الكلمة- أوحى بها بأمر الله إلى نبيه محمد ﷺ، وبلغه كذلك بغيرها مما وقع بينه وبين فرعون قي لحظاته الأخيرة، فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ: لما قال فرعون ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ قال: قال لي جبريل: يا محمد لو رأيتني وقد أخذت حالًا من حال البحر (وهو الطين الأسود في قاع البحر) فدسسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة» (١). تلك واحدة من أسرار القرآن، وهي معدودة في دلائل نبوته ﵇ حتى قال الطبري «وفي أخبار القرآن على لسان محمد ﵊ بهذه المغيبات التي لم تكن من علم العرب ولا وقعت إلا في حق بني إسرائيل دليل واضح عند بني إسرائيل قائم عليهم بنبوة محمد ﷺ (٢).
والحادثة بمجملها تؤكد نهاية الطغيان وهلاك المجرمين، ونصرة الحق ونجاة المؤمنين، وإذا كانت هذه الحقيقة بارزة في هذا المشهد والحق ينتصر على مشهد من الناس في هذه الحياة، فليس ذلك شأن القصص كله في القرآن، إذ ليس أمد النصر ينتهي في هذه الحياة: وليس معنى النصر مقصورًا على النصر المحسوس للناس، فقد ينال النصر فرد أو مجموعة من الصادقين وإن خيل للناس أنهم قد استضعفوا أو أهينوا أو غلبوا في هذه الحياة الدنيا أجل لقد انتصر الخليل ﵇ على الطغاة وإن قذف في النار، وانتصر أصحاب الأخدود وإن حفرت لهم الأخاديد وأحرقوا، وانتصر الغلام المؤمن وإن كانت روحه قد أزهقت على ملأ الناس الذي لم يتمالكوا أنفسهم وقالوا آمنا برب الغلام.
وهكذا يبدو النصر أشمل من صورته الظاهرة المحسوسة، وينبغي أن يعلم الناس أن الثبات على المبدأ الحق حتى الممات نصر، وأن نصر المبادئ والقيم
(١) قال الترمذي: حديث حسن (تفسير ابن كثير ٤/ ٢٢٧).
(٢) انظر تفسير القرطبي ١/ ٣٩٣.