ادب غرباء

أدب الغرباء

ژانرونه
Journeys and Diaries
•
سیمې
ایران
•
سلطنتونه او پېرونه
بويهيان

[أدب الغرباء]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا برضيه ويوجب المزيد من فضله، وإياه نسأل إيزاع الشكر على ما أولى من نعمه

ودفع من نقمه. وصلوات الله ورضوانه على سيدنا محمد وآله لطاهرين من كل دنس، وبركاته

وتسليمه.

أما بعد، فإن أصعب ما ناب به الزمان ولقي في عمره الإنسان، عوارض الهم ونوازل الغم، نعوذ

بالله منهما. وحدوثهما يكون بأسباب أتمها حالا في السورة وأعلاها درجة في القوة: تغير الحال من

سعة إلى ضيق، وزيادة إلى نقصان، وعلو إلى انحطاط، والله سبحانه أخبرنا أن ذلك إحدى العقوبات

التي تهدد بها وخوف منها، فقال تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال

والأنفس والثمرات وبشر آخر (اب) الصابرين} ولهذا الباب بين الناس من الشهرة والتعارف،

والظهور والتكاشف، ما يغني عن إقامة الدليل على صعوبته، وتقوية الشاهد على صفته، وربما قاد

الفراغ إلى التشاغل بغير مهم، ودعا التفرد إلى مقاربة النغص، وحملت الحاجة على تورط الحتوف،

وسهلت المحن ركوب كل مخوف. والذي بي من تقسم القلب، وحرج الصدر، يسومانني إلى مثل ما

ذكرته، ويبعثانني على مثل ما قدمته. فأشغل النفس في بعض الأوقات بالنظر في أخبار الماضين،

وأحاديث السالفين، فربما أسلت ذا شجن، وتأسى بمتضمنها ممتحن، فأنا في ذلك كغريق اللجة بما يجد

يتعلق، ويتشبث طلبا للحياة بما لحق. وقد جمعت في هذا الكتاب ما وقع إلي وعرفته، وسمعت به وشاهدته، من أخبار من قال شعرا في

غربة، ونطق عما به من كربة، وأعلن الشكوى بوجده إلى مشرد عن أوطانه، ونازح الدار عن

إخوانه، فكتب بما لقي على الجدران، وباح بسره في كل حانة وبستان، إذ كان ذلك قد صار عادة

الغرباء في كل بلد ومقصد، وعلامة بينهم في كل محضر ومشهد، فأرى الحال تدعو إلى مشاكلتهم

وحيف الزمان يقود إلى التحلي بسمتهم.

مخ ۱

ونسأل الله خير ما قدر وقضى، والمعونة على الدين بالدنيا، وعلى الآخرة بالتقوى، إنه على كل

شيء قدير. فمن ذلك ما حدثني به أبو عبد الله أحمد بن جيش التمار قال: حدثني أبي، عن بعض ولد

أحمد بن هشام، عن أبيه قال:

كنت في جملة عسكر المأمون حين خرج إلى بلد الروم، فدخل وأنا معه إلى كنيسة قديمة البناء

بالشام، عجيبة الصور. فلم يزل يطوف بها، فلما أراد الخروج قال لي: من شأن الغرباء في الأسفار

ومن نزحت به الدار عن إخوانه وأترابه، إذا دخل موضعا مذكورا، ومشهدا مشهورا، أن يجعل لنفسه

فيه أثرا، تبركا بدعاء ذوي الغربة، وأهل التقطع والسياحة. وقد أحببت أن أدخل في الجملة، فابغ لي

دواة. فكتب على ما بين باب المذبح هذه الأبيات:

يا معشر الغرباء ردكم ولقيتم الأخبار عن قرب

قلبي عليكم مشفق وجل فشفا الإله بحفظكم قلبي

إني كتبت لكي أساعدكم فإذا قرأتم فاعرفوا كتبيوروي لنا عن إسحاق بن عبد الله قال:

كنت في خدم أبي جعفر. فدخل قصر عبدويه وأنا معه. فقال: أعطني فحمة. فناولته، وكتب هذا

الشعر على الحائط:

المرء يأمل أن يعيش وطول عيش قد يضره

تودي بشاشته ويعقب بعد حلو العيش مره

وتسوؤه الأيام حتى لا يرى شيئا يسره

كم شامت بي إن هلكت وقائل لله دره

قال: فما لبث إلا قليلا. والشعر للبيد.

