la negativité ؛ أعني قدرته على أن ينتزع نفسه من الواقع، ويخرج بوجوده عن نطاق ما هو معطى أو قائم بالفعل، وعلى أساس هذا المشروع يصبح كل فعل وكل اختيار تعبيرا عن نظرة معينة إلى العالم يتخذها كل فرد لنفسه، ويزيدها في كل فعل يقوم به وضوحا وتوسيعا وإثراء بحيث يكون كل فعل تعبيرا عن هذا المشروع ورمزا له.
فهل يمكن أن يكون للعلم مكان في مثل هذه الحرية؟ نستطيع أن نقول: إن القدرة على النفي وعلى الرفض، تتقارب حسب درجة العلم التي يصل إليها المرء، فهذا الرفض لا يتوقف على الإرادة وحدها، وإنما يتوقف أيضا على العقل، وعلى تحليل الواقع المعطى وفهمه ونقده، ومن هذا كله تظهر الرغبة في تجاوزه؛ أي إن حدود الإرادة والنطاق الذي تمتد إليه تتحدد في هذه الحالة وفقا للعقل وللعلم، ومن جهة أخرى فإن «المشروع » الذي يضعه إنسان واع بنفسه وبحقائق عالمه يختلف عن ذلك الذي يضعه من يفتقر إلى الوعي. وفي هذه الحالة بدورها يدخل العلم عنصرا ضروريا في الحرية الإنسانية. ومع ذلك فإن الفلسفة الوجودية ذاتها لم تقل بهذا الرأي، وهي لم تتعرض أصلا للدور الذي يمكن أن يقوم به العلم في تحديد نطاق الحرية الإنسانية مفهومة بالمعنى الذي حددوه هم أنفسهم لها.
إن الفعل الإيجابي - في الفلسفة الوجودية - لا يستهدف «الوصول» إلى الحرية، بل يستهدف «استغلال» حرية موجودة بالفعل لدى كل إنسان بقدر ما يكون إنسانا. أما العلم - من حيث هو عامل أساسي من عوامل تحقيق الحرية الإنسانية - فلا يفترض حرية أصيلة لدى الإنسان، وإنما يعمل حسابا للواقع العيني الذي يكون فيه غالبية الناس مستعبدين، ويتعين عليهم فيه بذل جهود لا حد لها من أجل الخلاص البطيء من الاستعباد، والعلم لا يعرف «حرية» واحدة تجريدية شاملة، بل يعرف «حريات» عينية متعددة، تقتضي كل منها جهدا مستقلا من أجل بلوغها، وإن كانت كلها تتضافر في «تحرير» الإنسان. بل إن العلم لا يعرف حرية «للإنسان» بوجه عام، وإنما يعرف حرية فئة من الناس في موقف تاريخي، أو في بيئة اجتماعية، أو في وضع طبقي معين. وفي كل الأحوال لا تكون الحرية - في نظر العلم - صفة كامنة في الفرد، أو معطى من المعطيات كحقيقة جسم الإنسان مثلا، بل هي شيء ينبغي اكتسابه واتخاذه هدفا لسعي لا يتوقف، تكون نقطة البداية فيه هي الاعتراف بأن العبودية والجهل - لا الحرية والوعي - هي القدر الغالب على الإنسان، والذي ينبغي عليه أن يكافح من أجل تجاوزه، وعندما يقول سارتر: «إنني محكوم علي بأن أكون حرا ... إن الإنسان لا يملك أن يكون تارة حرا وتارة أخرى عبدا. بل إنه حر بأكمله، وحر على الدوام، وإلا لما كان موجودا»،
3
عندما يقول ذلك فإنه يتحدث عن نوع من الحرية لا يعرفه الإنسان الذي نراه حولنا غارقا في ظلام الجهل، أو مستعبدا بيد مستعمر أو سيد إقطاعي، أو عاجزا أمام قوى عاتية لا يعرف مصدرها، ولا يدري كيف يواجهها، فأين هي هذه الحرية التي «حكم علينا» بها؟ أهناك من يود التخلص منها لو استطاع أن يكتسبها؟ أهناك من يشعر بأن حريته محكوم عليه بها؟ إننا لنطرب لحرية ونتوق إليها ونبحث عنها فلا نجدها في كثير من الأحيان، فكيف تكون شيئا يحكم علي به أو قدرا ومصيرا لا أملك دفعه؟
