل في إفراغ حياته من الحياة بما يملؤها من رذائله وخسائسه؛ فلا يزال دائبًا في معاني الأرض واستجماعها والاستمتاع بها، يتلو في ذلك تِلْوَ الحيوان ويقْتَاسُ به، فشريعته جَوْفُه وأعضاؤه، وترجع في ذلك حيوانيتُه مع نفسه الروحانية، كالحمار مع الذي يملكه ويعلفه، ولو سُئل الحمار عن صاحبه من هو؟ لقال: هو حِماري.
القبر على الأرض كلمةٌ مكتوبةٌ في الأرض إلى آخر الدنيا، معناها أن الإنسان حيٌّ في قانون نهايته؛ فلينظرْ كيف ينتهي.
إذا كان الأمر كله للنهاية، وكان الاعتبارُ بها والجزاء عليها، فالحياةُ هي الحياةُ على طريقة السلامة لا غيرها، طريقةِ إكراه الحيوان الإنسانيِّ على ممارسة الأخلاقية الاجتماعية، وجعلِها أصلًا في طباعه، ووزن أعماله بنتائجها التي تنتهي بها؛ إذ كانت روحانيتُه في النهايات لا في بداياتها.
في الحياة الدنيا يكون الإنسان ذاتًا تعملُ أعمالَها؛ فإذا انتهت الحياة انقلبت أعمالُ الإنسان ذاتًا يُخَلَّد هو فيها؛ فهو من الخير خالدٌ في الخير، ومن الشر هو خالدٌ في الشر؛ فكأن الموتَ إنْ هو إلا ميلادٌ للروح من أعمالها؛ تولد مرتين: آتيةً وراجعة.
وإذا كان الأمرُ للنهاية فقد وجب أن تبطل من الحياة نهاياتٌ كثيرة؛ فلا يترك الشرُّ يمضي إلى نهايته بل يُحسَم في بدئه، ويُقتل في أول أنفاسه، وكذلك الشأنُ في كل ما لا يَحسنُ أن يبدأ، فإنه لا يجوز أن يمتدَّ: كالعداوة والبغضاء، والبخل والأثرة، والكبرياء والغرور، والخداع والكذب، وما شابه هذه أو شابَهَهَا؛ فإنها كلَّها انبعاثٌ من الوجود الحيواني، وانفجارٌ من طبيعته؛ ويجب أن يكون لكل منها في الإرادة قبرٌ كَيْ تَسْلَم للنفس الطيبة إنسانيتها إلى النهاية.
يا مَن لهم في القبور أموات!
إن رؤيةَ القبر زيادة ٌفي الشعور بقيمة الحياة، فيجب أن يكونَ معنى القبر من معاني السلام العقليِّ في هذه الدنيا.
القبر فمٌ ينادي: أسرعوا أسرعوا، فهي مدة لو صُرِفت كلها في الخير ما وَفَتْ به؛ فكيف يضيع منها ضياع في الشر أو الإثم؟
لو ولد الإنسان، ومشى، وأيفع، وشبَّ، واكتهل، وهرم في يوم واحد فما عساه كان يُضيِّع من هذا اليوم الواحد؟ إن أطولَ الأعمار لا يراه صاحبه في ساعة موته إلا أقصرَ من يوم.
ينادي القبر: أصلحوا عيوبكم، وعليكم وقتٌ لإصلاحها؛ فإنها إن جاءت إلى هنا كما هي، بقيت كما هي إلى الأبد، وتركها الوقتُ وهرب.
هنا قبر، وهناك قبر، وهنالك القبرُ أيضًا؛ فليس ينظر في هذا عاقلٌ إلا كان نظره كأنه حُكْمُ محكمةٍ على هذه الحياة كيف تنبغي، وكيف تكون؟
في القبر معنى إلغاء الزمان، فمن يفهم هذا استطاع أن ينتصر على أيامه، وأن يسقط منها أوقات الشر والإثم، وأن يميت في نفسه خواطر السوء؛ فمن معاني القبر ينشأ للإرادة عقلها القويُّ الثابت، وكل الأيام المكروهة لا تجد لها مكانًا في هذا العقل، كما لا يجد الليل محلًّا في ساعات الشمس.
ثلاثةُ أرواح لا تَصلُح روحُ الإنسان في الأرض إلا بها: روح الطبيعة في جمالها، وروحُ المعبد في طهارته، وروحُ القبر في موعظته.

اختيار موقع الدرر السنية: www.dorar.net
المصدر: وحي القلم- مصطفى صادق الرافعي- راجعه واعتنى به الدكتور درويش الجويدي - المكتبة العصرية- بيروت (٢/ ١٣٢).

1 / 5

المرأة المسلمة
حسن البنا (ت ١٣٦٨هـ - ١٩٤٩م)
نشر عام ١٣٥٩هـ
ليس المهم في الحقيقة أن نعرف رأي الإسلام في المرأة والرجل، وعلاقتهما، وواجب كل منهما نحو الآخر، فذلك أمر يكاد يكون معروفًا لكل الناس؛ ولكن المهم أن نسأل أنفسنا، هل نحن مستعدون للنزول على حكم الإسلام؟
الواقع أن هذه البلاد وغيرها من البلاد الإسلامية تتغشَّاها موجة ثائرة قاسية من حب التقليد الأوربي، والانغماس فيه إلى الأذقان. ولا يكفي بعض الناس أن ينغمسوا هذا الانغماس في التقليد، بل هم يحاولون أن يخدعوا أنفسهم بأن يديروا أحكام الإسلام وفق هذه الأهواء الغربية، والنظم الأوروبية، ويستغلوا سماحة هذا الدين، ومرونة أحكامه استغلالًا سيئًا، يخرجها عن صورتها الإسلامية إخراجًا كاملًا، ويجعلها نظمًا أخرى، لا تتصل به بحال من الأحوال، ويهملون كل الإهمال روح التشريع الإسلامي، وكثيرًا من النصوص التي لا تتفق مع أهوائهم.
هذا خطر مضاعف في الحقيقة، فهم لم يكفهم أن يخالفوا، حتى جاءوا يتلمَّسون المخارج القانونية لهذه المخالفة، ويصبغوها بصبغة الحِلِّ والجواز، حتى لا يتوبوا منها، ولا يقلعوا عنها يومًا من الأيام.
فالمهم الآن أن ننظر إلى الأحكام الإسلامية نظرًا خاليًا من الهوى، وأن نعدَّ أنفسنا ونهيئها لقبول أوامر الله تعالى ونواهيه، وبخاصة في هذا الأمر الذي يعتبر أساسيًّا وحيويًّا في نهضتنا الحاضرة.
وعلى هذا الأساس لا بأس بأن نذكِّر الناس بما عرفوا، وبما يجب أن يعرفوا من أحكام الإسلام في هذه الناحية.