وحدثني أحمد بن زياد الكاتب، شيخ لقيته ببغداد، من أهل همذان قال: حدثني أبو الحسن علي بن

يحيى المنجم، عن أبيه قال:

أخذ الواثق يوما بيدي يتكئ عليها، ويطوف على الأبنية بسر من رأى ليختار منها بيتا يشرب فيه

في ذلك اليوم. فلما انتهى إلى البيت المعروف بالمختار استحسنه، وجعل يتأمله وقال لي: هل رأيت

مخ ۲

أحسن من هذا البيت؟ قلت: يمتع الله أمير المؤمنين به، وتكلمت بما حضرني. وكانت فيه صور عجيبة، من جملتها صورة بيعة فيها الرهبان، وأحسنها صورة شهار البيعة، ثم أمر بفرش الموضع

وإصلاح المجلس، وحضر الندماء والمغنون، وأخذنا في الشرب، فلما انتشى أخذ سكينا لطيفا كانت

بين يديه، وكتب على الحائط كأني أراه: ما رأينا كبهجة المختار لا ولا مثل صورة الشهار

مجلس حف بالسرور والنرجس والآس والغنا والبهار

ليس فيه عيب سوى أن ما فيه سيفنيه نازل المقدار

فقلنا: يعيذ الله أمير المؤمنين ودولته من هذا. ووجمنا. فقال: شأنكم وما واتاكم، فما يقدم قولي خيرا

ولا يؤخر شرا.

قال: واجتزت منذ سنيات بسر من رأى، فرأيت بقايا هذا البيت وعلى حائط من حيطانه مكتوب:

هذي ديار ملوك دبروا زمنا أمر البلاد وكانوا سادة العرب

عصى الزمان لهم من بعد طاعته فانظر إلى فعله بالجوسق الخرب

وبركوارا وبالمختار قد خليا من ذلك العز والسلطان والرتب

وحدثني أبو عبد الله الواسطي الشاعر المعروف بابن الآجري قال:

كنت أعاشر جماعة من أهل الظرف وأولاد الرؤساء ونجتمع على الشراب دائما. فدعانا فتى منهم

إلى العمر الذي في أسفل مدينة واسط، ويعرف العمر بعمر سفر يشوع. فمضينا ومعنا من الغناء

والآلة والشراب كل شيء ظريف، وأقمنا بالعمر ثلاثة أيام، ومضت لنا به أوقات طيبة، وانصرفنا

في اليوم الرابع وتفرقنا بعد ذلك للمعايش والمتصرفات. فلما كان ذلك بشهور دعينا إلى العمر، فلما

حصلنا في القلاية التي كنا شربنا فيها في تلك الدفعة قال لنا الفتى: ألا أخبركم بحالي بعدكم؟ قلنا:

مخ ۳

بلى. قال: إنكم لما انصرفتم من عندنا جاءني شاب له رواء ومنظر حسن، ومعه غلام نظيف الوجهفي مثل زيه، أحسبه حبيبا له. فقال لي: أين الفتيان الذين كانوا عندك مجتمعين؟ فقلت: غلسوا في الانصراف. فحزن وتبينت الكآبة في وجهه. ثم سألني عن حالكم، وما صنعتم، وكم أقمتم. فحدثته،

فانبسط، واستدعى ما أكل هو وصاحبه، وأخذا في الشرب، وطربا، وأقاما على حالهما ثلاثة أيام،

ففعل مثل فعلكم. فلما كان في اليوم الرابع ودعني وأخذ فحمة وكتب على حائط البيت شعرا، وقال:

إن عادوا أوقفهم عليه، وانصرف. فنهضنا إلى البيت فإذا هو:

إخوتي إني سمعت بكم فقصدت العمر من طرب

فوجدت الدهر فرقكم وكذاك الدهر ذو نوب

وسألت القس ما فعلوا فأجاب القس بالعجب

ففعلنا مثل فعلكم وشربنا من دم العنب

بنت كرم عتقت زمنا منذ عهد اللات والنصب

وجنينا الحلو من ثمر وأكلنا يانع الرطب

وتفرقنا على مضض كلنا يدعو بواحربي

فلما عدنا إلى واسط بحثنا عن الرجل فلم نعرف له خبرا، فعلمنا أنه غريب اجتاز بالبلد.

