آراء نقدية په مشکلاتو کې فکر او کلتور
آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة
ژانرونه
لم يحاول ياسبرز أن يفكر بعمق في معنى تلك الحرية التي تكون حصيلتها النهائية هي شن الحروب وإحاقة الكوارث بالشعوب. وإنصافا له أقول إنه تنبه في أحد مواضع كتابه إلى الفارق بين الديمقراطية الشكلية والديمقراطية الحقيقية، وكان ذلك في صدد الحديث عن تلك الأغلبية التي اقترعت في ألمانيا لصالح هتلر، فقال: «عندما تقوم أغلبية بهدم الحرية ذاتها، وتجعل شخصا خارجا عن القانون يفعل ما يحلو له، لا تعود تلك الأغلبية ديمقراطية.» وهذا رأي صحيح كل الصحة، ولو طبقناه على تلك الأغلبية التي اقترعت لصالح جونسون؛ لأصبح الكلام متسقا كل الاتساق، ولانطبق بدقة على موقف الناخب الأمريكي الذي يظن نفسه «حرا» إزاء سفاح فيتنام، ومنكر الحقوق المشروعة للفلسطينيين، ولكن ياسبرز - للأسف البالغ - لم يقم بهذا التطبيق.
وعلى أية حال فقد عاش ياسبرز ليشهد أعنف مراحل حرب فيتنام وأكثرها وحشية، ولم يرتفع له صوت باستنكارها، وكذلك عاش ياسبرز ليشهد أبشع فصول المأساة الفلسطينية، ولكن هذه - على أية حال - قصة أخرى؛ فقد كانت زوجته يهودية، وكان لها عليه - فيما يبدو - سلطان غير قليل. •••
إنني لعلى يقين من أن الكثيرين من قراء هذه المقال سوف يحتجون بصمت لأني حاسبت ياسبرز فيه على آرائه السياسية في الوقت الذي كانت رسالته فيه - طوال الجزء الأكبر من حياته الفكرية - فلسفية قبل كل شيء، على أن ياسبرز ذاته كفيل بالرد على هذا الاحتجاج؛ إذ هو يدافع بقوة عن تدخل الفلسفة في السياسة، مؤكدا أن الفيلسوف قد لا ينجح في أمور السياسة اليومية التفصيلية، ولكنه قادر على أن يلقي ضوءا ساطعا على السياسة البعيدة المدى، والاتجاهات العامة لشئون الحكم، وهو يرفض بشدة الرأي الذي يتهم الفلسفة بأنها خيالية واهمة، تشيد قصورا في الهواء، ويدافع عن حق الفيلسوف في أن يتدخل في الأمور السياسية، بل يؤكد أن من واجب الفلسفة أن تواجه الواقع وتتغلغل في صميم الحياة (ص18، 19).
ولقد أكد ياسبرز - في مستهل الحديث التليفزيوني الذي أشرت إليه من قبل - أن الفلاسفة كانوا على الدوام يبدون آراءهم في السياسة، وأن هذا يصدق على أعظم الفلاسفة في التاريخ، مثل «كانت» وهيجل ونيتشه (ومن قبلهم أفلاطون بالطبع)، ولنستمع إليه وهو يقول: «لقد بدت لي الفلسفة منذ شبابي شيئا مختلفا كل الاختلاف عن مجرد قراءة كتب بديعة أو البقاء بمعزل عن العالم؛ فهي - على عكس ذلك - بدت لي شيئا يرشدني ويبعث في القوة عن طريق فهم الواقع الحاضر لعالمي ولذاتي ... ففي الوقت الحالي - وبالنسبة لي على الأقل - يبدو لي من الواضح أن الأرستقراطية (الفكرية) أصبحت اليوم عتيقة بالية، وأن الإنسان الذي يفكر ويريد أن يفعل شيئا ينبغي له أن يسير في الطرقات إن جاز هذا التعبير، وأن الفلسفة يجب أن تثبت - من الآن فصاعدا - أنها قادرة على الاهتداء إلى الصيغ أو بعث المشاعر الدافقة التي يمكنها أن تنتشر بين الناس» (ص195-6).
ذلك هو رأي ياسبرز في العلاقة بين الفلسفة والسياسة، فهل يمكن أن تكون النتيجة الوحيدة التي توصل إليها فلسفة «تسير في الطرقات» هي أن الغرب - بزعامة أمريكا - هو وحده حامي حمى الحرية في العالم المعاصر؟ هل هذه هي الصيغة التي يمكن حقا أن «تنتشر بين الناس»؟ ذلك - على أية حال - هو المدى الذي بلغه تفكير ياسبرز السياسي.
