الغفلة
الغفلة
خپرندوی
مطبعة سفير
د خپرونکي ځای
الرياض
سیمې
•سعودي عرب
سلطنتونه او پېرونه
آل سعود (نجد، حجاز، عصري سعودي عرب)، ۱۱۴۸- / ۱۷۳۵-
الغفلة
مفهومها، وخطرها، وعلاماتها، وأسبابها، وعلاجها
الفقير إلى الله تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
ناپیژندل شوی مخ
بسم الله الرحمن الرحيم (١)
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة في: «الغفلة: خطرها، وعلاماتها، وأسبابها، وعلاجها» بيَّنت فيها بإيجاز: مفهوم الغفلة، والفرق بينها وبين النسيان، وخطر الغفلة، وأنها مرض فتَّاك مهلك، وبيَّنت علاماتها التي من اتَّصف بها فهو من الغافلين، وذكرت أسبابها،
(١) أصل هذا الكتيب: محاضرة ألقيت بالدمام، بجامع الخفرة، يوم الخميس الموافق ٢٧/ ٧/١٤٢٦هـ.
1 / 3
وعلاجها، بإيجاز، والله تعالى أسأل أن ينفعني بما فيها في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع بها من انتهت إليه، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم؛ فإنه خير مسؤول وأكرم مأمول وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أبو عبدالرحمن
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
حرر عشية الثلاثاء الموافق ١٣/ ٣/١٤٢٧هـ.
1 / 4
المبحث الأول: مفهوم الغفلة لغة، واصطلاحًا:
الغفلة لغة: مصدر غَفَل يغفل غفولًا وغفلةً: تركه وسهى عنه، وأغفلتَ الشيء: تركته غَفَلًا وأنت له ذاكرًا، والتغافل والتغفّل: تعمُّد الغفلة، والغُفلُ: من لا يرجى خيره ولا يخشى شره، وما لا علامة فيه (١)، وفي الحديث: «من اتبع الصيد غفل» (٢)، أي: يشتغل به قلبه ويستولي
(١) لسان العرب لابن منظور ١١/ ٤٩٧، والقاموس المحيط، للفيروزآبادي، ص١٣٤٣.
(٢) وتمام الحديث: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلاطين افتتن، وما ازداد عبد من السلطان قربًا إلا ازداد من الله بعدًا». [أحمد في المسند ٢/ ٣٧١، ٤٤٠، وأبو داود، برقم ٢٨٦٠، وحسن إسناده العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/ ٢٦٧، برقم ١٢٧٢. وللحديث شاهد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلاطين افتتن» [النسائي، برقم ٤٣٠٩، وأبو داود بلفظه، برقم ٢٨٥٩، والترمذي برقم ٢٢٥٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٥٥٢، وفي غيره.
* ومعنى قوله ﷺ: «من اتبع الصيد غفل» أي لازم اتباع الصيد، والاشتغال به، غفل عن طاعة الله؛ لأن قلبه يشتغل به، ويستولي عليه، حتى يصير فيه غفلة، وربما =
= يغفل عن الجمعة والجماعة، أما من احتاج إلى ذلك ولم يشغله عن طاعة الله ﷿، فلا يدخل فيه، والله أعلم.
* ... قوله ﷺ: «من سكن البادية جفا: أي غلظ قلبه وقسا؛ لأن سكان البادية لا يخالطون العلماء إلا قليلًا، فلا يتعلمون مكارم الأخلاق، ورأفة القلب على صلة الأرحام والبر، والغالب عليهم أن طباعهم كطباع الوحوش؛ لقلة علمهم، ولبعدهم عن الناس.
* قوله ﷺ: «من أتى أبواب السلاطين افتتن» أي صار مفتونًا في دينه؛ لأنه إن وافقه في كل ما يأتي ويذر فقط خاطر على دينه، وإن خالفه فقد خاطر على دنياه، ولا شك أن المحذور في ذلك: الموافقة على ما لا يرضي الله ﷿، أو الطمع الزائد في الدنيا، أما من دخل عليهم من باب النصح والتعاون على البر والتقوى، والحذر [والتحذير] من كل ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ، فهذا من أعظم القربات، ومن أفضل الجهاد؛ لقوله ﷺ: «الدين النصيحة» قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم» [رواه مسلم برقم ٥٥]، وقال ﷺ: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» أو «أمير جائر» [أبو داود، برقم ٤٣٤٤، والترمذي برقم ٢١٧٤ بلفظ: «إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» وابن ماجه برقم ٤٠١١ بلفظ أبي داود إلا أنه لم يذكر كلمة أو «أمير» والحديث صححه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٥٧٣]. وانظر في شرح المعاني السابقة: تحفة الأحوذي للمباركفوري ٦/ ٥٣٢، وفتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود، لأمين محمود خطاب السبكي ٣/ ١١٧، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، لمحمد شمس الحق، ٨/ ٦١].
