ومد إلي يده بتذكرة دعوة.
واستمر يقول: هذه دعوة إلى حفلة كبرى بمنزل الوجيه حسام الدين بمصر الجديدة ... حفلة استقبال أمير كبير وولي عهد دولة شرقية صديقة، ستكون في الساعة التاسعة من مساء اليوم، والآن الساعة العاشرة صباحا، لا تعتذر بشيء فلك أن تشتري من الملابس ما تشاء، وسيكون المصورون تحت أمرك، ستكون هذه الحفلة موضوع أحاديث المجالس والأندية والمنازل طوال الأسبوع المقبل، وستسهر الإدارة حتى ترسل إليها المقال الذي ستكتبه في وصفها، لك صفحة بيضاء تكتب فيها ما تشاء بغير مراجعة، وستكون عربتي الخاصة تحت تصرفك.
لست أقول لك: «ما رأيك» ولكني أقول: «ها هي ذي يدي، إلى اللقاء.»
ليس عندي شيء أقوله لك إلا أن تكتب كما تكتب دائما، وهذه مائة جنيه تصرفها كما تشاء.
وتبسم عاطفا وهو يضع أمامي ورقتين من ذوات الخمسين جنيها، فوجدت نفسي مثل رجل يرى نفسه واقفا أمام طيارة على غير انتظار، وشخص آخر يدفعه قائلا له: «هلم إلى نيويورك.»
أأقول له لا أريد أن أذهب؟ هذه هي الكلمة التي كدت أنطق بها لولا أنني سمعته يقول لي باسما: «لا تضيع الوقت في الوقوف هكذا يا أستاذ سيد. سنطبع عشرين ألف نسخة فوق ما نطبعه كل يوم.»
وخرجت من عند الأستاذ وأنا أسأل نفسي كيف يفكر هذا الرجل، وأي نوع من المقالات يريد مني؟ أهي دعاية للسيد الوجيه؟ أم هي دعاية للأمير ولي عهد الدولة الصديقة؟ أم هي خطة لا أعرفها للبدء في معركة؟ لقد علمتني الأشهر التي عملت فيها مع الأستاذ علي مختار أنه رجل عميق الأغوار.
وسألت نفسي إلى أين أذهب؟ ولكني ركبت عربة الأستاذ، وقلت للسائق أول اسم خطر لي: محل مانويل.
ثم قلت في نفسي: ماذا أصنع بهذه الجنيهات كلها؟ بدلة عظيمة وحذاء جديد طبعا من النوع اللامع وماذا أيضا؟ رباط رقبة ومنديل وقميصان مثلا، ثم ماذا؟ أظن أن البائع سيفتح لي أبواب الشراء على وسعها، فلا حاجة بي إلى التفكير في طريقة الإنفاق منذ الآن، وتحقق ظني فلم أجد صعوبة في صرف الجنيهات عندما دخلت إلى محل «مانويل»، كما لم أجد صعوبة في اختيار الملابس والألوان، أخذت النقود تطير مني كالعصافير، قميص بخمسة جنيهات ورباط رقبة بثلاثة، ولم يكن من المناسب أن يكون لي قميص واحد، أو رباط رقبة واحد، والبدلة بثلاثين جنيها والحذاء بخمسة، وتذكرت أني في حاجة إلى ملابس تحتانية؛ لأن مثل هذه البدلة لا يليق بها أن تعتلي ملابسي القديمة، وبعض مناديل حريرية وجوارب وعلبة سجائر وقفاز وبعض زجاجات عطور.
ومجمل القول أني صرفت أكثر الجنيهات التي أخذتها من الأستاذ، ولم يبق في جيبي إلا بعض جنيهات «فكة»، ولبست البدلة لأجربها فوجدتها بديعة كأنها مفصلة على قدي، ونظرت إلى صورتي في المرآة ولست أبالغ إذا قلت أني كنت وجيها حقا، بل إني كنت أوجه من محمود خلف، وتمثلت نفسي واقفا أمام منى أقول لها: «أما تعجبك هذه البدلة السوداء؟»
ناپیژندل شوی مخ