والرئيس لا يعرف الراحة ولا يذوق طعمها، يصل إلى ديوانه في الصباح الباكر قبل أن يطرق البيت الأبيض أحد، ويظل هناك حتى يهبط الليل فيقضي طرفا منه بين أوراقه، وامرأته تضيق بذلك وتعلن إليه غضبها، ولكنه في شغل عنها بما هو فيه من عظيمات الأمور، وأنى له في مثل ذلك الموقف بلحظة من هدوء البال!
هكذا وقفت أمة واحدة فئتين تقتتلان؛ فهنا الوحدة والحرية، وهنالك الفرقة والعبودية، وهنا وهناك من مظاهر الحماسة والتضحية ما يضيع في ضجيجه وصخبه صوت الحق ويتبدد دعاء الإنسانية. وكانت الدماء التي تجري على الأرض دماء شعب واحد، فمن كل قاتل ومقتول صورة جديدة لقابيل وأخيه هابيل.
كان البيض في الشمال يبلغون قرابة عشرين مليونا، وكانت عندهم الصناعة والتجارة الخارجية، وكانوا يعتقدون أنهم يدافعون عن حق، ويناضلون في سبيل غاية ترتخص لها الأموال والأنفس، فهم يمسكون بناء الوحدة الذي أقامه أجدادهم الأولون.
وكان اعتمادهم في الحرب على المتطوعين الذين تمتلئ قلوبهم حماسة وإن كانت تعوزهم الخبرة بفنون الحرب وأساليب القتال، كما كان لأسطولهم بأس وأثر قوي في مغالبة أهل الجنوب ومضايقتهم.
ولكن هؤلاء الشماليين كانوا في حاجة إلى مهرة القواد الذين يمشون إلى النصر من أقرب سبله، ولقد ظل لنكولن زمنا ليس بالقصير يبحث عن نفر من القواد يركن إليهم ويطمئن إلى كفايتهم، حتى كاد اليأس يشيع في النفوس لولا ما كان من صدق عزمه وبعد همته.
وكان البيض في الجنوب لا يزيدون عن خمسة ملايين، ولكنهم كانوا أوفر عدة بما تسرب إليهم على أيدي بعض وزراء بوكانون منذ انتخب للرياسة لنكولن، وكذلك كانوا أكثر مالا.
وكانوا قد اتخذوا الأهبة للكفاح فأعدوا ما استطاعوا من قوة ودربوا جنودهم منذ أن انتخب أبراهام، في حين لم يتأهب الشماليون ولم يدربوا أحدا.
وكانت أهم ميزة امتاز بها أهل الجنوب وجود عدد من أكفأ القواد على رأس جيشهم، ومن هؤلاء «لي» الذي انحاز مع ولاية فرجينيا إلى الجنوبيين بعد أن انسحبت هذه الولاية من الاتحاد.
وكان يطمع الجنوبيون أن تدب الفرقة بين الشماليين فتذهب ريحهم ويفشلوا، وكذلك كانوا يطمعون أن يقع ما ليس في حساب أحد فتتدخل في الحرب قوة أجنبية، وأقرب الدول إلى التدخل إنجلترة؛ وذلك لأن حصار الشماليين موانئ الجنوب يمنع وصول مزروعاته وخاماته إليها.
في البيت الأبيض
ناپیژندل شوی مخ