الثورة والتمرد عند ألبير كامي1
بعض الكتاب يطيلون الحديث عن الثورة دون أن يكون في نفوسهم إيمان عميق بها، وبعضهم يكتبون عن التمرد وفي أذهانهم معان تقضي على كل ما فيه من أصالة، وتزيف قيمته الحقيقية، ومن هؤلاء - في رأيي - ألبير كامي، الذي كرس لهذا الموضوع كتابا كبيرا - ربما كان أهم كتبه كلها - باسم «الإنسان المتمرد» (باريس 1951م)؛ ففي الكتاب هجوم على كل ثورة باسم حب الإنسانية، ودعوة إلى الاتزان والاعتدال باسم التمرد، وإنكار للتاريخ باسم الرجوع إلى الطبيعة، وتزييف لمعاني التقدم باسم القضاء على الاستعباد والدفاع عن التحرر.
وكتاب «الإنسان المتمرد» لا يمكن أن يوصف بأنه كتاب فلسفي نظري، وإنما هو - في واقع الأمر - كتاب سياسي في المحل الأول، يتضمن محاولة لفهم العصر وللتعبير عن ماهيته الباطنة، في ضوء النظرة الخاصة التي كونها كامي عنه، وفي الكتاب اعتراف بأن التمرد حقيقة ملازمة للإنسان تقتضيها طبيعته المتغيرة والمتطورة، ومع ذلك فهو يضع لعملية التمرد الأصيلة قيودا تقصرها على المجتمعات الغربية وحدها؛ فهو يتفق مع الفيلسوف الألماني ماكس شيلر في التفرقة بين التمرد والكراهية الحاسدة؛ ففي الثانية يعتمل الشر في النفوس ويظل في داخلها مكتوما، معبرا عن عجز وقصور لا مخرج منهما، أما التمرد فهو منطلق متحرر متغير، يعبر عن فيض من القوة والطاقة، ومن جهة أخرى فإن التمرد لا تكتمل شروطه حيث تكون اللامساواة هائلة أو حيث توجد مساواة مطلقة، وإنما يمكن أن يقوم التمرد «في مجتمع تختفي فيه مظاهر التفرقة الواقعية الصارخة وراء المساواة النظرية.» ومن هذا كله يستنتج كامي أن «مشكلة التمرد لا معنى لها إلا في حدود مجتمعنا الغربي.»
وهكذا يتخذ فعل التمرد عند كامي منذ البداية معنى يصبح فيه وقفا على مجتمعات الغرب في القرنين الأخيرين من تاريخها فحسب، ويفسر التاريخ السابق كله على نحو تصبح فيه الثورات القديمة العهد تعبيرا عن أي شيء سوى التمرد الأصيل، كذلك ينظر إلى المجتمعات الأخرى كلها - ما عدا المجتمع الغربي - على أنها عاجزة عن بلوغ مرحلة التمرد، وسواء أكان ذلك راجعا إلى عجز كامي نفسه عن التوغل في روح هذه المجتمعات غير الغربية، أو إلى نوع من التعصب اللاشعوري للحضارة التي ينتمي إليها، فمن المؤكد أن نظرته هذه - التي يستهل بها كتابه عن التمرد - نظرة تفتقر إلى الموضوعية وسعة الأفق. •••
في عصرنا هذا لم يعد التمرد - في رأي كامي - تمرد العبد على سيده، ولا تمرد الفقير على الغني، وإنما أصبح تمردا ميتافيزيقيا، أعني تمرد الإنسان على وضعه وموقفه الإنساني ذاته؛ فالتمرد الميتافيزيقي هو احتجاج على أوضاع الإنسان وعلاقته بالكون، وهو تأكيد لفردانية الإنسان وإنكار للأخلاقية، وهو سعي إلى تأكيد الذات إزاء عوامل اليأس ومظاهر الموت، ولكن على مستوى إنساني شامل، لا على المستوى الفردي وحده. هذا التمرد الميتافيزيقي يشجع على «الجريمة»، أي على مظاهر القسوة والتنكيل والقتل التي حفل بها عصرنا الحاضر، والتي بلغت قمتها في الفاشية والنازية، فهو يتمثل عند المركيز دي ساد الذي حبذ الجريمة صراحة، وفي أدب دستويفسكي يظهر دفاع عن النزعة العدمية التي يصبح فيها «كل شيء مباحا» وضمنه الجريمة بطبيعة الحال، وأخيرا فإن نيتشه لم يكن من دعاة الجريمة صراحة، ولكنه دعا إليها ضمنا حين جعل مثله الأعلى هو «الإيجاب والتأكيد»، فقبول المصير - بكل ما فيه من خير وشر - ينطوي ضمنا على قبول الجريمة.
ناپیژندل شوی مخ