أولًا: الإسلام يرفع قيمة المرأة ويجعلها شريكة الرجل في الحقوق والواجبات، وهذه قضية مفروغ منها تقريبًا؛ فالإسلام قد أعلى منزلة المرأة ورفع قيمتها، واعتبرها أختًا للرجل وشريكة له في حياته، هي منه وهو منها: ﴿بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقد اعترف الإسلام للمرأة بحقوقها ... وعاملها على أنها إنسان كامل الإنسانية، له حقٌّ، وعليه واجب، يُشكر إذا أدَّى واجباته، ويجب أن تصل إليه حقوقه، والقرآن والأحاديث فياضة بالنصوص التي تؤكد هذا المعنى وتوضِّحه.
ثانيًا: التفريق بين الرجل والمرأة في الحقوق إنما جاء تبعًا لفوارق الطبيعة التي لا مناص منها بين الرجل والمرأة، وتبعًا لاختلاف المهمة التي يقوم بها كل منهما، وصيانة للحقوق الممنوحة لكليهما.
وقد يقال: إن الإسلام فرَّق بين الرجل والمرأة في كثير من الظروف والأحوال، ولم يسوِّ بينهما تسوية كاملة، وذلك صحيح؛ ولكنه من جانب آخر يجب أن يلاحظ أنه إن انتقص من حقِّ المرأة شيئًا في ناحية، فإنه قد عوَّضها خيرًا منه في ناحية أخرى، أو يكون هذا الانتقاص لفائدتها وخيرها قبل أن يكون لشيء آخر، وهل يستطيع أحد- كائنًا من كان- أن يدَّعي أن تكوين المرأة الجسماني والروحي كتكوين الرجل سواء بسواء؟ وهل يستطيع أحد- كائنًا من كان- أن يدَّعي أن الدور الذي يجب أن تقوم به المرأة في الحياة هو الدور الذي يجب أن يقوم به الرجل ما دمنا نؤمن بأن هناك أمومة وأبوة؟ ..
ثالثًا: بين المرأة والرجل تجاذب فطري قوي هو الأساس الأول للعلاقة بينهما، وإن الغاية منه قبل أن تكون المتعة وما إليها، هي التعاون على حفظ النوع، واحتمال متاعب الحياة.
وقد أشار الإسلام إلى هذا الميل النفساني وزكَّاه، وصرفه عن المعنى الحيواني أجمل الصرف إلى معنى روحي، يعظِّم غايته، ويوضِّح المقصود منه، ويسمو به عن صورة الاستمتاع البحت إلى صورة التعاون التام، ولنسمع قول الله ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
.. هذه هي الأصول التي راعاها الإسلام وقرَّرها في نظرته إلى المرأة، وعلى أساسها جاء تشريعه الحكيم كافلًا للتعاون العام بين الجنسين، بحيث يستفيد كل منهما من الآخر، ويعينه على شئون الحياة.
والكلام على المرأة في المجتمع في نظر الإسلام يتلخَّص في هذه النقط:
أولًا: يرى الإسلام وجوب تهذيب خلق المرأة، وتربيتها على الفضائل والكمالات النفسانية منذ النشأة، ويحثُّ الآباء وأولياء أمور الفتيات على هذا، ويعدهم عليه الثواب الجزيل من الله، ويتوعدهم بالعقوبة إن قصروا. وفي الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
وفي الحديث الصحيح: (كلكم راعٍ ومسئول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها ...) ... وقال رسول الله ﷺ: (ما من مسلم له بنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما إلا أدخلتاه الجنة)
ومن حسن التأديب أن يعلمهن ما لا غنى لهن عنه من لوازم مهمتهن: كالقراءة، والكتابة، والحساب، والدين، وتاريخ السلف الصالح، رجالًا ونساء، وتدبير المنزل، والشئون الصحية، ومبادئ التربية، وسياسة الأطفال، وكل ما تحتاج إليه الأم في تنظيم بيتها ورعاية أطفالها. وفي حديث البخاري ﵁: (نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين). وكان كثير من نساء السلف على جانب عظيم من العلم والفضل والفقه في دين الله ﵎.
أما المقالات في غير ذلك من العلوم التي لا حاجة للمرأة بها فعبث لا طائل تحته، فليست المرأة في حاجة إليه، وخير لها أن تصرف وقتها في النافع المفيد. ليست المرأة في حاجة إلى التبحر في اللغات المختلفة. وليست في حاجة إلى الدراسات الفنية الخاصة، فستعلم عن قريب أن المرأة للمنزل أولًا وأخيرًا. وليست المرأة في حاجة إلى التبحر ودراسة الحقوق والقوانين، وحسبها أن تعلم من ذلك ما يحتاج إليه عامة الناس.
ثانيًا: التفريق بين المرأة وبين الرجل:
يرى الإسلام في الاختلاط بين المرأة والرجل خطرًا محققًا، فهو يباعد بينهما إلا بالزواج؛ ولهذا فإن المجتمع الإسلامي مجتمع انفرادي، لا مجتمع مشترك.
سيقول دعاة الاختلاط: إن في ذلك حرمانًا للجنسين من لذة الاجتماع، وحلاوة الأنس التي يجدها كل منهما في سكونه للآخر، والتي توجِد شعورًا يستتبع كثيرًا من الآداب الاجتماعية؛ من الرقة وحسن المعاشرة ولطف الحديث ودماثة الطباع .. إلخ.
وسيقولون: إن هذه المباعدة بين الجنسين ستجعل كلًاّ منهما مشوقًا أبدًا إلى الآخر؛ ولكن الاتصال بينها يقلِّل من التفكير في هذا الشأن، ويجعله أمرًا عاديًّا في النفوس (وأحب شيء إلى الإنسان ما مُنع) وما ملكته اليد زهدته النفس.
كذا يقولون ويُفتن بقولهم كثير من الشبَّان، ولا سيما وهي فكرة توافق أهواء النفوس، وتساير شهواتها، ونحن نقول لهؤلاء: مع أننا نسلم بما ذكرتم في الأمر الأول نقول لكم: إن ما يعقب لذة الاجتماع بحلاوة الإنس من ضياع الأعراض، وخبث الطوايا، وفساد النفوس، وتهدُّم البيوت، وشقاء الأمر، وبلاء الجريمة، وما يستلزمه هذا الاختلاط من طراوة في الأخلاق، ولين في الرجولة، لا يقف عند حدِّ الرقَّة، بل هو يتجاوز ذلك إلى حدِّ الخنوثة والرخاوة، وكل ذلك ملموس لا يماري فيه إلا مكابر.
كل هذه الآثار السيئة التي تترتب على الاختلاط تربو ألف مرة على ما ينتظر منه من فوائد، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة فدرء المفسدة أولى، ولا سيما إذا كانت المصلحة لا تعدُّ شيئًا بجانب هذا الفساد.