1 / 5
عليه، حتى يصير فيه غفلة (١).
(١) النهاية لغريب الحديث لابن الأثير، ٣/ ٣٧٥.
1 / 6
وقيل: الغفلة: سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ (١) (٢).
والغفلة اصطلاحًا: قيل: متابعة النفس على ما تشتهيه.
وقيل: إبطال الوقت بالبطالة.
وقيل الغفلة عن الشيء: هي أن لا يخطر ذلك بباله (٣).
وقيل: غيبة الشيء عن بال الإنسان وعدم تذكره له، وقد استعمل فيمن تركه إهمالًا وإعراضًا كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (٤). وقد جاء هذا المعنى في آيات كثيرة (٥).
(١) ألفاظ القرآن للأصفهاني ص٦٠٩.
(٢) وزاد الأصفهاني تفسير ألفاظ آيات: ق ٢٢، والأنبياء، ١، والروم ٧، ويس ٦، والأعراف ١٤٦، ١٣٦، ١٧٢، ٢٠٥، والكهف ٢٨.
(٣) الجرجاني ص٢٠٩.
(٤) المصباح المنير، ٢/ ٤٤٩، والآية ١ من سورة الأنبياء.
(٥) انظر: سورة الكهف ٢٨، والأعراف ١٧٩، ويونس ٧، و٩٢، والنحل ١٠٨، والروم ٧، ويس ٦، ومريم ٣٩، والأنبياء ١، و٩٧، وق ٢٢.
1 / 7
المبحث الثاني: الفرق بين الغفلة والنسيان:
* الغفلة: ترك باختيار الغافل.
* أما النسيان: فهو ترك بغير اختيار الإنسان.
* أما الذكر: فهو التخلص من الغفلة والنسيان (١)؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٢)، ولم يقل ولا تكن من الناسين؛ لأن النسيان لا يدخل تحت التكليف فلا ينهى عنه؛ لقول النبي ﷺ: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (٣).
وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» (٤).
(١) مدارج السالكين، ٢/ ٤٣٤.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٥.
(٣) ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، برقم ٢٠٤٥، عن ابن عباس ﵄، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١٧٨.
(٤) ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، برقم ٢٠٤٣، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١٧٨.
1 / 8
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تجاوز لأمتي عما توسوسُ به صدورها، ما لم تعمل به أو تتكلم به، وما استكرهوا عليه» (١).
(١) ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، برقم ٢٠٤٤، وانظر: صحيح سنن أبي داود للألباني ٢/ ١٧٨، وهو عند البخاري برقم ٦٦٦٤ بلفظ: «إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست - أو حدَّثت - به أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلم». وعند مسلم برقم ١٢٧، بلفظ: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم به».
1 / 9
المبحث الثالث: خطر الغفلة:
الغفلة مرض فتَّاك من أمراض القلوب، وقد حذر الله منها، وبيَّن عقاب من وقع فيها، ومما يدل على هذا ما يلي:
أولًا: توقع في الهلاك، قال الله تعالى في قوم فرعون:
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (١)، فأسباب هلاك قوم فرعون كثيرة، ولكن منها سببان: تكذيبهم بآيات الله، وتغافلهم عنها (٢).
ثانيًا: من أصيب بالغفلة الكاملة خُتِمَ على قلبه، وسمعه، وبصره، وكان أضل من الحيوان، والأنعام، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٣). فهم لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببًا للهداية، فقلوبهم لا يصل إليها فقه ولا علم، وأعينهم لا ينتفعون بها فلا يبصرون آيات الله، وآذانهم لا يسمعون بها ما ينفعهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (٦). ولم يكونوا صمًّا، ولا بكمًا، ولا عميًا إلا عن الهدى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٧). وقال
(١) سورة الأعراف، الآيتان: ١٣٥، ١٣٦.
(٢) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (ص ٥٤٠).
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٧٩.
(٤) سورة الأحقاف، الآية: ٢٦.
(٥) سورة البقرة، الآية: ١٨.
(٦) سورة البقرة، الآية: ١٧١.
(٧) سورة الأنفال، الآية: ٢٣.
1 / 10
تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٢).
ثالثًا: الغفلة، قرينة التكذيب بآيات الله تعالى: قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (٣)، فالسبب التكذيب والغفلة، فالغفلة قرينة التكذيب بآيات الله تعالى.
قال العلامة السعدي ﵀: «فردهم لآيات الله وغفلتهم عما يُراد بها، واحتقارهم لها، هو الذي أوجب لهم
(١) سورة الفرقان، الآية: ٤٤.
(٢) سورة الحج، الآية: ٤٦.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٤٦.
1 / 12