وقرأت في كتاب: خرج عبد الله بن جعفر متنزها، فأدركه المقيل فقال تحت شجرة. فلما أراد

الركوب كتب على الشجرة:

خبرينا، خصصت يا سرح بالغي ث بصدق، والصدق فيه شفاءهل يموت المحب من ألم الحب وهل ينفع المحب اللقاء

ثم ركب متنزها، فرجع فقال تحتها، وإذا أسفل كتابته مكتوب:

إن جهلا سؤآلك السرح عما ليس يوما عليك فيه خفاء

ليس للعاشق المحب من العيش سوى منظر الحبيب دواء

حدثني أبو الطيب أحمد بن محمد المخرمي قال: حدثني بعض بني نوبخت قال: لما اجتاز الرشيد

في طريقه إلى خراسان أقام بحلوان أياما، ثم رحل فوجد بخط على حجر كان بالقرب منه:

حتى متى أنا في حل وترحال وطول سعي وإدبار وإقبال

ونازح الدار لا أنفك مغتربا عن الأحبة لا يدرون ما حالي

بمغرب الأرض طورا ثم مشرقها لا يخطر الموت من حرصي على بالي

مخ ۴

ولو قنعت أتاني الرزق في دعة إن القنوع الغنى، لا كثرة المال وحدثني أيضا قال: قال لي رجل من أهل الشام: اجتزت بمنارة الإسكندرية فدخلتها لأرى عجيب

بنائها وما أسمع من صفتها، فإني لأطوف فيها فمررت بموضع في أعلاها فيه خطوط الغرباء

والمجتازين قديمة وحديثة. وإذا في جملة ذلك موضع مكتوب بحبر بين: يقول محمد بن عبد الصمد:

وصلت إلى هذا الموضع في سنة سبعين ومائتين. وصلت إليه بعد نصب وشقاء، وملاقاة ما لم

أحسب أني ألقى. ولم أحب الانصراف عنه إلا بعد أن يكون لي به أثر، فقلت هذه الأبيات وكتبتها

فيه: شردتني نوائب الأيام ورمتني بصائبات السهام

فرقت بين من أحب وبيني ويح قلبي المتيم المستهام

لهف نفسي على زمان تقضى فكأني رأيته في المنام

وتحته مكتوب: يقول فلان بن فلان - وقد محا الاسمين طول العهد - وصلت إلى هذا الموضع في

رجب سنة ثلاث وثلاث مئة، على مثل حال المشرد عن إخوانه ، المطرود عن أوطانه، وقرأت

الأبيات، وما أعرفني بالغرض فيها وأوقعني بمعانيها إلا أنني جربت الدنيا فوجدتها غرورا،

والأحباب زورا، والرجوع إلى الله تعالى في النائبات أولى بذوي العقول من ارتكاب التهلكات. ولم

أحب الانصراف عن هذا المكان إلا بعد أن يكون لي به أثر. فقلت هذه الأبيات مجيبا لهذا الأخ رعاه

الله حيا وميتا. وإذا الأبيات:

أيها المدعي على الأيام أن رمته بصائبات السهام

خف من الله واعتزل كل زور وتجنب مواقف الآثام

تجد الله عند كل مخوف كاشفا للهموم والآلام

فله الحمد والخلائق طرا وهو رب الدهور والأعوام

وقرأت على فناء المسجد الجامع بمتوث، وهي مدينة بين سوق الأهواز وبين قرقوب، عند اجتيازي