وأما الأمر الثاني فغير صحيح، وإنما يزيد الاختلاط قوة الميل، وقديمًا قيل: إن الطعام يقوي شهوة النهم. والرجل يعيش مع امرأته دهرًا، ويجد الميل إليها يتجدد في نفسه؛ فما باله لا تكون صلته بها مُذهبة لميله إليها، والمرأة التي تخالط الرجال تفتنُّ في إبداء ضروب زينتها، ولا يرضيها إلا أن تثير في نفوسهم الإعجاب بها، وهذا أيضًا أثر اقتصادي من أسوأ الآثار التي يعقبها الاختلاط، وهو الإسراف في الزينة والتبرج المؤدي إلى الإفلاس والخراب والفقر. لهذا نحن نصرح بأن المجتمع الإسلامي مجتمع فردي لا زوجي، وأن للرجال مجتمعاتهم، وللنساء مجتمعاتهن. ولقد أباح الإسلام للمرأة شهود العيد، وحضور الجماعة، والخروج في القتال عند الضرورة الماسة، ولكنه وقف عند هذا الحدِّ، واشترط له شروطًا شديدة من البعد عن كل مظاهر الزينة، ومن ستر الجسم، ومن إحاطة الثياب به فلا تصف ولا تشف. ومن عدم الخلوة بأجنبي مهما كانت الظروف، وهكذا.
.ولقد أخذ الإسلام السبيل على الجنسين في هذا الاختلاط أخذًا قويًّا محكمًا. فالستر في الملابس أدب من آدابه. وتحريم الخلوة بالأجنبي حكم من أحكامه. وغض الطرف واجب من واجباته. والعكوف في المنازل للمرأة حتى في الصلاة شعيرة من شعائره. والبعد عن الإغراء بالقول والإشارة وكل مظاهر الزينة، وبخاصة عند الخروج- حد من حدوده.
كل ذلك إنما يراد به أن يسلم الرجل من فتنة المرأة وهي أحب الفتن إلى نفسه، وأن تسلم المرأة من فتنة الرجل وهي أقرب الفتن إلى قلبها، والآيات الكريمة والأحاديث المطهرة تنطق بذلك.
يقول الله- ﵎ في سورة النور: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣٠ - ٣١].
وفي سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. إلى آيات أخرى كثيرة.
. وعن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والدخول على النساء) فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ قال: (الحمو الموت) رواه البخاري ومسلم، والمراد بدخول الأحماء على المرأة: الخلوة بها، كما قال رسول الله ﷺ: (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان).
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم) رواه البخاري ومسلم.
وعن معقل بن يسار قال: قال رسول ﷺ: (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له).
وعن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: (كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا، يعني زانية) ... (وكل عين زانية) أي: كل عين نظرت إليها نظرة إعجاب واستحسان.
وعن ابن عباس ﵄ قال: (لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال) رواه البخاري ... والطبراني، وعنده: (أن امرأة مرت على رسول الله ﷺ متقلدة قوسًا، فقال: لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل).
وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله، فقالت له امرأة في ذلك، فقال: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ، وهو في كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾. [الحشر: ٧] رواه البخاري ومسلم.
وعن عائشة ﵂: أن جارية من الأنصار تزوجت، وأنها مرضت فتمعط شعرها، فأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي ﷺ فقال: (لعن الله الواصلة والمستوصلة) رواه البخاري.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو محرم منها) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية للبخاري ومسلم: (لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا) رواه مسلم وغيره.
. وعن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي ﵄ أنها جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني أحب الصلاة معك، قال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاة في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي. فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه، وكانت تصلي فيه حتى لقيت الله ﷿. وليس بعد هذا البيان بيان
يقول كثير من الناس: إن الإسلام لم يحرم على المرأة مزاولة الأعمال العامة، وليس هناك من النصوص ما يفيد هذا، فائتوني بنص يحرم ذلك. ومثل هؤلاء مثل من يقول: إن ضرب الوالدين جائز؛ لأن المنهي عنه في الآية أن يقال لهما أفٍّ، ولا نص على الضرب.
إن الإسلام يحرم على المرأة أن تكشف عن بدنها، وأن تخلو بغيرها، وأن تخالط سواها، ويحبِّب إليها الصلاة في بيتها، ويعتبر النظرة سهمًا من سهام إبليس، وينكر عليها أن تحمل قوسًا متشبهة في ذلك بالرجل؛ أفيقال بعد هذا إن الإسلام لا ينص على حرمة مزاولة المرأة للأعمال العامة؟!
إن الإسلام يرى للمرأة مهمة طبيعية أساسية هي المنزل والطفل، فهي كفتاة يجب أن تُهيَّأ لمستقبلها الأسري، وهي كزوجة يجب أن تخلص لبيتها وزوجها، وهي كأم يجب أن تكون لهذا الزوج ولهؤلاء الأبناء، وأن تتفرغ لهذا البيت، فهي ربته وملكته، ومتى فرغت المرأة من شئون بيتها لتقوم على سواه؟ فإذا كان من الضرورات الاجتماعية ما يلجئ المرأة إلى مزاولة عمل آخر غير هذه المهمة الطبيعية لها، فإن من واجبها حينئذ أن تراعي هذه الشرائط التي وضعها الإسلام لإبعاد فتنة المرأة عن الرجل وفتنة الرجل عن المرأة، ومن واجبها أن يكون عملها هذا بقدر ضرورتها، لا أن يكون هذا نظامًا عامًّا من حقِّ كل امرأة أن تعمل على أساسه. والكلام في هذه الناحية أكثر من أن يحاط به، ولا سيما في هذا العصر الميكانيكي الذي أصبحت فيه مشكلة البطالة، وتعطل الرجال من أعقد مشاكل المجتمعات البشرية في كل شعب، وفي كل دولة.
وللإسلام بعد ذلك آداب كريمة في حق الزوج على زوجه، والزوجة على زوجها، والوالدين على أبنائهما، والأبناء على والديهم، وما يجب أن يسود الأسرة من حب وتعاضد على الخير، وما يجب أن تقدِّمه للأمة من خدمات جلي، مما لو أخذ الناس بها لسعدوا في الحياتين ولفازوا بالعبادتين.

اختيار موقع الدرر السنية www.dorar.net
المصدر: مجلة المنار - عدد ربيع الثاني سنة (١٣٥٩هـ) - المجلد (٣٥) (بتصرف).

1 / 6

نحن المسلمين!
علي الطنطاوي (ت ١٤٢٠هـ - ١٩٩٩ م)
سلوا عنا ديار الشام ورياضها، والعراق وسوادها، والأندلس وأرباضها، سلوا مصر وواديها، سلوا الجزيرة وفيافيها، سلوا الدنيا ومن فيها ..
سلوا بطاح إفريقيا، وربوع العجم، وسفوح القفقاس، سلوا حفافي الكنج، وضفاف اللوار، ووادي الدانوب، سلوا عنا كل أرض في الأرض، وكل حيِّ تحت السماء ..
إن عندهم جميعا خبرًا من بطولاتنا وتضحياتنا ومآثرنا ومفاخرنا وعلومنا وفنوننا .. نحن المسلمين!!
