499

وكذلك اختلفوا في إمامة القاعد الذي لا يقدر على القيام بالقائمين، قال بعضهم: لا تجوز إمامة القاعد إلا بمن كان في منزلته؛ لقوله عليه السلام: ( صلاة أحدكم قاعدا مثل نصف صلاته وهو قائم )([8])، وقال بعض بجواز إمامة القاعد([9])، واختلف هؤلاء: كيف يصلي من خلفه، قال بعض: يصلون قعودا([10]) ولو كانوا صحيحين، والدليل على هذا: ما روي من طريق أنس بن مالك: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب فرسا، فصرع فجحش([11]) شقة الأيمن، فصلى وهو جالس، فصلينا وراءه قعودا، فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائما فصلوا قياما، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد )([12]). قال جابر بن زيد رحمه الله: وإنما يجوز هذا خلف أئمة العدل، وأما غيرهم فلا. وقال آخرون: إنما يصلون خلفه قياما([13])، والدليل: ما روي: ( أنه صلى الله عليه وسلم رأى إفاقة في مرضه الذي مات فيه، فأتى إلى المسجد وأبو بكر رضي الله عنه يصلي بهم، فصف عن يمين أبي بكر قاعدا، فأتم بهم الصلاة )([14]). فالمفهوم من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس قاعدا وهم قيام، ويكون فعله هذا ناسخا لقوله وفعله المتقدم؛ لأنه في مرضه الذي مات فيه وهو آخر فعله. والنظر يوجب عندي: أنه لا يجوز إمامة القاعد إلا إذا كان إمام العدل، كما قال جابر بن زيد رحمه الله، أو كان إماما يصلي فحدث إليه المرض وهو في الصلاة؛ فإنه يتم بهم وهو قاعد، والله أعلم.

وكذلك صلاة العليل بالأصحاء([15]) على هذا الاختلاف المتقدم؛ لأن العلة واحدة والعليل الذي ذكرناه هو الذي لا يفارقه النجس، أو من لبس ثوبا لا تجوز به الصلاة، ولم يجد غيره، أو من كان في يده حديد أو نحاس أو رصاص أو ذهب ولا يمكنه نزعه؛ فإنه لا يجوز له أن يصلي بغيره على هذا الحال لنقصان رتبته من رتبة أهل الإمامة.

مخ ۱