مخ ۵

بها مكتوبا: حضر المؤمل بن جعفر البندنيجي في شهر رمضان من سنة سبع وعشرين وثلاث مئة وهو يقول: كنا نسمع أهل العلم يقولون: فقد الأحبة في الأوطان غربة، فكيف إذا اجتمعت الغربةوفقد الأحبة. وجملة الأمر أن الذي عرفته من حال الدنيا أنه لا يفي فرحها بترحها، فقلت:

يا من على الدنيا يجاذب وعلى زخارفها يغاضب

لا تطلبن وصالها ليست لصاحبها بصاحب

بينا تراها عنده إذ فارقته ولم تراقب

إني خبرت حديثها يا صاح من طول التجارب

وإذا تحته مكتوب بغير ذلك الخط:

صدقت صدقت وعندي الخبر سأحذر منها ركوب الخطر

وأحمل نفسي على حالة فإما انتفاع وإما ضرر

وكنت بجامع الرصافة في مدينة السلام يوم جمعة، وأظن ذلك في سنة إحدى أو اثنتين وخمسين

وثلاث مئة. فمرت بي رقعة قد حذف بها، كما تفعل العامة برقاع الدعاء. فأخذتها غير معتمد، فإذا

فيها بخط مليح في معنى خطوط الكتاب:

بسم الله الرحمن الرحيم

رحم الله من دعا لغريب مدنف قد جفاه كل حبيب

ورماه الزمان من كل قطر فهو لا شك ميت عن قريب

وحدثني شيخ لنا قال: قرأت على حائط مقبرة سيبويه مكتوبا:

رحل الأحبة بعد طول توجع ونأى المزار فأسلموك وأوجعواتركوك أوحش ما يكون بقفرة لم يؤنسوك، وكربة لم يدفعوا

وقرأت على حائط مسجد الجامع بدسكرة الملك: حضر فلان بن فلان الصروي في سنة ثلاث

وخمسين وثلاث مئة وهو يقول:

سقى الله أيام التواصل غيثه ورد إلى الأوطان كل غريب

فلا خير في دنيا بغير تواصل ولا خير في عيش بغير حبيب

وخرجت أنا وأبو الفتح أحمد بن إبراهيم بن علي بن عيسى رحمه الله، ماضيين إلى دير الثعالب،

في يوم من سنة خمس وخمسين وثلاث مئة للنزهة ومشاهدة اجتماع النصارى هناك، والشرب على

مخ ۶

نهر يزدجرد الذي يجري على باب هذا الدير. فبينا نحن نطوف الدير، ومعنا جماعة من أولاد الكتاب النصارى وأحداثهم، وإذا بفتاة كأنها الدينار المنقوش كما يقال، تتمايل وتتثنى كغصن ريحان في نسيم

شمال. فضربت بيدها إلى يد أبي الفتح وقالت: يا سيدي، تعال اقرأ هذا الشعر المكتوب على حائط

بيت الشاهد. فمضينا معها، وبنا من السرور بها وبظرفها وملاحة منطقها ما الله به عالم. فلما دخلنا

البيت كشفت عن ذراع كالفضة، وأومأت إلى الموضع، وإذا فيه مكتوب:

خرجت يوم عيدها في ثياب الرواهب

فسبت باختيالها كل جاء وذاهب

لشقائي رأيتها يوم دير الثعالب

تتهادى بنسوة كاعب في كواعبهي فيهم كأنها ال بدر بين الكواكب

فقلنا لها: أنت والله المقصودة بمعنى هذه الأبيات. ولم نشك أنها كتبت الأبيات، ولم تفارقنا بقية

يومنا. وقلت فيها هذه الأبيات، وأنشدتها إياها ففرحت:

مرت بنا في الدير خمصانه ساحرة الناظر فتانه

أبرزها الرهبان من خدرها تعظم الدير ورهبانه

مرت بنا تخطر في مشيها كأنما قامتها بانه

هبت لها ريح فمالت بها كما تثنى غصن ريحانه

فتيمت قلبي وهاجت له أحزانه قدما وأشجانه

وحصل بينها وبين أبي الفتح عشرة بعد ذلك. ثم خرج إلى الشام وتوفي بها، ولا أعرف لها خبر بعد

ذلك.