هل روى رياض المجد إلا دماؤنا؟ هل زانت جنَّات البطولة إلا أجساد شهدائنا؟ هل عرفت الدنيا أنبل منا أو أكرم، أو أرأف أو أرحم، أو أجلَّ أو أعظم، أو أرقى أو أعلم؟
نحن حملنا المنار الهادي والأرض تتيه في ليل الجهل، وقلنا لأهلنا: هذا الطريق!.
نحن نصبنا موازين العدل، يوم رفعت كل أمة عصا الطغيان.
نحن بنينا للعلم دارًا يأوي إليها، حين شرده الناس عن داره.
نحن أعلنَّا المساواة، يوم كان البشر يعبدون ملوكهم، ويؤلِّهون ساداتهم.
نحن أحيينا القلوب بالإيمان، والعقول بالعلم، والناس كلَّهم بالحرية والحضارة.
نحن المسلمين!
نحن بنينا الكوفة، والبصرة، والقاهرة، وبغداد.
نحن أنشأنا حضارة الشام، والعراق، ومصر، والأندلس.
نحن شِدنا بيت الحكمة، والمدرسة النظامية، وجامعة قرطبة، والجامع الأزهر.
نحن عمرنا الأموي وقبة الصخرة، وسُرَّ من رأى، والزهراء، والحمراء، ومسجد السلطان أحمد، وتاج محل.
نحن علَّمنا أهل الأرض وكنا الأساتذة وكانوا التلاميذ.
نحن المسلمين!
منَّا أبو بكر، وعمر، ونور الدين، وصلاح الدين، وأورنك زيب. منَّا خالد، وطارق، وقتيبة، وابن القاسم، والملك الظاهر.
منَّا البخاري، والطبري، وابن تيمية، وابن القيم، وابن حزم، وابن خلدون.
منَّا معبد وإسحاق وزرياب .. منا كل خليفة كان الصورة الحيَّة للمثُل البشرية العليا.
وكل قائد كان سيفًا من سيوف الله مسلولًا .. وكل عالم كان من البشر كالعقل من الجسد.
منَّا مائة ألف عظيم وعظيم.
نحن المسلمين!
قوتنا بإيماننا، وعزنا بديننا، وثقتنا بربنا ..
قانوننا قرآننا، وإمامنا نبينا، وأميرنا خادمنا .. وضعيفنا المحقُّ قويٌّ فينا، وقويُّنا عون لضعيفنا، وكلنا إخوان في الله، سواءٌ أمام الدين.
نحن المسلمين!
مَلَكنا فعدلنا، وبنينا فأعلينا، وفتحنا فأوغلنا، وكنا الأقوياء المنصفين، سننَّا في الحرب شرائع الرأفة، وشرعنا في السلم سنن العدل، فكنا خير الحاكمين، وسادة الفاتحين ..
أقمنا حضارة كانت خيرًا كلها وبركات، حضارة روح وجسد، وفضيلة وسعادة، فعمَّ نفعها الناس، وتفيأ ظلالها أهل الأرض جميعا، وسقيناها نحن من دمائنا، وشدناها على جماجم شهدائنا!.
وهل خلت الأرض من شهيد لنا قضى في سبيل الإسلام والسلام، والإيمان والأمان؟
نحن المسلمين!
هل تحققت المثُل البشرية العليا إلا فينا؟
هل عرف الكون مجمعًا بشريًّا إلا مجمعنا، قام على الأخلاق والصدق والإيثار؟
هل اتفق واقع الحياة، وأحلام الفلاسفة، وآمال المصلحين، إلا في صدر الإسلام؟
يوم كان الجريح المسلم يجود بروحه في المعركة، يشتهي شربةً من ماء، فإذا أخذ الكأس رأى جريحا آخر فآثره على نفسه، ومات عطشان.
يوم كانت المرأة المسلمة يموت زوجها وأخوها وأبوها، فإذا أخبرت بهم سألت: ما فعل رسول الله؟ فإذا قيل لها: هو حيٌّ، قالت: كل مصيبةٍ بعده هيِّنة.
يوم كانت العجوز ترد على عمر، وهو على المنبر في الموقف الرسمي، وعمر يحكم إحدى عشرة حكومة من حكومات اليوم.
يوم كان الواحد منَّا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويؤثره عليها ولو كان به خصاصة.
وكنَّا أطهارًا في أجسادنا وأرواحنا ومادتنا والمعنى.
وكنَّا لا نأتي أمرًا ولا ندعه، ولا نقوم ولا نقعد، ولا نذهب ولا نجيء إلا لله.
قد أَمَتْنَا الشهوات من نفوسنا، فكان هوانا تبعًا لما جاء به القرآن.
لقد كنَّا خلاصة البشر، وصفوة الإنسانية.
وجعلنا حقًّا واقعًا ما كان يراه الفلاسفة والمصلحون أملًا بعيدًا.
نحن المسلمين!
تُنظم في مفاخرنا مائة إلياذة وألف شاهنامة.
ثم لا تنقضي أمجادنا ولا تفنى، لأنها لا تُعدُّ ولا تُحصى.
من يعدُّ معاركنا المظفرة التي خضناها؟ ... من يحصي مآثرنا في العلم والفن؟
من يستقري نابغينا وأبطالنا؟ .. إلا الذي يعدُّ نجوم السماء، ويحصي حصى البطحاء!!.
اكتبوا (على هامش السيرة) ألف كتاب .. و(على هامش التاريخ) مثلها.
وأنشئوا مائة في سيرة كل عظيم، ثم تبقى السيرة ويبقى التاريخ كالأرض العذراء، والمنجم البكر. نحن المسلمين!
لسنا أمة كالأمم تربط بينها اللغة، ففي كل أمة خيِّر وشرير.
ولسنا شعبًا كالشعوب، يؤلف بينهم الدم، ففي كل شعب صالح وطالح، ولكننا جمعية خيرية كبرى، أعضاؤها كل فاضل من كل أمة، تقي نقي ..
تجمع بيننا التقوى إن مصل الدم، وتوحِّد بيننا العقيدة، إن اختلفت اللغات، وتُدنينا الكعبة إن تناءت بنا الديار ..
أليس في توجُّهِنا كل يومٍ خمس مرات إلى هذه الكعبة، واجتماعنا كل عام مرة في عرفات، رمزًا إلى أن الإسلام قومية جامعة، مركزها الحجاز العربية، وإمامها النبي العربي، وكتابها القرآن العربي؟
نحن المسلمين!
ديننا الفضيلة الظاهرة، والحق الأبلج .. لا حُجُب ولا أستار، ولا خفايا ولا أسرار.
هو واضح وضوح المئذنة، أفليس فيها ذلك المعنى؟
هل في الدنيا جماعة أو نِحلة تكرر مبادئها وتُذاع عشر مرات كل يوم، كما تُذاع مبادئ ديننا- نحن المسلمين- على ألسنة المؤذنين: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
نحن المسلمين!
لا نهن ولا نحزن ومعنا الله .. ونحن نسمع كل يوم ثلاثين مرة هذا النداء العلوي المقدس، هذا النشيد القوي: الله أكبر ..
