ادب نبوي

الأدب النبوي

خپرندوی

دار المعرفة

شمېره چاپونه

الرابع

د چاپ کال

١٤٢٣ هـ

د خپرونکي ځای

بيروت

سیمې
مصر
•
سلطنتونه او پېرونه
عثمانيانو
[الأدب النبوي]
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المحقق
الحمد لله حمدا يوافي نعمه، ويرفع نقمه، ويكافىء مزيده والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ وصحبه أجمعين وبعد:
فإن علم الحديث يعتبر من أهم العلوم الإسلامية بعد القرآن الكريم، حيث يعتبر المصدر الثاني من مصادر التشريع التي تلزم الإنسان في هذه الحياة، حتى يسير على هديها، وينعم بنعيمها يوم القيامة، وسعادتها عند لقاء الحق جل وعلا، ومن هنا كان لا بد للإنسان العاقل أن يبحث عن ذاك الهدي، وإن هذا الكتاب يمثل خير هذا الهدي. هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وهو الذي فيه الدواء الشافي لكثير من العلل والأسقام التي تعتري الإنسان في حياته الدنيا بالإضافة إلى أنه مليء بالحكم الخالدات والمواعظ البالغات، وهذا ما دفعني إلى الاعتناء بهذا الكتاب وتنقيحه وتخريج أحاديث ما أمكن. فكان عملي في الكتاب على النحو التالي:
١- خرّجت الآيات القرآنية ووضعتها بين قوسين مزهرين لتمييزها وبخط أسود.
٢- قابلت هذه النسخة على عدة نسخ مطبوعة فقمت بتصحيح الخطأ والتصحيف.
٣- خرّجت الأحاديث النبوية الشريفة ما أمكن ووضعتها بين علامتي تنصيص «» .
٤- شرحت بعض الكلمات الصعبة والمبهمة.
٥- ضبطت بعض الألفاظ بالشكل.

1 / 5

٦- وضعت في أعلى الصفحات ترويسات بأرقام الأحاديث وعناوينها ليسهل على القارىء الكريم الرجوع إلى الأحاديث.
وفي الختام أسأل الله ﷿ أن يلهمني السداد والتوفيق وأن يجعل عملي خالصا لوجه الكريم، وأن يحشرني تحت لواء سيد المرسلين ﷺ، والله يهدي إلى الحق وإلى الصراط المستقيم هو مولانا فنعم المولى ونعم النصير.
وكتب عبد المجيد محمد رياض طعمه حلبي حلب-

1 / 6

مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي بعث في الأميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته؛ ويزكيهم؛ ويعلمهم الكتاب والحكمة؛ ويهداهم إلى المحجة؛ ويبصرهم مواطن الحجة؛ أرسله على حين فترة من الرسل؛ وحاجة من البشر؛ فأهاب بالعقول من سباتها وأخذ بالنفوس عن غيها؛ وعرض على الأنظار خيالة- سينما- تمثلت فيها آي الكون الصامتة؛ وشنف الآذان باي الله الناطقة؛ وأثلج الصدور بحكمه البالغة؛ وأفاض على القلوب من عظاته المؤثرة؛ فكان مصدر خير ومبعث نور؛ وشمس هداية؛ أضاءت للعالم سبل المصالح؛ وهدتهم خطط العمل الناجح؛ فكانوا بإرشاده أمة؛ وبنوا من آدابه دولة؛ كان لها شأن في العصور السالفة؛ كما نرجو لها في الأيام القابلة؛ فصلوات الله وسلامه عليه؛ ورحمته وبركاته إليه؛ وعلى آله الطيبين وصحبه المخلصين ومن قفا أثرهم؛ واختط سبيلهم.
وبعد: فإن رسول الله ﷺ أدبه العليم الحكيم، بما أنزل عليه من آي الكتاب المبين؛ فكان تكوينه خير تكوين، وتثقيفه أول تثقيف؛ فصدرت منه آيات بينات؛ وحكم خالدات؛ وعبارات في الأدب غاية؛ وفي البدع نهاية؛ كان لها شأو بعيد؛ وأثر حميد؛ في تربية النفوس وإصلاحها؛ وتقويم الأخلاق وتهذيبها؛ وقد تولى الفضلاء السابقون كلمه ﷺ بالشرح والبيان؛ والاستنباط والاستنتاج؛ ولكن أدخلوا في طي ذلك ضروبا من الإعراب، وشتيتا من الروايات؛ وخليطا من الاستطراد؛ وكانوا يكتبون بلغة عصرهم، وروح وقتهم؛ ويمثلون من مشهودهم؛ فكان في ذلك إملال على القارىء؛ وإبعاد عن عصره الحاضر؛ خصوصا إذا لم يضرب في النحو بسهم غائر؛ ولم يكن له من فن الرواية حظ وافر؛ فأردت- ألهمني الله وإياك سبيل السداد-

