Suami Saya Tharwat Abaza
زوجي ثروت أباظة
Genre-genre
المقدمة
أول خفقة قلب
أبوة حانية وتدليل
حب وتقديس
أصدقاؤه
أبي ثروت أباظة
كتب تحدثت عنه
هذه مقتطفات من مقالاته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومقالة أخرى عن الأزهر
برقية تعزية من الرئيس حسني مبارك في وفاة ثروت أباظة
Halaman tidak diketahui
الشورى ينعى ثروت أباظة
كلمة الدكتور مصطفى كمال حلمي في تأبين ثروت أباظة
كلمة الأديب العالمي نجيب محفوظ في تأبين ثروت أباظة
مواقف للأستاذ أنيس منصور
ثروت أباظة الفنان الإنسان
مختارات من إهداءات ثروت أباظة
المقدمة
أول خفقة قلب
أبوة حانية وتدليل
حب وتقديس
Halaman tidak diketahui
أصدقاؤه
أبي ثروت أباظة
كتب تحدثت عنه
هذه مقتطفات من مقالاته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومقالة أخرى عن الأزهر
برقية تعزية من الرئيس حسني مبارك في وفاة ثروت أباظة
الشورى ينعى ثروت أباظة
كلمة الدكتور مصطفى كمال حلمي في تأبين ثروت أباظة
كلمة الأديب العالمي نجيب محفوظ في تأبين ثروت أباظة
مواقف للأستاذ أنيس منصور
Halaman tidak diketahui
ثروت أباظة الفنان الإنسان
مختارات من إهداءات ثروت أباظة
زوجي ثروت أباظة
زوجي ثروت أباظة
تأليف
عفاف عزيز أباظة
المقدمة
في جلسة هادئة قلت لزوجي بين المزاح والجد: لماذا لا تكتب عن حياتنا؟ لقد كتبت عن حياة الآخرين، ولم تفكر أن تكتب عنا. إن حياتنا مليئة بالمشاعر؛ فيها أيام هادئة وأيام يتأجج نارها، إنها ليست حياة مملة ولا روتينية ولا تشبه حياة كل الناس؛ فنظر إلي نظرة طويلة وقال: يجب أن تعلمي أنه لا يطلب إلى كاتب أن يكتب في موضوع يحدد له. - إنه ليس أمر تكليف وإنما أنا أقترح عليك، ومع ذلك سأكتبها أنا. وكتبتها فعلا، ولكني لم أنشرها، وكان ذلك سنة 1975م وكانت كتاباتي حينئذ ما زال فيها ومضة الشباب. ورحل زوجي سنة 2002م، وقابلت الكاتبة المعروفة لوسي يعقوب في حفل تأبين لزوجي، الذي أقامه اتحاد الكتاب والذي يرأسه الآن الكاتب فاروق خورشيد؛ بمناسبة ذكرى الأربعين، وكان منظم الحفل هو الروائي فؤاد قنديل، قابلت لوسي يعقوب وقالت لي في حماس ظاهر: اكتبي عن ثروت أباظة كما كتبت عن أبيك عزيز أباظة.
فقلت لها: إن شاء الله، ولكنني غارقة في أحزاني، وليس في استطاعتي أن أكتب أو حتى أفكر. إلى أن مرت الشهور واستطعت أن أتمالك نفسي وفكرت في الكتابة، وأكون بذلك قد أرضيت نفسي وأرضيت لوسي يعقوب، وبدأت أكتب عن ثروت الذي أسعدني أن أعيش معه مرة أخرى.
ورجعت إلى الكتاب الذي كتبته عن حياتنا سنة 1975م وأخذت نصفه الأول المليء بالمشاعر الجميلة وحماس الشباب، وأكملته بكتابة ما يناسب سني الآن.
Halaman tidak diketahui
وقد دام زواجنا ما يربو على خمسين عاما، ولا أستطيع أن أقول إن هذه الأعوام الطويلة كانت كلها سعادة وسلام؛ فليس هذا من طبع الحياة، ولن يصدقني أحد إذا ادعيت ذلك، ولكني الآن لا أذكر إلا الأيام الجميلة واللفتات الرقيقة، وما عدا ذلك فقد غاب عن مخيلتي ونسيته تماما.