البطولة سجية فينا، وحب التضيحة يجري في عروقنا .. لا تنال من ذلك صروف الدهر، ولا تمحوه من نفوسنا أحداث الزمان ..
لنا الجزيرة التي يشوى على رمالها كل طاغ يطأ ثراها، ويعيش أهلها من جحيمها في جنات.
لنا الشام وغوطتها التي سُقيت بالدم، لنا فيها الجبل الأشم .. لنا العراق لنا (الرميثة) وسهول الفرات .. لنا فلسطين التي فيها جبل النار.
لنا مصر دار العلم والفن ومثابة الإسلام ..
لنا المغرب كله، لنا (الريف) دار البطولات والتضحيات.
لنا القسطنطينية ذات المآذن والقباب، لنا فارس والأفغان والهند وجاوة.
لنا كل أرض يُتلى فيها القرآن، وتصدح مناراتها بالأذان.
لنا المستقبل .. المستقبل لنا إن عُدنا إلى ديننا. نحن المسلمين!

اختيار موقع الدرر السنية www.dorar.net
المصدر: كتاب (قصص من التاريخ) - علي الطنطاوي - المكتب الإسلامي - ص ١٥.

1 / 7

الصراع بين الإسلام وأعدائه
محمد البشير الإبراهيمي
نشر عام ١٣٧٣هـ
الصراع بين الحق والباطل قديم، كان منذ خلق الله البشر، وجعل للأهواء حظًّا من السلطان على نفوسهم. ومن فروع هذا الصراع، الصراع بين الإسلام والكفر، فقد صرع الإسلام في عنفوان قوته السماوية الأولى كلَّ ما كان قائمًا من الأديان والنحل الباطلة، ومزَّق بنوره وبرهانه الضلالات التي كانت مغطية على العقول، حتى استقر في قراره من النفوس والأقطار، وضرب بجرانه في القطعة العامرة من أرض الله.
وأصبح برهانه لائحًا، وبيناته واضحة، وقوته غالبة، فإما مسلم وإما مُلقٍ بالسَّلَم، ومن كلمته العالية أنه جعل فريضة الدعوة إليه كلمة باقية في أهله، تتوجَّه إلى الضال ليهتدي، وإلى المهتدي كي لا يضلَّ.
فلما ضعفت الدعوة إلى الإسلام في المسلمين بما شاب هدايتهم من ضلال، وما خالط عزائمهم من وهن، ثم تلاشت بتفرقهم فيه، واشتغالهم بالجدل الداخلي، وغفلتهم عن فوائد الدعوة فيهم وفي غيرهم، وبعدهم عن منبع هدايته الأولى، هاجت عليهم دعايات الأديان الأخرى، وما تفرَّع عنها من مذاهب مادية، تغري بالمادة وتؤلِّهها، ومن مذاهب فكرية تغري الفكر المسلم بالمروق من الدين، وخلع رِبقته، ثم تشعبت هذه المذاهب الفكرية إلى شعبتين:
واحدة تسعى سعيها، وتبذل وسائلها لفتنة المسلم عن دينه، وإدخاله في دين آخر، وهذه الشعبة تجعل هدفها أطفال المسلمين الأحداث.
والأخرى تريد المسلم أن يخرج من الإسلام إلى الإلحاد المحض الذي يكفر بالأديان كلها، وهذه الشعبة تجعل هدفها شباب المسلمين؛ لما يصحب الشباب من قوة الإحساس، وسرعة التأثر، وتأجُّج العاطفة، والميل إلى الانطلاق.
والشعبتان معًا تلتقيان عند غاية واحدة هي فصل المسلمين- وهم قوة في العدد- عن دينهم، وهو مناط قوتهم الروحية؛ ليتمَّ للقائمين على الشعبتين استعباد أبدان المسلمين، واستغلال خيرات أوطانهم. ومَن ظنَّ مِن عقلاء المسلمين وعلمائهم أن هذه الحملة عليهم وعلى دينهم ليست مدبرة، وليست منظمة، وليست متعاونة متساندة، وليست مرصدة لوقتها، ورامية إلى هذا الهدف، مَن ظنَّ هذا فأقل درجته أنه مغفَّل جاهل مغرور.
ولو حافظ المسلمون على فريضة الدعوة في دينهم، وكانت لهم دعاية منظمة يمدُّها الأغنياء بالمال، والعقلاء بالرأي، والعلماء بالبرهان المثبت للحقائق الإسلامية، وبالتوجيه لغاية الغايات فيه، وهي إسعاد الإنسانية، وتحقيق السلام بين البشر، والقضاء على الطغيان والعدوان والظلم، وإقامة العدل بين الناس، ونشر المحبة بينهم، لو فعلوا ذلك، وحافظوا عليه في كل أطوار الزمن، لكانوا اليوم فيصلًا بين الكتلتين المتطاحنتين، وحاجزًا حصينًا بين البشرية وبين الكارثة المتوقعة، التي لا تُبقي على برٍّ ولا فاجر، ولا مؤمن ولا كافر، بل إنني أعتقد اعتقادًا جازمًا أنه لو كان للإسلام دعاة فاهمون لحقيقة الإسلام، محسنون للإبانة عنها، ولعرضها على العقول، لرجعت إليه هذه الأمم الحائرة في هذا العصر، الثائرة على أديانه وقوانينه وأوضاعه؛ لأن أديانه لم تحفظ لهم الاستقرار النفسي، والطمأنينة الروحية، ولأن قوانينه الوضعية لم تضمن لهم المصالح المادية، ولم تُقِم الموازين القسط بين طبقاتهم، ولأن الأوضاع العامة لم تحقن دماءهم، ولم تغرس المحبة بينهم، فهم لذلك تائهون، متطلِّعون إلى حال تُغيِّر هذه الأحوال، وفي الإسلام ما يقول بذلك كله، ويَرجع بالناس إليه، وإلى اختياره حكمًا، تُرضَى حكومته، لو وجد من يدعو إليه على بصيرة، ويبيِّن حقائقه، ويحسن عرضها على العقول ببرهان الواقع والمعقول.
لم يمض على المسلمين في تاريخهم الطويل عهد كهذا العهد، في قعودهم عن الدعوة إلى دينهم، وفي هجوم الدعاية الأجنبية عليهم.
والقضيتان متلازمتان في الطباع البشرية الغالبة، وفي طبيعة الاجتماع الذي هو أملك لأحوالهم.
