فأدرك سلمان غرضه، فقال: «ذلك شيء يسير، فانتظرني إلى الغد فآتيك بالرأس إلى منزلك .» وافترقا.
وسار بهزاد توا إلى بيت أمه فاطمة ومعه عبادة وميمونة وهو يخاف أن يكون قد دهمها الموت أثناء غيابه، فقرع الباب وهو مصيخ بسمعه فلم يجبه أحد، فخفق قلبه، فقرع ثانية فسمع وقع أقدام في الداخل، ثم فتح الباب وأطل الخادم الذي فتحه له في المرة الماضية وأنس في وجهه تغيرا وانقباضا، فابتدره قائلا: «كيف الوالدة؟»
فرحب به وقال: «في خير، ولكنها تشكو ضعفا من شدة شوقها إليك.»
فأوصى الخادم بأن يدخل الضيفتين إلى غرفة ترتاحان فيها، وأسرع ودخل على والدته فوجدها ملقاة على سريرها وقد غارت عيناها وبرزت وجنتاها وبان فيها الهرم المتناهي، فوقف بإزائها وحياها بصوت ضعيف وهو يخشى أن تكون قد ماتت.
فلما سمعت صوته أفاقت وفتحت عينيها وأدارت رأسها ببطء لشده الضعف وتبسمت تبسما لا رونق فيه، فجثا بجانب سريرها وأكب على يدها وقبلها، فأشارت إليه أن يدنو منها، فقبلت جبينه ونظرت إليه نظرة مستفهم، فقال: «قد جئتك يا سيدتي بما تريدين، فغلبنا القوم الظالمين، وقتلنا خليفتهم الغلام الغر، وأصبح ابن أختنا المأمون خليفة المسلمين، وغدا يكون الخليفة علي الرضا صاحب الشيعة، ثم تعود الدولة إلينا؛ فها أنا ذا انتقمت لجدي بخنجره كما أمرت.» ومد يده فأخرج الخنجر وأراها أثر الدم على نصاله وقال: «وانتقمت لجعفر بن يحيى.»
فبان السرور في وجهها وتنهدت تنهد مرتاح، وقالت بصوت متقطع: «بورك فيك يا بني، لقد نزعت العار عن قومك، وجبرت قلب أمك.» ثم تنهدت وتململت وهي تتجلد وتغالب الضعف، وقالت: «أين الرأس الثالث؟»
قال: «يكون هنا في صباح الغد وتدفن الرءوس الثلاثة معا.»
فرفعت يدها نحو السماء كأنها تدعو له، ثم لمست وجهه لتباركه فأحس ببردها وجفافها، كأن أصابعها من حديد بارد. وأومأت إليه فانحنى عليها فقبلته ثانية وهمست في أذنه بصوت لا يكاد يبين: «ادفنه معي غدا.»
فنظر إلى وجهها الشاحب الضئيل، فرأى في عينيها دمعتين تحاولان الانحدار، ولا تجدان مخرجا من المقلتين لشدة غورهما وهي مستلقية فتحقق قرب أجلها، فابتدرها قائلا: «لقد باركتني يا أماه ، فأتوسل إليك أن تباركي فتاة ستكون شريكة حياتي كما كانت شريكتي في المصائب.» والتفت فأشار إلى الخادم أن ينادي ميمونة وعبادة.
وكانت ميمونة قد سمعت بهزاد يسأل الخادم عن أمه ساعة وصولهم فعلمت أنها في المنزل وأصبحت مشوقة إلى معرفة نسبه، فلما جاءت لمشاهدة أمه ذعرت لما رأته فيها من الضعف والشيخوخة، وبان ذلك عليها وأدرك بهزاد ذعرها، فابتدرها قائلا: «طالما أحببت أن تعرفي نسبي، فاعلمي الآن أن هذه الراقدة أمي، وهي بنت أبي مسلم صاحب الدعوة، مؤسس الدولة العباسية الذي قتل غدرا، كما قتل أبوك، وليس في خراسان من يعلم أني حفيد ذلك البطل إلا سلمان الخادم وأمي، والناس يحسبونني ربيبها لأني ولدت بعد وفاة أبي، وادعت هي أني ربيبها وأوقفتني على الانتقام لأبيها وسمتني كيفر. وقد آن لي أن أخبرك أيضا عما في ذلك الصندوق، فاعلمي أن فيه رأس جدي ورأس أبيك.»
ناپیژندل شوی مخ