1 / 7

إلى مئات من الأحاديث المنتقاة المتخيرة؛ التي تمتّ إلى العصر الحاضر بكبير الصلة فجمعتها جمعا؛ صحيحة غير معتلة؛ وقيمة غير معوجة؛ وتوليتها بالشرح والبيان شرحا يجاري الحياة؛ ويفصل شئونها؛ ويجلي غوامضها؛ ويحكم في أمورها؛ ويضرب في صميمها؛ شرحا يلمحه الأديب فيروقه رصفه؛ ويقرأه المربي فيسايره نهجه؛ وينظره القارىء الساذج فيسهل عليه فهمه؛ وتروى منه نفسه؛ شرحا فيه لكل مدرّس غنية؛ ولكل طالب بغية؛ ولكل راغب في الدين أو الخلق منية؛ وقد ضمنته جميع الأحاديث المقررة بالمدارس المصرية على اختلاف درجاتها كما ترى ذلك في الجدول الملحق بالفهرس، وأضفت إليها أضعافها مما يملأ نفس الراغب، ويسد جوعة الناهم وقد جعلته قسمين؛ أسهبت في شرح أولهما وأوجزت في آخرهما: إذ كان البيان السابق، داعية الإيجاز في اللاحق، والله يهديناا إلى سواء السبيل، ويوفقنا لخدمة هذا الدين، هو مولانا فنعم المولى ونعم النصير.
محمد عبد العزيز الخولي

1 / 8

١- باب: أثر النيات في الأعمال
عن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إنّما الأعمال بالنيّات، وإنّما لكلّ امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» . [رواه البخاري ومسلم وغيرهما]، وفي رواية زيادة: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»، ثم عقّبها بالجملة الأخيرة «١» .
اللغة:
الأعمال: الشاملة لأعمال اللسان المسماة بالأقوال، ولأعمال الأعضاء الآخرى من رأس ويد ورجل وغيرهما. والنيات: جمع نية، وهي: القصد، وبعبارة أوسع هي: انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر.
وعرّفت في الشرع: بأنها الإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضا الله وامتثال حكمه، وكلمة «إنما» تفيد التأكيد والقصر كقصر الأعمال هنا على نياتها من تحصيل غرض ديني أو دنيوي، والهجرة: ترك مكان إلى مكان آخر مأخوذة من الهجر، وهو مفارقة الإنسان غيره ببدنه أو لسانه أو قلبه، واستعملت في لسان الشارع في ترك دار الخوف إلى دار الأمن، كما فعل بعض الصحابة في تركهم مكة إلى الحبشة أول الأمر، وفي ترك دار الكفر إلى دار الإسلام فرارا بالدّين كما فعل المسلمون في مغادرتهم مكة إلى المدينة لما انتشر الإسلام فيها، وهاجر إليها رسول الله ﷺ، وفي ترك ما نهى الله عنه، والدنيا: مؤنث الأدنى مأخوذة من الدنو وهو القرب، وتطلق على الحياة الأولى للإنسان، وعلى المخلوقات.

(١) رواه البخاري في كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ (١) . ورواه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: قوله ﷺ «إنما الأعمال بالنية» (٤٩٠٤) .