فمن سننه أن من لم يدافع دُوفع، وأن من لم يهاجم هُوجم، وأن من سكت على الحق أنطق غيره بالباطل، ولم يمض عليهم زمن تألَّبت فيه قوى الشرِّ عليهم، وتألَّفت جنوده على ما بينها من دعوات ومناقضات، كما تألَّبت في هذا الزمن، فالأديان كاليهودية والمسيحية الغربية الاستعمارية، والبوذية والوثنية بجميع ألوانها، والمذاهب الاجتماعية المادية كلها أصبحت ألْبًا على المسلمين والإسلام، متداعية إلى ذلك عن قصد واتفاق، صادرة في ذلك عن عهد وميثاق، يسند بعضها بعضًا، ويقرض بعضها بعضًا العون والتأييد، وأن العقلاء من هذه الأمم، المتعاونة على حرب الإسلام، مسوقون بأيدي الساسة الطامعين، والقساوسة المتعصبين، والملاحدة المستهترين، حتى أصبح باطن أمرهم كظاهره، وهو أنهم قوة متحدة لحرب الإسلام، يشارك فيها ذو الدين بدينه، وذو المال بماله، وذو العقل بعقله. ويشارك فيها الساكت بسكوته. لا نلوم هؤلاء الأقوام على ما يسرون من عداوة الإسلام وما يعلنون، ولا على ما صنعوا بأهله وما يصنعون، فما اللوم برادِّهم على ما هم ماضون فيه، بعد أن ابتلوا سرائرنا، وامتحنوا ضمائرنا، فوجدوها عورات ومنافذ خالية من الحراسة التي يعرفونها عنا، ومن المناعة التي يتوقعونها منا، فسددوا الغارة على ديارنا فاكتسحوها، وشدَّدوا الحملة على خيرات أوطاننا فاستباحوها، ثم شنُّوا غارة أفجر وأنكر على عقولنا ليمسخوها، إذ بذلك وحده يضمنون التمتع بخيراتنا، والتلذذ باستعبادنا.
لا نلومهم على ذلك، فما منهم إلا موتور من هذا الإسلام في ماضية، وأحد أطوار تاريخه، فهو حاقد عليه، يتخيَّل في شبحه مفوِّتًا للعز والسلطان، ومقيِّدًا للشهوات في أتباع الشيطان، أو مانعًا من الانطلاق الحيواني في بغي الإنسان على الإنسان، وما ينقمون من الإسلام إلا أنه يقيد الغريزة الحيوانية عن الظلم والتسلط والشهوة، ويفيض عليها من النور السماوي ما يرفعها إلى أفق أسمى، وهم بعد ذلك عمون عما وراء ذلك الذي ينقمونه من خير في الإسلام ونفع، ولا نملك لهم أن يهتدوا إلى ما في الإسلام من عزٍّ بالله، وعدل في أحكامه بين عباده، رحمة بهم وإحسانًا، وإلى ما فيه من انطلاق، ولكن إلى الآفاق العليا الملكية.
إنما نلوم أنفسنا، ونلوم قومنا على التفريط والإضاعة، وعلى إهمال الدعوة لدينهم، والعرض لجماله ومحاسنه، وعلى التخاذل في وجه هذه القوة المتألبة المتكالبة عليهم وعلى دينهم، حتى أصبح سكوتنا وإهمالنا عونًا لها على هدم ديننا، ومحو فضائلنا، والقضاء على مقوماتنا، فأغنياؤنا ممسكون عن البذل في سبيل الدعوة إلى دينهم، وكأن الأمر لا يعنيهم، وكأن الدين ليس دينهم، وكأنهم لا يعلمون أن هذا التكالب إن استمر لا يبقى لهم عرضًا ولا مالًا ولا متاعًا، وقد بلغت الغفلة ببعضهم أن يُعِين الجمعيات التبشيرية المسيحية بماله، وكأنه يقلِّد عدوه سلاحًا قتَّالًا، يقتل به دينه وقومه، ولم يبق عليه من فضائح الجهل إلا أن يقول لعدوه: اقتلني به. إننا لا نكون مسلمين حقًّا، ولا نستطيع أن ندفع هذه الجيوش المغيرة علينا وعلى ديننا، تارة باسم العلم، وتارة باسم الخير والإحسان، وأخرى باسم الرحمة بالإنسان، إلا إذا علمنا ما يراد بنا، وفقهنا الغايات لهذه الغارات، وتحدَّيناها بجميع قوانا المعنوية والمادية، وحشدها في ميدان واحد، هو ميدان الدفاع عن حياتنا الروحية والمادية، ولا يتمُّ لهذا الشأن تمام إلا إذا أقمنا الدعوة إلى الله، وإلى دينه الإسلام، على أساس قوي من أحجار العالم الرباني، والخطيب الذي يتكلم بقلبه لا بلسانه، والكاتب الذي يكتب بقلمه ما يمليه عقله، والغني المستهين بماله في سبيل دينه، ثم وجهنا هذه الدعوة إلى القريب قبل الغريب، إلى المسلم الضال قبل الأجنبي، فإذا فعلت الدعوة فعلها في نفوس المسلمين، وأرجعتهم إلى ربهم، فاتصلوا به، فتمسكوا بكتابه وهدي نبيه، وتمجدوا بتاريخه وأمجاده وفضائله ولسانه، كنا قلَّدناهم سلاحًا لا يفلُّ، وأسبغنا عليهم حصانة روحية، لا تؤثر عليها هذه الدعايات المضللة، وحصانة أخرى مادية ملازمة لها، لا تهزمها الجموع المجمعة، ولو كان بعضها لبعض ظهيرًا.
المسلمون في حاجة أكيدة إلى دعاية داخلية، تهدي ضالهم، وتصلح فاسدهم، تبتدئ من البيت، وتجاوزه إلى الجار والقرية، حتى تنتظم المجتمع كله. فإذا عمرت القلوب والبيوت والمجتمعات بمعاني الإسلام الصحيحة، أعطت ثمراتها الصحيحة، وجاء نصر الله والفتح، ربطًا للوعد بالإنجاز، ووصولًا إلى الحقيقة على المجاز، ويومئذ تزول هذه الفوارق البغيضة من تلقاء نفسها، فلا مذهب إلا مذهب الحق، ولا طريقة إلا طريق القرآن، ولا نزعة إلا نزعة المجد والسمو، ولا عاطفة إلا عاطفة المحبة والخير، ولا غاية إلا نشر السلام والطمأنينة في هذا العالم المضطرب.
لا يأس من روح الله. فهذه مخايل نصر، وهذه مبشرات القطر، وهذه طلائع الزحوف الحاملة لراية الدعوة الإسلامية، وهؤلاء عصب من علماء الإسلام قائمون بإيحاء هذه الفريضة بصدق وإخلاص وتضحية، ومن ورائهم كتائب من شباب الإسلام، تفتَّحت بصائرهم على نوره، يحملون ألسنة قوالة للحق، وعقولًا جوالة في ميدان الحق، وإن عددهم كل يوم لفي ازدياد، وإن نجاحهم فيما يمارسونه من الدعوة إلى الله لفي اطراد، فما على القاعدين إلا أن ينضموا، وما على الغافلين إلا أن يهتموا، ولا على المستيئسين إلا أن يستبشروا ويؤيدوا، وما على الغافلين عن ذاك الشرِّ المستطير إلا أن ينتبهوا إلى هذا الخير، فيعملوا على نمائه وبقائه، وإن أثمن هدية يقدمها المسلم إلى هؤلاء الدعاة هي الاهتداء إلى الحق، والاقتداء بأهل الحق.