إن الحرية - كما قلنا - هدف بعيد ما زال يقتضي كفاحا لا هوادة فيه، وسلاحنا الأكبر في هذا الكفاح هو العلم، هو فهم الواقع من أجل السيطرة عليه على نحو متزايد، والقول بأن الحرية هي سمة الموقف الإنساني يتجاهل تلك التجربة المؤكدة التي تميز فيها بين إنسان متحرر وإنسان مستعبد، وهنا تبدو الوجودية وكأنها هي الوجه السلبي لمذهب الجبرية المطلقة، الذي ينفي وجود أية حرية، ويتجاهل بدوره تجربة التمييز بين الحر والمستعبد، فسواء نظرنا إلى الإنسان على أنه حر على نحو مطلق، أم مجبر على نحو مطلق؛ فنحن في الحالتين نصبغ الإنسان بصبغة واحدة، ومع ذلك فحتى لو كان الإنسان حرا أو مجبرا بصورة مطلقة، فلا بد أن يكون في وسعنا أن نميز - على أساس معين - بين وضعين للإنسان؛ أحدهما يتسم بالحرية والآخر يفتقر إليها، داخل هذه الحرية المطلقة أو الجبرية المطلقة، وإلا كنا نغفل عنصرا أساسيا من عناصر تجربتنا الفعلية . •••
إن مجرد وجود «مشكلة للحرية» هو في ذاته دليل على وجود الحرية؛ لأن «وجود» هذه المشكلة معناه أن الجبرية ليست هي السائدة، ومعناه أن هناك قدرا من الاعتراف بالحرية حتى في الأذهان التي تنكرها على المستوى الفلسفي. ولكن وجود «المشكلة» يعني - من جهة أخرى - أن الحرية ليست مكتملة وليست مطلقة. وليست تعبيرا عن «الوضع الإنساني» الذي نجد أنفسنا فيه، إن قيام «مشكلة» الحرية دليل على أن الحرية لم تكتسب بعد، وعلى أن الإنسان «لا يحكم عليه» بالحرية، بل يحكم عليه بالسعي طوال تاريخه من أجل التحرر، والانتقال «بوضعه الإنساني» من ألوان الاستعباد التي يحفل بها إلى السيطرة على واقعه وعلى الظروف المحيطة به.
وفي هذا السعي الدائم يقوم العلم - مفهوما بأوسع معانيه - بالدور الرئيسي في تحقيق الحرية الإنسانية، وهو إذ يسير في طريقه بتدرج وبطء ويتغلب رويدا رويدا على ما يعترضه من عقبات، وإذ تتكامل فيه جهود العقول المنفردة بحيث تكون كلها «عقلا» واحدا يتسع نطاقه زمانيا ومكانيا بلا انقطاع، يقدم إلينا أنموذجا رائعا ينبغي أن نحتذيه في الجهود التي نبذلها من أجل تحرير أنفسنا.
وحين نتخذ من العلم نموذجا نضعه نصب أعيننا في سعينا إلى تحقيق حرية الشخصية الإنسانية، سندرك أن الحرية جهد ومشقة، وأنها تقتضي مقاومة وتغلبا على الصعوبات، وأننا لا نكون أحرارا إلا بقدر ما نبدي إيجابيتنا في التعامل مع الطبيعة ومع المجتمع، وسنعلم عندئذ أن من يخاطبنا على أساس أننا «لا نملك إلا أن نكون أحرارا»، وعلى أساس أننا «محكوم علينا بالحرية»، قد تجاهل واقعنا وتاريخنا، وأن العلم وحده هو الذي يستطيع - من خلال تأثيره المباشر بوصفه معارف نظرية وتطبيقات عملية، أو من خلال تأثيره غير المباشر بوصفه منهجا في التعامل مع الموضوعات - أن يقدم إلينا أفضل مثل ينبغي أن نحتذيه في سعينا من أجل تحقيق الحرية الشخصية لأنفسنا وللإنسانية جمعاء.
الحقيقة الفنية
ناپیژندل شوی مخ