1 / 9

الشرح:
قد يتصدق إنسان ليقال: إنه محسن، أو ليحظى بمكانه عند مليك أو وزيرا أو مديرا؛ أو ليكسب خدمة ممن تصدق عليه؛ وقد تصدق آخر ليكف يدا عن السؤال؛ أو ليحفظ على بائس عفته وحياءه؛ أو لمجرد الامتثال لأمر الله بالإنفاق؛ أو لابتغاء ثوابه ورضوانه؛ فالعمل من الشخصين واحد وهو التصدق ولكن اختلفت درجته باختلاف النية الباعثة عليه فهو من الأول في درجة دنيا لأنه قصد به منفعة دنيوية شخصية لولاها لما تصدق فباعث الخير الحقيقي لم يتوطن نفسه؛ ومن الثاني في درجة عليا للباعث الطيب الذي ملأ قلبه وهو محبة الخير للناس؛ وحفظ الكرامة عليهم؛ والامتثال لأمر الله؛ وابتغاء مرضاته، مثل هذا يرجى منه خير كبير؛ ويرجى منه متابعة المعروف فهو مورد دائم لذوي الحاجات؛ وفي مثل هذا يقول الله:
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ بستان بمكان عال أَصابَها وابِلٌ مطر غزير فَآتَتْ أُكُلَها ثمرها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ مطر قليل وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ «١» .
أمّا الأول: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ «٢» حجر أملس عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا أملس لا نبات عليه. فالثاني: عمله مثمر؛ والأول غير مثمر. شخص يصلي ليرائي الناس فيسموه بالصلاح؛ أو يكلوا إليه عملا ماليا يطلق فيه يده بالاختلاس؛ وآخر يصلي قياما بالواجب؛ وتطهيرا لنفسه؛ وإرضاء لربه؛ أصلاتهما بدرجة واحدة؟ لا.
كاتب أو شاعر أو خطيب يدعو إلى مصلحة عامة؛ والباعث له وظيفة يرجوها أو حظوة «٣» عند ذي سلطان؛ أتكون درجته كاخر يدعو إلى ذلك لأن فيه خير الأمة؛ ولأن هذا بوحي قلبه المخلص لبلده؟ لا يستويان. فإن الأول إذا لم يصل لبغيته حطم قلمه؛ أمّا الثاني: فإنه دائب الدعوة، ولو لاقى في سبيل ذلك الصعاب؛ وقل مثل ذلك في سائر الأعمال؛ وبهذا عرفت أن معنى الجملة الأولى: الأعمال تابعة للنيات مقدّرة بها؛ وموزونة بميزانها؛ فدرجة كل عمل من درجة النية الباعثة عليه؛ فإن كانت

(١) سورة البقرة، الآية: ٢٦٥.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦٤.
(٣) حظوة: مكانة ومنزلة.

1 / 10

خيرا فخير؛ وإن شرا فشر؛ وإن شريفة فشريفة؛ وإن وضيعة فوضيعة؛ ولا تبديل لذلك، وهذا هو معنى الحصر أو القصر.
وذهب بعض الشرّاح إلى أن معنى العبارة: صحة الأعمال بالنية؛ أي إنها لا تكون معتبرة في نظر الشارع؛ مترتبة عليها آثارها إلا بالنية.
فالوضوء أو التيمم مثلا لا يعتبران شرعا بحيث تؤدى بهما الصلاة أو يباح بهما مس المصحف إلا إذا سبقتهما أو صاحبتهما النية؛ أما بدون النية فلا عبرة بهما فالنية على هذا التقدير لا بد منها في المقاصد كالصلاة والحج، والوسائل كالوضوء والتيمم. وقدّر بعضهم: كمال الأعمال بالنية ولذلك لم يشترطها في الوسائل وإن شرطها في المقاصد؛ وما قررناه أولا هو الظاهر وهو الذي يلائم التفريع الآتي.
وإذا عرفت أنّ درجة الأعمال من درجات نياتها، وكان لكل عمل جزاء سعادة في الدنيا؛ ونعيم في الآخرة؛ أو خلافهما: بيّن الرسول ﷺ بالجملة الثانية أن لكل إنسان جزاء ما نواه؛ فمن كانت نيته ثواب الله ومرضاته فله ذلك؛ ومن كانت نيته شرا فله الويل؛ ومن نوى عرضا دنيويا محضا فلاحظ له في الثواب، وقد أفاد الحصر في هذه الجملة أن ما لم ينوه المرء لا شيء له أو عليه منه.
الهجرة: الإنتقال من مكة دار الكفر إلى يثرب دار الإسلام وكانت من أبر الأعمال يوم كانت مكة في أيدي المشركين إذ بها يتمكن المسلم من إقامة شعائر الدين كاملة؛ ويستمع الوحي الذي كان يترى «١» نزوله؛ ويتعلم من رسول الله ﷺ ما هو نور له يسعى بين يديه؛ وينضم إلى فئة المسلمين المجاهدين؛ فيزيدهم قوة إلى قوة؛ ولما فتح المسلمون مكة سنة ثمان؛ وأصبحت دار إيمان لم تبق حاجة إلى الهجرة اللهم إلا هجرة من دار كفر وبغي إلى دار إيمان وعدل للشرع فيها قيام، وللمسلمين عزة وسلطان؛ فتلك لا تزال باقية إلى يوم القيامة وقد بيّن الرسول ﷺ في هذا الحديث- تطبيقا على القاعدتين السابقتين- أن الهجرة من الناس ليست بدرجة واحدة عند الله؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ أي يقصد بها خدمة الدّين؛ وإعلاء كلمة الله بتعلم كتابه وسنة رسوله؛ والعمل بهما؛ وإقامة سلطانهما، والتمكين لهما- فهجرته إليهما أي هي الهجرة الحقة، التي تنبغي لكل مسلم مخلص؛ والتي