حدثني أبو محمد حمزة بن القاسم الشامي، قال:

اجتزت بكنيسة الرها عند مسيري إلى العراق. فدخلتها لأشاهد ما كنت أسمعه عنها. فبينا أنا في

تطوافي، إذ رأيت على ركن من أركانها مكتوبا بالحمرة: حضر فلان بن فلان وهو يقول: من إقبال

ذي الفطنة، إذا ركبته المحنة انقطاع الحياة، وحضور الوفاة. وأشد العذاب تطاول الأعمار في ظل

الإدبار. وأنا القائل:

ولي همة أدنى منازلها السها ونفس تعالى في المكارم والنهىوقد كنت ذا حال بمرو قريبة فبلغت الأيام بي بيعة الرها

مخ ۷

ولو كنت معروفا بها لم أقم بها ولكنني أصبحت ذا غربة بها ومن عادة الأيام إبعاد مصطفى وتفريق مجموع وتنغيص مشتهى

فاستحسنت النظم والنثر وحفظتهما.

وكنت انحدرت إلى البصرة منذ سنيات. فلما وردتها صعدت في الفيض إلى سكة قريش أطلب

منزلا أسكنه، لأنني كنت غريبا لا أعرف أحدا من أهلها، إلا من كنت أسمع بذكره، ولا آنس به.

فدلني رجل على خان، فصرت إليه، واكتريت منه بيتا، وأقمت بالبصرة أياما. ثم خرجت عنها طالبا

حصن مهدي، وكتبت هذه الأبيات على حائط البيت الذي كنت أسكنه:

الحمد لله على ما أرى من ضيعتي ما بين هذا الورى

أصارني الدهر إلى حالة يعدم فيها الضيف عندي القرى

بدلت من بعد الغنى حاجة إلى كلاب يلبسون الفرا

أصبح أدم السوق لي مأكلا وصار خبز البيت خبز الشرا

من بعد ملكي منزلا مبهجا سكنت بيتا من بيوت الكرا

فكيف ألفى ضاحكا لاهيا وكيف أحظى بلذيذ الكرى

سبحان من يعلم ما خلفنا وتحت أيدينا وتحت الثرى

والحمد لله على ما أرى وانقطع الخطب وزال المرافما أدري أهو باق إلى اليوم أم درس.

حدثني أبو محمد حمزة بن القاسم، قال: حدثني نصر بن أحمد الخبز أرزي الشاعر، قال: كان عندنا

بالبصرة فتى من أولاد التجار المياسير، وكانت لأبيه حال كبيرة، فكان في كل سنة يظفر بمال

ويصعده إلى بغداد، فيقيم بها يشرب في الحانات ويعاشر أهل الظرف. وكان مغرما بالغلمان. فإذا

نفذت الدراهم عاد إلى البصرة. فكان يحدثني بكل طريفة. فقال لي يوما: حصلت بعكبراني في بعض

الحانات، فشربت......

اشرب وغن على صوت النواعير ما كنت أعرفها لولا ابن منصور

لولا الرجاء بمن أملت رؤيته ما جزت بغداد في خوف وتغرير

وحدثني أنه قرأ في بعض سياحته على صخرة:

وكل البلاد بلاد الفتى وليس لأرض إليه نسب

قال: فقلت: لا يموت صاحب هذا البيت إلا غريبا.

مخ ۸

وحدثني أبو الحسين بن الشلمغاني قال: كان بالبصرة شيخ من ذوي الهيئات، وممن دوخ البلاد

وقطع عمره في الأسفار. وكان يحدثنا بكل عجيبة، ويتحفنا بكل غريبة. فحدثنا يوما قال: ركبت في

البحر في بعض السنين، فأفضى بنا السير إلى موضع لا نعرفه ولا يعرفه المركب. وطرحنا الماء

إلى جزيرة فيها قوم على صورة الناس إلا أنهم يتكلمون بكلام لا يفهم، ويأكلون من المأكل ما لم تجر

به عادة الإنس. فاجتمعوا علينا، وأقبلوا يعجبون منا، وخفناهم على أنفسنا، واستشعرنا الهلاك منطمعهم في قلتنا مع كثرتهم، ثم توكلنا على الله جل وعز وخرجنا نطلب في تلك المدينة ما نأكله

