ومع ذلك فقد كان التفسير الشائع لصيغة «لابلاس» هو أنها تعني إلغاء الحرية. وكان من المألوف في أوساط المفكرين أن يقال: إن علم الفيزياء يؤكد استحالة الحرية الإنسانية، ومن هنا كان الحريصون على هذه الحرية يتحينون أية فرصة للخلاص من هذا المأزق الذي أوقعتهم فيه فكرة العلية الشاملة في العلم الطبيعي.
وحانت هذه الفرصة في أوائل القرن العشرين، حين حدث انقلاب حاسم في علم الفيزياء، انهارت معه مفاهيم الحتمية والعلية بمعناها التقليدي، وأصبح انعدام التعيين أو اللاتحدد كامنا في قلب جزئيات العالم المادي، وثبت أن التنبؤ الدقيق الكامل بمسار هذه الجزئيات مستحيل؛ لأن عملية الملاحظة ذاتها تتدخل في إحداث نوع من الانحراف في هذا المسار؛ بحيث تكون هناك قفزات غير متوقعة في دقائق المادة، يستحيل تطبيق مبدأ العلية الدقيقة عليها.
وكما سارع المفكرون من قبل إلى استخلاص نتائج تقضي على الحرية الإنسانية من صيغة لابلاس التي تؤكد الحتمية المطلقة، فقد سارع غيرهم إلى استخلاص نتائج تؤكد أن علم الفيزياء ذاته يؤيد الحرية الإنسانية، بعد أن ثبتت استحالة الحتمية بمعناها التقليدي. وكان من أصحاب هذا الرأي من بين العلماء المشهورين في أوائل القرن العشرين، فهذا أدنجتن
Eddington
يقول في أحد مؤلفاته: «نستطيع أن نلاحظ أن العلم يسحب بذلك (رأي بإدخال مبدأ عدم قابلية التنبؤ) معارضته المعنوية لفكرة حرية الإرادة، فأولئك الذين يقولون بنظرية حتمية عن النشاط الذهني ينبغي أن يفعلوا ذلك بوصفه نتيجة لدراستهم للذهن ذاته، لا على أساس أنهم بذلك يجعلونه أكثر تلاؤما مع معرفتنا التجريبية بقوانين الطبيعة غير العضوية.»
7
وفي كتاب آخر يقول: «إن الثورة في النظرية العلمية - التي طردت الحتمية من الفيزياء الحالية - لها نتيجة هامة هي أنه لم يعد من الضروري افتراض أن الأفعال البشرية محتمة مقدما بصورة كاملة، وعلى الرغم من أن باب الحرية البشرية قد فتح، فإنه لم يفتح على مصراعيه، بل ظهر قبس ضئيل من نور النهار. ولكني أعتقد أن هذا يكفي لتبرير إعادة توجيه نظرتنا إلى المشكلة ...»
8
ثم يقول: «وهكذا نستنتج أن نشاط الوعي لا يخالف قوانين الفيزياء، ما دام مبدأ اللاتعين السائد حاليا يسمح بوجود حرية تمارس عملها فيه.»
9
ناپیژندل شوی مخ