اختيار موقع الدرر السنية: www.dorar.net
المصدر: (آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي) «٤/ ٢٨٤»، دار الغرب الإسلامي، ط١، ١٩٩٧م.

1 / 8

الغيرة على الحقائق والمصالح
محمد الخضر حسين (ت:١٣٧٧هـ)
نشر عام ١٣٤٩هـ
متى نظر الإنسانُ أو تدبر أمرًا، ووقف بأنه حقيقة أو مصلحة، وجدَ في نفسه ارتياحًا عندما يلاقي شخصًا يشاركه في الشعور به، ويكون ارتياحه أشد حيث يراه يعمل على مقتضى هذا الشعور، كما أنه يتألم حينما يشاهد أمرًا ينكر تلك الحقيقة أو المصلحة، ويكون تألمه أشد حيث يراه مجدًّا في مناوأتها، سالكًا غير سبيلها، وهذا التألم الذي يشتدُّ فيدفعك إلى أن تسهب في إيضاح وجه الحقيقة أو المصلحة، أو تعمل على أن تكفَّ يد من يبغي عليها ما أمكنك، هو ما نعنيه بالغيرة.
فإذا حدَّثك الرجل في أمر، وأراك أنه مطمئن إلى أنه حقٌّ ثم لا تلبث أن تراه متحيزًا إلى من يكيد له، ويدعو إلى من ينقضه، فاعلم أنه خالي القلب من الاطمئنان إليه، وإنما أراك ظاهرًا يخالف ما يُكنُّه صدره، وتطمئنُّ إليه نفسه، والعقل السليم لا يستطيع أن يفهم كيف يجتمع الإيمانُ بالحقِّ مع موالاة من يحاربه في السرِّ أو العلانية، فالغيرةُ على الحقِّ من مقتضيات الإيمان به، تَقْوَى بقوَّته، وتضعف بضعفه، وتُفقَد حيث لا يكون القلب مؤمنًا.
وفي الناس من يلهج بكلمة (التسامح)، يملأ بها فمه حتى لا تنكر عليه حين تراه، قد اتخذ من المضلين أو المفسدين في الأرض أولياء، يطيل التردد على أعتابهم، ويغمس لسانه أينما جلس في إطرائهم، ويجهد نفسه في تمويه باطلهم؛ والتسامح المعقول ألَّا تُؤذي من خالفك في العقيدة، فتنسب إليه زورًا، أو تنفي عنه مكرمة، أو تهضم له حقًّا، أو تنكث له عهدًا، أو تخلف له وعدًا، ومن التسامح المقبول أن تبرَّه وتقسط إليه، وتمدَّ إليه يد التعاون على المصالح المشتركة، وقد حرَّمت الشريعةُ الإسلامية الإساءةَ إلى المخالفين، الذين لم يُخرجونا من ديارنا، ولم يطعنوا في ديننا، ولم يوقدوا نارًا لحربنا، على وجه يعمُّ المخالفين المقيمين في ظلِّ الإسلام، ... وأذنت في أن نبرَّهم ونقسط إليهم قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. [الممتحنة: ٨] وقد علَّمنا رسول الله ﷺ أن نداري من ينتمون إلى الإسلام، ونعاشرهم بالمعروف، وإن عرفنا في لحن أقوالهم، أو غيره من الدلائل الخفية أنهم من طائفة المنافقين.
أما الرجل يملك قلمًا أو لسانًا أو حسامًا أو جاهًا، فيصرفه في نقض أساس ما هو دين حق، أو شريعة صالح، فذلك ما لا يتولَّاه إلا غبيٌّ لا يفرِّق بين الأعمى والبصير، أو زائغ عن سبيل الرشد، فما له من نور، وقد أنكر الله على من يتزلَّف لأشياع الغيِّ فقال: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. [النساء: ١٣٩] وفي الآية شاهدُ صدقٍ على أن العزة بيد الله، يخلعها على من يغار على الحقائق، غير مكترث بمن يناوئونها، وإن كانوا أُولي جاهٍ أو سلطان.
فمن الغيرة على الحق أن تقاوم المبطلين أو المفسدين، قاطعًا النظر عن كل صلةٍ وعاطفة؛ ومن التسامح المقبول أن تدفعهم بالتي هي أحسن، حتى كأنك لا تعرف شيئًا من شؤونهم غير ما تصديت لمناقشتهم فيه، وذلك ما يستبين به الناس أنك لا تقصد إلا أن تكفَّ بأسهم، وتحمى النفوس من وباء دعايتهم.
تتفاضل الحقائق والمصالح من ناحية ما يتصل بها من خير، فوجود الخالق أو صدق محمد ﷺ في رسالته مثلًا، يقوم على الإيمان به من سعادة الأفراد والأقوام أكثر مما يقوم على الإيمان بعدل أبي بكر وعمر بن الخطاب. وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة يترتب عليها من الفلاح فوق ما يترتب على زيارة أخ أو عيادة مريض.
وكذلك الغيرة على الحقائق والمصالح تكون على قدر تفاضلها فيما يترتب عليها من العواقب، فالغيرة الصادقة أن يتألم الرجل من الجهل على مقام الأُلوهية أو الرسالة العظمى أشد مما يتألم للطعن في نفسه أو في أخٍ له أو صديق؛ ويتألم لهدم مسجد أو إلغاء مدرسة أشد مما يتألم لهدم بيت أو إهمال حديقة.
بعيدٌ من الغيرة على الحقائق ذلك الذي يسمع سوء القول في الله أو في رسوله فلا يجد في نفسه لسماع هذا السَّفه أثرًا، وإذا مُسَّ جانب مَن يتصل به نسبًا، أو يمدُّ له من متاع هذه الحياة سببًا، هاج غضبه، وارتعدت فرائصه!!
بعيدٌ من الغيرة على المصالح ذلك الذي يكون تحت يده مال فيبخل به على بناء مدرسة، يستنير فيها الناشئون، أو إقامة ملجأ يأوى إليه البائسون، ويبسط به يده في إنشاء مرقص أو ملهى، يتخذ فيه الفتيان والفتيات أنصابًا، يسفكون عليها دم الفضيلة.
ضَعفُ الغيرةِ على الحق أو فقدها نقيصة تنزل بصاحبها إلى الحضيض.
وكذلك ينبغي للإنسان أن يملك الغيرة عند ثورتها، فلا يخرج في معاملة المنتهك لحرمة الحق عن حدود العدل، فالذي يغار على أمر جعل الشارع لمنتهكه حدًّا مفروضًا، لا يحلُّ له أن يتجاوز ما حدَّه الشارع استرسالًا مع طغيانها، فإن كان الجزاء موكولًا لاجتهاد القاضي اجتزأ القاضي بالمقدار الذي يكفي للردع؛ وليس من الغيرة المحمودة أن يتعدَّى في جزاء السيئة ما يكفي للزجر عن اقترافها، والغيرة الصادقة هي التي تنهض بصاحبها إلى مكافحة المبطل أو المفسد، وتقويم عِوجه في تثبتٍ وحزم.