ولو حاولت أن أكتب الجزء الأول من الكتاب الآن ما استطعت؛ لن تكون الأحاسيس بالنضارة التي كتبتها بها سنة 1975م.
أول خفقة قلب
نشأ ثروت أباظة في بيت عز وكرم وثراء، وترعرع في جو كله مبادئ وأخلاق، وفي جو كله سياسة ووطنية، وفي محيط كله شعر وأدب، فجرى كل ذلك في دمه، وتكونت شخصيته الحرة الأصيلة التي لا تقبل إلا الحق ولا ترضى عن الحرية بديلا. كان دسوقي أباظة باشا في شبابه من شباب الأسرة النابهين، وكان يتسم بالذكاء والرزانة ورجاحة العقل والتفاني في خدمة الناس، وكان مغرما بالشعر والأدب منذ فجر شبابه، تخرج من مدرسة الحقوق سنة 1911م، وعين وكيلا لنيابة الجيزة، وتصادف أن وقعت فظائع الجنود الإنجليز أثناء ثورة 1919م في العزيزية والبدرشين والشوبك من سلب ونهب؛ ففتح - بصفته وكيلا للنيابة - محضرا للتحقيق في هذه الوقائع، وكان هو الوحيد في القطر المصري الذي أجرى التحقيق في محاضر رسمية على رغم أن الإنجليز قد اقترفوا مثل هذه الجرائم في أنحاء البلاد، ثم وزع محاضر التحقيق في جميع أنحاء مصر، وطبعها على حسابه الخاص باللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية ليثير سخط المصريين والأجانب، ورأى الإنجليز أن هذا التصرف غير مقبول خاصة وأنه موظف في الحكومة؛ فاستقال من النيابة بعد أن اطمأن إلى أن جميع المصريين قد أحيطوا علما بجرائم الإنجليز. ولما تأسس حزب الأحرار الدستوريين سنة 1922م، اختير عضوا بمجلس إدارته، ثم سكرتيرا عاما له. وقد ظل عضوا بمجلس النواب منذ 1926م إلى سنة 1952م، واختير وكيلا لمجلس النواب سنة 1934م إلى سنة 1938م، ثم اختير وزيرا للشئون الاجتماعية سنة 1941م، ثم وزيرا للأوقاف ثم وزيرا للخارجية.
وعندما كان وزيرا للخارجية رفض البدلات قائلا: إنني أدعو الأجانب والمصريين في منزلي الخاص فكيف آخذ تكاليف ذلك من الحكومة؟ وكان منزله يعج بالكبراء والوزراء والشعراء، وكان رئيسا لجمعية أدباء العروبة، وكان منهم العوضي الوكيل، ومحمود غنيم، وأحمد الغزالي، وأحمد مخيمر، ومصطفى حمام، وطاهر أبو فاشا.
تزوج دسوقي أباظة سنة 1944م من كبرى كريمات عمه عبد الله بك أباظة، وكانت من جميلات الأسرة، حتى إن المغنية التي أحيت فرحها قالت متعجبة: إنني لم أر عروسا واثقة من نفسها إلى هذا الحد؛ فهي لم تضع على وجهها أي شيء من أدوات الزينة، وكانت نعم الزوجة المشرفة، ونعم الأم الراعية، ورزقها الله بأربعة أولاد: ثروت وشامل وزينات ثم كوثر.
وكان بيت دسوقي باشا في العباسية مكونا من ثلاثة طوابق: الطابق الأرضي يسكنه العاملون في المنزل وكلهم من غزالة وبلغ عددهم 32 شخصا، فكل واحد منهم يعيش مع أسرته معززا مكرما ... أما الطابق الأول فكان معدا للاستقبال، وبه حجرة مكتب دسوقي باشا، وحجرة مكتب ثروت، وأخرى لأخيه الأصغر شامل، وحجرة نوم للضيوف وللأقارب من الشباب الذين يأتون من الزقازيق؛ ليكملوا دراستهم الجامعية في القاهرة. وكانت تقوم بطبيعة الحال بين الشباب الضيوف وأصحاب البيت صداقات دامت مدى الحياة.
