398

أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد» (1) كلما استغنى الإنسان عن العالمين أكثر ، وبلغ مستوى استغنائه درجة لا يرى لملك سليمان قيمة ، ولا يأبه بخزائن الأرض عندما توضع بين يديه مفاتيحها . كما ورد في الحديث أن جبرائيل قد هبط من قبل الله تعالى بمفاتيح خزائن الأرض لخاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم ، فتواضع صلوات الله وسلامه عليه ورفض قبولها وافتخر بفقره .

ويقول علي بن أبي طالب عليه السلام لابن عباس «وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها» (2) ويقول الإمام علي بن الحسين عليه السلام «إستنكف أن أطلب الدنيا من خالقها فكيف بطلبها من مخلوق مثلي» .

وفي كتاب (سلسلة الرعية الكبرى) لنجم الدين ، بعد الإيمان المغلظة : «لو خيروني بين ثروة الدنيا وجاهها مع الجنة وحورها وقصورها من جهة ، وأرادوا مني مجالسة الأغنياء ، وبين البؤس في الدنيا والشقاء في الآخرة وأرادوا مني مجالسة الفقراء من جهة أخرى ، لاخترت الفقراء وابتعدت عن عار مجالسة الأغنياء والنار خير من العار . نعم إن أهل الحق يعرفون بأن التوجه نحو خزائن الدنيا والمال والجاه والمجالسة مع أهلها يسبب أي نوع من الكدورة والظلام في القلب ؟ وكيف يبعث على الوهن والفتور في العزيمة ، ويوجب الفقر والحاجة لدى القلب وفقره ، ويرفه عن الانتباه إلى النقطة المركزية الكاملة بصورة مطلقة ؟ ولكن عندما أعطيت أيها العزيز القلب إلى أهله والبيت إلى صاحبه وأعرضت عن غيره ولم تدفع البيت إلى الغاصب ، تجلى فيه صاحبه . ومن المعلوم أن تجلي الغني المطلق ، يدفع إلى الغنى المطلق ، ويغرق القلب في حر العزة والغنى ، فيمتلأ من الغنى وعدم الاحتياج «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين» (3) وينهض صاحب البيت بإدارة أموره ، ولم يترك الإنسان إلى نفسه ، وإنما يتدخل ويتصرف في جميع شؤون عبده ، بل يصبح هو سمعه وبصره ويده ورجله ، وتحصل ثمرة التقرب بالنوافل ، كما ورد في الحديث الشريف عن الكافي بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام في حديث : وإنه ليتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها الحديث » (4) فتوصد باب فقر العبد وفاقته نهائيا ويستغني عن العالمين .

ومن المؤكد أنه يرتفع من وراء هذا التجلي الخوف من جميع الكائنات ، ويحل الخوف الاربعون حديثا :403

مخ ۴۰۲