الغيرة تبعث الرجل على الجهاد في الحق بأي وسيلة استطاعها، فالرئيس الغيور يذود عن الحق بما في يده من قوة، متى كان الهاجم عليه في غشاوة تمنعه من أن يفقه الحجة، والعالم الغيور لا يفتأ يذبُّ عن الحقِّ بلسانه أو قلمه، ولا يسوقه طمع أو رهبة إلى الخمول أو الصمت، وما خمول العالم وصمته سوى قلة الثقة بما وعد الله به أنصار الحقِّ من فوز وحياة طيبة، والموسر الغيور ينفق في سبيل الإصلاح باليمين واليسار؛ ومن كان صافي البصيرة يرتاح لظهور الحقِّ، وقيام المصلحة العامة، أكثر مما يرتاح لأن يكنز ذهبًا، أو تكون له قصور فيحاء وحدائق غناء.
وإذا أردت أن تميِّز فاقد الغيرة على المصالح ممن يغارون عليها، فهو الذي يجري وراء منافعه الخاصة أينما رآها أو تخيَّلها؛ يراها بجانب مصلحة عامة، فيظهر في زيِّ الداعي إلى هذه المصلحة، ويملأ الجو نداء للتعاون عليها، حتى إذا تراءت له منفعة لا يصل إليها إلا أن يقضي على ما ينفع الناس جميعًا، داسه بكلتا قدميه، وذهب إلى منفعته توًّا لا يلوي على شيء.
قد يسلك الرجل طريق العدل، محافظة على المنصب، أو رغبة في حسن الأحدوثة، ولكن الغيرة على الحق هي التي تجعل الحاكم عادلًا في كل قضية؛ فالغيرة على الحق هي التي تقف بالقاضي في حدود الإنصاف، حين تُرفع إليه خصومة بين ذي سلطان وأشعث أغبر ذي طمرين، فلا يبالي أن ينصف ذا الطمرين، ويقضي على ذي السلطان، وكذلك يفعل القضاة العادلون.
دُعي العلامة محمد بن بشير إلى قضاء قرطبة، فاستشار صديقًا له في قبول الولاية، فقال له: كيف حبك لمدح الناس لك، وثنائهم عليك؟ وكيف حبك للولاية وكراهيتك للعزل؟ قال: والله ما أبالي من مدحني أو ذمَّني، وما أُسَرُّ للولاية، ولا أستوحش للعزل. فقال: اقبل الولاية، ولا بأس عليك.
وفي سيرة ابن بشير هذا ما يشهد بصدق غيرته على الحق، ويحقق ما وصف به نفسه، من أنه لا يسرُّ للولاية، ولا يستوحش من العزل.
ومن الخطر على الحقوق والمصالح أن يتولَّى أمرها محروم من الغيرة عليها، وكم من حقٍّ أُهمل ومصلحة أُميتت، والسبب في إهمال ذاك، وإماتة هذه أن أُلقي أمرهما إلى من لم يذق للغيرة عليهما طعمًا.
ماذا يكون العمل في قضية الاعتداء على هتك الفتاة، إذا أُسندت إلى من تقلَّب في بيئة لا تعرف للعفاف سبيلًا؟ وماذا يكون العمل في قضية الاعتداء على الدين، إذا وُضعت بين يدي من لا يرى له حرمة، ولا يرعى للأمة التي تعتصم به ذمة؟ وكيف تدار مدرسة ترجع نظم التعليم فيها إلى مَن يُؤثر اللهو على الجدِّ، ويفتنه زخرف الحياة عن طرق الرشد، التي تخرج رجالًا يعملون صالحًا، ويبتكرون عظيمًا، ونحن نرى في الشعوب من حيل بينها وبين واجبات دينها، وأُكرهت على التعامل بغير ما تأذن به شريعتها، واستبدَّ عليها في طريقة تعليم أبنائها، ذلك لأنها وقعت تحت ذي قوة استضعفها، ولم يكن له نصيب من الغيرة على شريعتها.
إن أمة لها دين قيِّم، وشرع حكيم، ومجد لم يصف التاريخ له من نظير، لا يستقيم أمرها إلا لمن يغار على شرعها، أو يتودد لها باحترامه، والمحافظة على أصوله.
وإذا حكى لنا التاريخ أن ذا سلطان آذى أمة إسلامية في دينها، أو قهرها بالسيف أو بوسيلة التعليم على أن تنسلخ من هداية ربها، فلأنه إنما وضع سلطانه على رؤوس جماعات متفرقة غافلة، أما الأمم المتيقظة التي تقدِّر الحقَّ قدره، فليس من السهل على ذي القوة أن يؤذيها في دينها، ويستخف بالحقوق التي قرَّرها شرعها، إلا أن يكون جهولًا بالعواقب، أو غير راغب في أن يكون سلطانه ثابت القواعد.
الغيرة على الحق تتمثل فيمن ينظر إلى الدليل، ويصدع بما أراه الله، وإن كره السائلون ..
وتتمثل الغيرة على الحقِّ فيمن يفسح له بعض الوجهاء في الإكرام مكانة، ولا يمنعه ذلك من أن ينظر إلى ما أكرمه الله به من عقل، ورفعه به من علم، فلا يسكت لذلك الوجيه عما يأتي من منكر، ويذهب في تقويمه كل مذهب ممكن.
وفصل القول في هذا أن الغيرة على الحق والمصلحة ما غلبت على نفوس الأمة إلا استقامت سيرتها، وعلت في الأمم سمعتها، وحسنت في كلتا الحياتين عاقبتها، ولا حقَّ أجلى مما يدعو إليه الخلَّاق العليم، ولا مصلحة أعظم مما تهدي إليه أصول شرعه الحكيم، فإذا لم نرسم في نفوس نشئنا الغيرة على حقائق الدين، وما أرشد إليه من مصالح، وما سنَّه من آداب، ضلوا عن أسمى الحقائق، وأضاعوا أكبر المصالح، وتجرَّدوا من أسنى الآداب، وهل غير هذه العاقبة من خسران مبين؟!
فمن أهم واجباتنا أن نربِّي نشأنا على الشعور بعظمة الله، ثم لا نفتأ نذكر لهم آيات نبوة محمد ﷺ حتى يطمئنوا إلى صحتها، ولا ندع أن نقرِّر لهم أصول الشريعة على وجه يجعلهم على بصيرة من حكمتها، وهذا ما يربِّي فيهم الغيرة المهذَّبة، ويعدُّهم لأن يكونوا للحقائق والمصالح أنصارًا.

اختيار: موقع الدرر السنية www.dorar.net
المصدر: مجلة نور الإسلام - المجلد الأول - العدد السابع - رجب سنة ١٣٤٩هـ - ص ٤٨٣. (بتصرف)

1 / 9