وأما الطابق الثاني فكان للنوم واستقبال الأقارب المقربين. وكان شامل وابن عمته سامح وابن عمه سمير يكونون جبهة لا تفترق قط، وكان زعيمهم في الشقاوة شامل، وزعيمهم في التخطيط سامح، وأما سمير فكان متفوقا دائما في دراسته، وكان الثلاثة من شباب حزب الأحرار الدستوريين، ونشئوا على الاهتمام بالسياسة وتفهمها، ويعد سامح الآن مرجعا في تاريخ السياسة، ومشت بهم الحياة واختار كل منهم طريقه، ولكن كلما اجتمعوا تجددت ذكريات الطفولة الجميلة.
وأما الأختان زينات وكوثر فقد كانتا لا تفارقان ابنة عمهما سلوى، فقد نشأن معا، وقضين معا أسعد أيام الطفولة، ولم يكن لهن أية صلة بما يدور في الدور الأول، ولا بمن يأتي من ضيوف من أدباء وشعراء، كان لهما عالم آخر، وكان والدهما يصحبهما في سيارته ويذهب إلى اجتماع مجلس وزراء مثلا، والابنتان تنتظران في السيارة ساعة أو أكثر، وكانتا تسعدان بهذه النزهة، أما السينما فكانتا تذهبان إليها بصحبة الخالات أو العمات ولكن بعد مفاوضات طويلة مع الوالد، وتنتظران نتيجة المفاوضات على أحر من الجمر.
لم يكن ثروت طفلا مثل باقي الأطفال؛ فهو لم يتمتع بطفولته ولم يلعب كثيرا معهم، وإنما كان يصاحب والده في كل مكان يذهب إليه، فكان يجالس الوزراء والكبراء والأدباء والشعراء؛ ولذلك فهو لم يتهيب المناصب في كبره؛ لأنه نشأ بينها. صحبه والده أكثر من مرة إلى مجلس النواب، وجلس في شرفة الزوار، واستمع إلى المناقشات السياسية، وتفتحت عيناه على ما يدور في المجالس النيابية؛ فجمع مع حب الأدب تفهم السياسة فكانت كتاباته - عندما بلغ سن الشباب - خليطا من الأدب والسياسة، وكان في نظر إخوته الذين يصغرونه بسنوات بسيطة هو الأخ الأكبر الذي له الحق في مجالسة الكبار وفي مكانته المميزة عند أبويه، ولعل ذلك يرجع إلى أنه أكبر الأولاد، ورزقا به بعد ثلاث سنوات من الانتظار والقلق.
Halaman tidak diketahui
ولم يكن ثروت من المتفوقين في الدراسة على رغم ذكائه وقوة ملاحظته، بل كان ينجح فحسب ولا مانع من أن ينجح في الدور الثاني.
ومع ذلك فقد حدث وهو في المدرسة الابتدائية أن دخل أستاذ اللغة العربية وكتب أبياتا من الشعر على السبورة، وكانت [لمعروف الرصافي]:
1
انظر لتلك الشجرة
ذات الغصون النضرة
ولما انتهى من الكتابة سأل: من يقرأ هذه الأبيات؟ فقام ثروت وقال: أنا حفظتها، فاندهش المدرس وقال: أدر ظهرك للسبورة وسمع، ففعل ما أمر به الأستاذ وسمع الأبيات كلها بدون تردد. وفي مرة أخرى كتب له والده كلمات باللغة الإنجليزية ومعناها بالعربية وطلب منه أن يحفظها وبعد دقائق قليلة قال لقد حفظتها، فقال والده: لو أخطأت فسأعاقبك فأنت لم تأخذ الوقت الكافي لحفظها، وإذا لم تخطئ فسأعطيك ريالا. وكان الريال في هذه الأيام ثروة بالنسبة للأطفال، وفاز بالريال، ولكن مع ذلك لم يكن من التقدميين ولا المتفوقين في الدراسة.