(١) يترى: أترى: عمل أعمالا متواترة بين كل عملين فترة.

1 / 11

يستحق عليها الثواب الجزيل والأجر العظيم؛ ومن كانت هجرته بقصد آخر: كمال يبتغيه، أو مناخ طيب يريد الإقامة فيه، أو فرار من غريم، أو من شرير أثيم، أو من حاكم ظلوم، أو ملك غشوم، أو امرأة يريد زواجها. وطيب العشرة معها- إلى غير ذلك من الأغراض الدنيوية، والمصالح الشخصية- فهجرته إلى ما هاجر إليه، أي ليس له إلا ما قصده فليس له ثواب المهاجر لخدمة الدّين بل لا ثواب له مطلقا مادام لم يكن في عمله قصد القربة إلى الله، وإنما له ما نواه لا يعدوه إلى جزاء المقربين.
والحديث يحبب إلينا الرغبة في معالي الأمور، ويحثنا على الإخلاص في الطاعات، ويحضنا على خدمة الدّين ولو بمفارقة الوطن، والمال والولد، ويبين أن الأعمال ليست بمظهرها. بل للباعث عليها أثر كبير في انحطاطها أو علوها، وعقابها أو ثوابها.
٢- باب: دعائم الإسلام
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة ألاإله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والحجّ وصوم رمضان» [رواه البخاري ومسلم] «١» .
اللغة:
الإسلام في اللغة: الانقياد والخضوع، أو الدخول في السلم- ضد الحرب- ويقال في الشرع على ضربين: أولهما الإعتراف اللساني بالله وبرسوله ﷺ و... الخ وافق القلب اللسان أو خالف، وثانيهما التصديق بالقلب إلى التصديق باللسان مع الوفاء بالفعل والاستسلام لله في جميع ما قضى وقدّر، وهذا أنسب معانيه بحديثنا، والشهادة: قول صادر عن علم حصل لمشاهدة بصر أو بصيرة، وتقال لمطلق الإقرار والاعتراف، والإله: المعبود، والصلاة في الأصل: الدعاء وتقال:
للعبادة المعروفة لما فيها من الدعاء والتوجه إلى الله. وإقامتها: تقويمها بالخشوع فيها، والتفكر في معانيها، وتذكّر من أقيمت له، فهي من أقام العود إذا قومه،

(١) رواه البخاري في كتاب: الإيمان باب: دعاؤكم إيمانكم (٨) . ورواه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام و.. (٢١) .

