فقبض حسين على قدحه وهو يقول بسخرية: تخاف على نفسك؟! خلها تقتلك .. في داهية يا سيدي، لا أنت في الزيادة ولا في النقصان، صحتك.
وقرع كأسه بكأسه، ثم أفرغه في جوفه بغير مبالاة، ورفع عباس كأسه وكرع منه كرعة، ثم أبعده عن فيه متقززا، وقد شعر كأن لسانا من لهب اندلع في حلقه، فتقبض وجهه وكأنه لعبة من المطاط ضغطته أصابع طفل، وقال متأففا: فظيع .. مر .. حامي.
فتضاحك حسين ساخرا، شاعرا بزهو واستعلاء وقال بازدراء: تشجع يا طفل، الحياة أمر من هذا الشراب، وأوخم عاقبة.
ورفع كأسه ووضع حافته بين شفتيه وهو يقول: «اشرب حتى لا يندلق على قميصك.» فتجرعه الآخر حتى الثمالة. ونفخ متقززا، ثم أحس حرارة في بطنه، سرت بسرعة عجيبة ناشرة وهجها في جوفه، فشغل بالانتباه إليها عن تقززه، وتتبع أثرها وهو يندفع مع دمه، ويجري في عروقه، حتى إذا بلغ رأسه خفت وطأة الدنيا عليه قليلا، وقال حسين بسخرية: اكتف اليوم بكأسين ولا تزد.
وطلب كأسا أخرى لنفسه وراح يقول: أقيم الآن مع أبي ومع زوجي وشقيقها، ولكن نسيبي وجد عملا في الترسانة وسيفارقنا اليوم أو غدا. ويقترح أبي علي أن أشرف على القهوة نظير ثلاثة جنيهات في الشهر، وبمعنى آخر أشتغل من الفجر حتى نصف الليل بثلاثة جنيهات! .. ولكن ماذا تقول لحشاش مجنون؟! .. وهكذا ترى أن الدنيا تناصبني العداء، وتستفز غضبي ومقتي، وليس عندي إلا جواب واحد: فإما الحياة التي طابت لنا، وإما حرقنا الدنيا ومن عليها.
فسأله عباس، وكان أخذ يستشعر راحة وجدها عجيبة لذيذة بالنسبة لما تعناه طوال يومه من هم وفكر: ألم توفر مالا؟
فقال حسين بحدة وسخط: ولا مليما! كنت أسكن شقة نظيفة بالوايلية، فيها الكهرباء والماء، وكان عندي خادم صغيرة تقول لي بكل احترام: «يا سيدي.» وكنت أرتاد السينما والفرقة القومية، ربحت كثيرا، وضيعت كثيرا، وهذه هي الحياة! إن أعمارنا ذاهبة فلماذا تبقى النقود؟ بيد أن النقود ينبغي أن تساير العمر حتى نهايته، وإلا فالويل لمصر إذا لم تساير النقود الأعمار. ليس لدي الآن إلا قليل من الجنيهات غير حلي زوجي.
وصفق طالبا كأسا ثالثة، ثم قال بإشفاق: والأدهى من ذلك أن زوجي تقيأت في الأسبوع الماضي.
فقال عباس متظاهرا بالاهتمام: لا بأس عليها. - لا بأس ولا زفت، هذه أمارات الحبل، كما تقول أمي، وكأن الجنين غثت نفسه تقززا من الحياة التي تنتظره فأعدى أمه.
ولم يطق عباس أن يتابعه بالإصغاء لسرعته ولهوجته، ولم يعد يهتم بذلك، وانتابته كآبة فجائية بعد أن نعم ساعة بالراحة، ولاحظ الآخر شروده وسهومه فقال باستياء: ما لك؟ .. إنك لا تصغي إلي.
Halaman tidak diketahui