وقد حدث مرة وهو في المدرسة الابتدائية أن أيقظوه على الرغم منه ليذهب إلى المدرسة؛ فما كان منه إلا أن ارتدى ملابسه ونزل إلى الطابق الأول وتوجه إلى غرفة الضيوف واستأنف النوم. وتكرر منه ذلك فصمم كبير الخدم (عم أحمد بخيت) أن يخبر والدته بالأمر؛ لأنه يعتبر نفسه من المسئولين عن أهل البيت.
وذات صباح سمع ثروت خبطا مروعا على باب حجرة الضيوف وكاد الباب أن ينخلع؛ فانزعج وفتح الباب فوجد نفسه وجها لوجه أمام والدته، فعنفته بشدة وأرسلته في الحال إلى المدرسة، ولما عاد لم يجد كبير الخدم الذي أفشى سره وعلم أنه سافر إلى قريته «غزالة» لأن ضميره لم يسمح له بالسكوت وفي نفس الوقت أحس أنه أغضب «ثروت». وعبثا حاولت الأم أن تطلب منه العودة، ولكنه قال لها في التليفون: لن أعود إلا إذا كلمني ثروت، وفعلا اتصل به وقال له إنه لا يحمل له حقدا أو ضغينة، ورجاه أن يعود فورا، وظل هذا الصفاء يلازمه طوال حياته، وقد أتم دراسته الجامعية دون مشاكل.
وكانت عائلة دسوقي باشا معتادة أن تقضي شهرين من الصيف في قريتهم «غزالة» وشهرا في رأس البر، ومن هنا اختلط ثروت بالفلاحين ودخل في أعماقهم، ولم تخف عليه خافية من حياتهم ولا من طباعهم، وعرف أن ما يقوله الكتاب عن الفلاح بأنه ساذج وصف خاطئ؛ فالفلاح المصري ذكي وحريص، وبناء على معرفته العميقة له كتب رواية عن القرية وهي «هارب من الأيام» التي قال عنها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين: إنها أحسن ما كتب عن القرية في الأدب العربي.
وكان دسوقي باشا يجلس في «السلاملك» وحوله الفلاحون من غزالة ومن القرى المجاورة للتحية ولقضاء أشغالهم، ولم يدخر دسوقي باشا وسعا لمساعدتهم وخدمتهم حتى إن أحفادهم يحملون الجميل ويذكرونه حتى اليوم.
Halaman tidak diketahui
في أيام الانتخابات كان منزل دسوقي باشا يمتلئ بالناس منذ الصباح الباكر وحتى آخر الليل ويقدم لهم كل الإكرام والترحيب، وكان دسوقي باشا ينجح في الانتخابات دائما، إلى أن جاءت وزارة وفدية في الأربعينيات وساعدت خصم دسوقي الوفدي مساعدات سافرة بدون أدنى تحفظ وبلا حدود، وعلى الرغم من ذلك نجح دسوقي باشا، وقد تكاتفت الأسرة شبابها وشيوخها وانتشرت في جميع أنحاء الدائرة للمراقبة والمساعدة إلى أن اطمأنوا على نجاح عميدهم. وقد تعرض فكري باشا أباظة لمضايقات بسيطة أثناء هذه الحملة الانتخابية، وقد كتب الشاعر الأستاذ العوضي الوكيل قصيدة يهنئ فيها دسوقي باشا ويسخر من فشل مناورات الحكومة، مطلعها:
قهرنا الحكومة يا عارها
ودسنا بأقدامنا غارها
2
وكانت كوثر صغرى بنات دسوقي باشا تلقيها وهي في السابعة من عمرها أمام الجموع التي تتواجد في بيت والدها، وكان منزله عبارة عن منزل أدب وشعر.
وفي الدور العلوي كانت تجيء الفلاحات ويجلسن حول سيدة البيت، وكانت تكلمهن وتسأل عن أولادهن واحدا واحدا بالاسم، وكانت تحل لهن المشاكل العائلية، حتى إنه جاءت فلاحة تشكو زوجها فقالت لها: أشركي قريبا من أقاربه، فقالت لقد فعلت وحاولت بكل الطرق إصلاحه ولكن لا فائدة. - اذهبي إلى العمدة ليصلحه بالشدة. - فعلت ولكن لا فائدة. - إذن تحملي من أجل أولادك واتركي عقابه لله. - يا سيدتي لم أعد أستطيع التحمل (قالتها بلهجتها الريفية).