ونشربه. فوجدنا الطراميس من خبز الدخن ولحوما كثيرة لا ندري ما هي. فاشترينا من ذلك الخبز

واللحم وأظنه من لحوم الحيتان، وصرنا إلى الساحل، وأججنا نارا وأقبلنا نكبب من ذلك اللحم، ولهم

أنبذة لا ندري ما هي، يشربونها. ويضربون بطبل عظيم، له في البحر دوي. فبينا أنا أطوف في تلك

المدينة إذ بصرت بكتابة عربية على بابها، فتأملتها، فإذا هي: بسم الله الرحمن الرحيم. بسم الله خالق

الخلق، وصاحب الرزق. ما أعجب قصتي وأعظم محنتي، أفضتني الخطوب وقصدتني النكوب حتى

بلغت هذا الموضع المهيب، ولو كان للبعد غاية هي أسحق من هذا المحل لبلغني إليها ولم يقنع إلا

بها. وتحت ذلك مكتوب:

من شدة لا يموت الفتى ولكن لميقاته يهلك

فسبحان مالك من في السما والأرض حقا ولا يملك

فاجتهدت بالمسألة عن الرجل وحاله، فلم يفهم عني، ولا فهمت أحد منهم، وأقلعنا في غير تلك الليلة،

وسلم الله تعالى، وصرنا إلى بلاد اليمن.

وحدثني رجل من بني نمير يعرف بالأخيطل، شاعر لقيته بنواحي كوثى بمشهد إبراهيم الخليل

صلوات الله عليه، قصدها ليمتدح أبا الحسن علي بن مزيد الأسدي، وأنشدني شيئا من شعره وقال:

مخ ۹

قرأت على صخرة بجزيرة قبرس مكتوبا: يقول فلان بن فلان البغدادي: قذف بي الزمان إلى هذا

المكان. فهل نحو بغداد معاد فيشتفي مشوق ويحظى بالزيارة زائر

إلى الله أشكو لا إلى الناس، إنه على كشف ما ألقى من الهم قادر

وقال لي شيخ من أهل الكوفة: قرأت على ركن قبة أبي موسى التي عندها هاذين البيتين:

وليس الرزق عن طلب التمني ولكن إلق دلوك في الدلاء

تجيء بملئها طورا وطورا تجيء بحمأة وقليل ماء

وأخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن أبي هذا الكتاب قال حدثني أخي قال:

اجتزت بنواحي بلد الروم مما يلي خرشنة، فاجتزت بمدينة حسنة البناء يحيط بها سور من حجر

أبيض تخالطه حمرة، ومياه تجري من عيون في داخل الحصن، وأشجار كثيرة الثمر، وظل ثخين

تحت شجرة جوز. فأعجبني الموضع، وجلست أحادث رجلا من أهل المدينة، يحسن العربية فقال:

كان طرأ إلينا شاب ذكر أنه من أهل العراق، حسن الوجه، نظيف الجملة، غزير الأدب. وكان لا

يفارقني. فأقام في بلدنا سنين، ثم مرض فعللته، وقمت بأمره، فلم يلبث أن مات. فحزنني ودفنته في

تلك القبة - وأومى بيده إليها - على قبلة الإسلام. وكان في مرضه كتب على الحائط من البيت الذي

كان فيه، ووصى أن يكتب على قبره، فقم لتقرأه. فإذا قد كتب على الحائط:

تعسفت طول السير في طلب الغنى فأدركني ريب الزمان كما ترى

فيا ليت شعري عن أخلاي هل بكوا لفقدي أم ما منهم من به درى

قال: فكتبت الأبيات وانصرفت من الموضع حزينا. وأتى أبو العتاهية باب عمرو بن مسعدة فحجب، فكتب إليه:

ما لك قد حلت عن وفائك واستبدلت يا عمرو شيمة كدره

إني إذا الباب تاه حاجبه لم يك عندي في هجره نظره

لستم ترجون للوفاء ولا يوم تكون السماء منفطره

مخ ۱۰

ادب غرباء | اصول