1 / 12

وفسرت الإقامة: بالمداومة عليها والقيام بها في أوقاتها، والزكاة في الأصل: مصدر زكا الزرع يزكو إذا نما وأطلقت في عرف الشارع: على ما يخرجه الإنسان من ماله حقا لله تعالى ليصرف لذوي الحاجات وفي المصالح العامة، والصوم في اللغة:
الإمساك، والمراد به هنا ترك الطعام والشراب والجماع يوما كاملا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. والحج في اللغة: القصد والمراد به في لسان الشارع: قصد البيت الحرام- الكعبة- للطواف به والسعي بين الصفا والمروة- موضعين بجوار المسجد الحرام- والوقوف بعرفة: واد واسع على نحو ألفي متر من المسجد الحرام، إلى غير ذلك من باقي شعائره المعروفة.
الشرح:
يمثل الرسول ﷺ أصول الإسلام وقواعده بالأشياء التي يقوم بها بناء البيت من أحجار وأخشاب وجير أو طين، ورمل وإسمنت، وحديد وغيره، فكما للبيت عناصر أولية كذلك للإسلام الذي هو تصديق وعمل وخضوع واستسلام وأصول هي منه كعناصر البيت، وهي ما ذكرت في الحديث، وهناك أمور أخرى هي من هذه كالفروع من الأصول، أو هي من آثار الإحسان في هذه الأمور كحسن المعاملة للناس أثر من آثار الإحسان في الصلاة، والجهاد في سبيل الله لازم للعقيدة الخالصة إذ هو دفاع عنها أو نشر لها، وما من مبدأ يملك النفس إلا سخرها وسخر ما تملك في سبيل خدمته وصيانته، ونشره وإذاعته، وهاك بيان القواعد الخمس:
فأولاها: الاعتراف بأنه لا إله حقيقي تجوز عبادته ويصمد «١» إليه في قضاء الحوائج الخارجة عن متناول البشر إلا الله
، الذي خلق كل شيء وبيده وحده الأمر والتدبير، أما ما يعبده الجاهلون من شمس وقمر، وحيوان وعجول، وأصنام وأوثان، وأنبياء وأولياء، فإنه الباطل والشرك، والظلم بترك الشكر لصاحب النعمة إلى من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا حياة ولا موتا.
وكذلك الاعتراف بأن محمدا رسول الله أرسله على حين فترة من الرسل لهداية البشر، وإرشادهم لمصالحهم الحقيقية، وإعانتهم على شؤون الحياة. والاعتراف بالوحدة لله والرسالة لمحمد أساس الاعتراف بالحقائق ومبدأ الهداية الحقة ولذلك بدأ به الرسول ﷺ.

(١) يصمد: يعمد ويقصد.

1 / 13

وثانيتها: الصلاة
، وهي دعاء وابتهال، وخشوع وامتثال، توثق صلة العبد بربه، فيفيض عليه من خيره، وتطهر نفسه من التكالب على أعراض هذه الحياة وتعوّده الإخلاص والابتعاد من النفاق؛ تبعث في جسمه النشاط بما يقوم به من حركات؛ وتمرنه على النظام؛ وأداء الأمور في مواعيدها المضروبة، يقرأ فيها القرآن وقلبه خاشع، وذهنه حاضر، فيتعلم من علومه ويهتدي بهداه؛ وتصفو نفسه؛ ويستنير عقله لهذا كانت عنصرا أساسيا في بناء الإسلام.
وثالثتها: الزكاة:
وهي قليل من مالك؛ الزائد عن حاجتك؛ تخرجه للفقراء والمساكين؛ وتحرّر به رقاب الأسرى العانين؛ وتعين به الغارمين «١» المدينين؛ وتقوي به صرح هذا الدين؛ فتكون بذلك قد رفعت البؤس عن البائسين، فيحبونك؛ ويجلّونك ويحافظون على حياتك ومالك، محافظتهم على رأس المال، إذ كنت مصدر رزقهم، ومحط آمالهم، وتكون بذلك خدمت دينك خدمة قيمة إذ جاهدت في سبيله بمالك، وخدمت نفسك بتطهيرها من رذيلة البخل والشح، وتعويدها الخير، ورفع مقامها بين الخلق.
ورابعتها: صوم رمضان:
يطهر معدتك مما علق بها من بقايا الطعام؛ ويريحها من العمل عدة أيام، وينمي في نفسك الشعور بحال الفقير والمسكين، إذ به تذوق ألم الجوع والظمأ، فتذكر إخوانا لك بائسين؛ تذكرهم بمعونتك وبرّك ويزكي فيك روح التفكير، إذ البطنة تذهب بالفطنة؛ ويذكرك في كل لحظة بإله هو رب نعمتك؛ فترطب بذكره لسانك؛ وتقرأ من القرآن ما بدا لك، إلى غير ذلك من حكمه وأسراره.
وخامستها: حج البيت:
فتذهب إلى مكة البلد الأمين؛ الذي نشأ فيه سيد العالمين، ونبت فيه هذا الدين، وترى أول بيت وضع للناس؛ وتقوم بأعمال مختلفة كلها قربات؛ من طواف وصلاة وسعي ووقوف بعرفات؛ وذكر وتهليل وتلبية وتكبير، وذبح قرابين وتصدق على الفقراء والمساكين؛ فتهذب نفسك بالسفر؛ وتذكر النشأة الأولى للإسلام الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ «٢»، وتجتمع بإخوانك المسلمين، الذين

(١) المغرم: المثقل بالدّين.
(٢) سورة الذاريات، الآية: ٥٥.

1 / 14