واهتم ثروت بأمر هذه الفلاحة المسكينة وأحضر زوجها وقال له: امض على تعهد أنك لن تؤذي زوجتك. - أنا لا أعرف الكتابة يا بيه. - إذن فاذهب وامح أميتك. - ليه يا بيه أنا حلو كده (بكسر اللام).
وظل حلوا إلى آخر يوم في حياته و«وحشا» (بكسر الواو الثانية أو فتحها) بالنسبة لزوجته.
ولم يتركه ثروت إلا وقد أخذ منه تعهدا شفويا بحسن معاملة زوجته .
ومن غزالة كان يذهب إلى زيارة جدته لأمه وأخواله في الزقازيق، التي تبعد عن قريته بمقدار خمسة كيلومترات، وكان يقضي معهم بضعة أيام، وكان منزل سليمان بك إسماعيل أباظة ملاصقا لمنزل جدته، وكان صديقا لأولاده: إسماعيل ونبيل وعايدة ونوال، وكانوا يقضون وقتهم في مرح وسعادة. وكان لهم مربية اسمها «أم حميدة» تحب ثروت وتخصه «بالسندوتشات». ولما كبروا كانوا يتذكرون أيام الطفولة الجميلة ويسود الضحك والمعاكسات، وسألهم مرة ثروت عن «أم حميدة» فقالوا: إنها توفيت؛ فانزعج وبكاها بكاء مرا بعث في نفسه كل ذكريات الطفولة، وهذه الدموع سالت وهو في سن الخمسين؛ فالإنسان يحن إلى من أحاطه بالحب والحنان في بداية العمر.
Halaman tidak diketahui
وأما الشهر الذي يقضونه في رأس البر فكانت السباحة في البحر هي التسلية الوحيدة للرجال فقط، وكانت «عشتهم» ملاصقة «لعشة» أم كلثوم، وكانت تجلس معهم في الصباح تحت الشمسية، وتتمشى مع دسوقي باشا وثروت وشامل بعد الظهر، وكان ثروت يتركهم ويذهب إلى مكان بعيد على الشاطئ ومعه الشوقيات، ويقرأ حتى تميل الشمس للمغيب ثم يكمل قراءته للشعر على ضوء القمر. ولما وصل إلى المدارس الثانوية هيأ له صديقه وأستاذه «عثمان نويه» الفرصة في أن يكتب في مجلة الثقافة ذائعة الصيت في هذا الوقت، وهي مجلة أدبية بحتة لا يكتب فيها إلا فطاحل
3
الكتاب، وكان يرأس تحريرها العالم الكبير الأستاذ أحمد بك أمين، وكتب ثروت المقالة وأخذها أستاذه وقدمها للأستاذ أحمد أمين وقال: إن هذه المقالة كتبها محام ناشئ. وأعجب بها رئيس التحرير ونشرها، وبعد ذلك ذهب إليه عثمان نويه ومعه ثروت وعرفه بالعالم الكبير، ومن هنا بدأ ثروت أباظة الكاتب.
وكان ثروت ينظر إلى أبي نظرة كلها إعجاب، واتخذه مثلا أعلى له، واقترب منه سواء بالزيارات أو بالتليفونات، وبادله أبي حبا بحب، وأحس فيه بشحنة أدبية تريد أن تنطلق، وكان أبي مديرا لمديرية أسيوط (محافظا) فكلفه أن يحضر «بروفات» مسرحيته الشعرية «العباسة» وكانت تمثلها الفرقة القومية على مسرح الأوبرا الملكية، وطلب منه أن يصحح للممثلين النطق والتشكيل، وقام بما كلف به خير قيام، واطمأن أبي على شعره من أن يفسد النطق الخاطئ الوزن، وزادت ثقته به وزاد الحب أيضا.
وكان ثروت يكلم أبي في أسيوط ليطمئنه على مسرحيته، وكان أبي قبل نهاية المكالمة يعطيني السماعة ويقول له كلم «عفاف» باعتبار أنني من جيله وأحب الأدب، وكان سني حينذاك ستة عشر عاما، وكان يحلو لثروت بعد زواجنا أن يقول: إنني كنت أكلم عمي عزيز في أسيوط في عمل، فلماذا كان يعطي لك السماعة؟ يريد أن يقول: إن أبي هو الذي أوحى إليه بفكرة الخطوبة. وترك أبي الوظيفة، واستقر بنا المقام في القاهرة، وكثرت زياراته لنا، وابتدأت بيننا صداقة وتبادل الكتب والمطارحة الشعرية، ثم بدأ الود من ناحيته وطلبتني والدته من زوجة أبي، ولما سئلت لم يكن لي عليه اعتراض إلا صغر سنه والفارق البسيط بيننا في السن.
وفي يوم رن جرس التليفون وسأل ثروت: لم لا تردين على التليفون منذ مدة طويلة؟ هل تتعمدين ذلك؟ - نعم. - لماذا؟ - ... - إنني أطلبكم أكثر من مرة يوميا ومع ذلك لا أسمع صوتك! - إن الامتحانات قد اقتربت وأفضل ألا أشغلك عنها. - أنت تكتمين عني أمرا وتدخرينه إلى ما بعد الامتحان. - الحقيقة ... نعم. - فهمت.
كانت هذه المكالمة التليفونية هي بداية قصتنا، فقد صور لي غرور الشباب أنني إذا رفضته وأخبرته قبل الامتحان فسوف أقضي على مستقبله، وأصدمه صدمة لا يفيق منها، ويضيع عليه ليسانس الحقوق وأكون أنا السبب؛ فآثرت أن أبتعد عن طريقه حتى لا يسألني هل قبلته أو لا؟
وكنا نستعد لحضور حفل كبير تقيمه جمعية مبرة محمد علي في سميراميس، وذهبت إليه مع أبي وزوجته وأخي، وهناك التقينا به. لم يطل بي المقام في الحفل وعلى رغم الاستعدادات التي سبقته، وعلى رغم الفستان الجديد الذي اشتريته خصيصا لهذه المناسبة، وعلى رغم «الكوافير» والتجميل والانتظار؛ فقد أمرني عمي عثمان - وكنت أناديه بابا - بالعودة إلى البيت. ولم أكن قد أمضيت في الحفل أكثر من نصف ساعة؛ ففي رأيه أنه لا يجوز للفتيات أن يوجدن في هذه المحافل العامة، وانصعت لأمر عمي ولم أنبس ببنت شفة لأن حق عمي علي هو نفس حق والدي علي.
وفي طريقنا إلى السيارة خرج معنا الشاب المتقدم لخطبتي، وذهب أخي للبحث عن السائق ووقفنا معا بين السيارات وكان هذا أول موقف عاطفي بيننا. - أرجو أن تعيدي التفكير، هذا كل ما أطلبه منك. فهل تعدينني بذلك؟
ولم يكن في استطاعتي إلا أن أعد، وكان وعدي صمتا وارتباكا. ومرت الأيام ونجح في الليسانس، وجاء أبي وعيناه الصغيرتان تشعان سعادة يسألني: ما رأيك فيه؟ لقد كلمني والده اليوم ثانية في أمر زواجك، فقولي رأيك؛ فالأمر يخصك أولا وأخيرا. - ... - أنا بالنسبة لك أب وأم؛ فقولي رأيك بصراحة. - وما رأيك أنت؟ - رأيي بعد رأيك. هل لديك عليه اعتراض؟ إنه من أحسن الشباب وأكملهم، ثم إن صلته الروحية بي قوية، ونوع تربيته يعجبني.
Halaman tidak diketahui
في الواقع لم يكن لدي اعتراض على الشاب نفسه؛ فهو طيب القلب، صافي النفس، لا يشرب، ولا يعرف النساء، وعلى خلق. - ولكن يا أبي فارق السن بيننا بسيط، وفي اعتقادي أنه يجب أن يكون الزوج أكثر تجربة وأكثر اختبارا للحياة؛ ليمكنه أن يقود سفينته برفق، وليمكنه أن يحل ببساطة المشاكل التي تبدو للزوجة صعبة الحل شديدة التعقيد. - إنني أنا ووالدتك كنا أسعد زوجين وتمتعنا بسعادة لا يحلم بها أحد، ومع ذلك فقد كان السن بيننا متقاربا.
لم أجرؤ أن أقول: إن الحب الذي كان يجمع بينكما هو الذي تغلب على كل المشاكل وأذاب كل العقبات.
يا بابا، إذا تقارب السن يشعر كل من الزوجين بعدم الثقة في عقلية الآخر، ويصور له غروره أنه هو المتفرد بالرجاحة والاتزان. - شاوري مخدتك وأجيبيني غدا. وحتى إذا تمت الخطبة ولم تشعري بالارتياح فيمكن التراجع فيها.
وبقيت طوال الليل تنازعني أفكار كثيرة، وتصارعني عواطف مختلفة. إنها لأكبر حيرة تملكتني، ماذا أفعل؟ ما الذي يقضيه علي الواجب؟ ما الذي يفرضه علي العقل؟ - مبروك؟
قالها أبي وعيناه تلمعان فرحا.
لم أر هذا الرجل في مثل هذه السعادة، إنها ملأت كيانه، وتبدت في كل حركة من حركاته وفي كل سكنة من سكناته.
إنه ليهز مشاعري أن أحس أنني السبب في إسعاد الرجل الذي ليس لي في الدنيا سواه، إنني أومن بالحب، ولكنني لا أحس به، ولكن أفلا تعادل فرحة أبي خفقة قلب المحبين؟ والله إنها ...
ليس معنى هذا أنني أكره هذا الشاب أو أعترض عليه، لا والله فإنني أحبه كثيرا وأراه متكاملا، إلا أنني أشعر بتباعد كبير في أفكارنا؛ فهو إنسان مطمئن النفس لا يرى الدنيا إلا في قالبها الوردي، وأراها أنا قاتمة الوجه، فكيف يجمع بين النور والحلكة وبين البساطة والتعقيد؟ ثم هو يريد - ككل شاب - أن يكون أبا ويرى أولاده يمرحون من حوله ويملئون دنياه حبا وسعادة، أما أنا فأرى في إيجاد الأطفال جريمة - وهذا الرأي خاص بي - فمن منا يضمن أنه سيعيش حتى يربي أولاده؟ ومن منا يستطيع أن يمنع ما يراه أطفاله بعده من هوان وعذاب؟ ثم إذا جاء الطفل مشوها أو متخلفا كيف أغفر لنفسي أنني أنا السبب في ذلك؟ ومن الغريب أن يكون تفكيري على هذا النحو من التشاؤم ولم أكن قد تجاوزت الثامنة عشرة، ولكن قد يكون موت أمي وأنا في العاشرة هو الذي جعلني أصدم في الدنيا وأصدم في الناس، وجعلني أرى ما يخفى عن الأطفال، فالأم تحمي أولادها كالمظلة تقيهم الحر والبرد والمطر، فإن ذهبت كشرت الدنيا عن أنيابها وزمجرت.
تمت الخطبة في منزل والدي بالزمالك في حفل عائلي نظمته زوجة أبي أمينة صدقي ابنة رئيس الوزراء السابق ما قبل الثورة إسماعيل باشا صدقي، وأضفت عليه من ذوقها الرفيع الرائع جمالا وأناقة وبقلب ينبض بحب وأمومة.
وقارنت بين نفسي المضطربة وبين نفسه المطمئنة الآمنة وخشيت الأيام، كانت فترة الخطوبة عبارة عن تحفظ دائم من ناحيتي، وعن حب متدفق كالشباب من ناحيته، كنت أراه كل يوم يتناول غداءه معنا كلما استطاع إلى ذلك سبيلا، ثم يعود في المساء بابتسامة هادئة وبقلب ملتهب.
Halaman tidak diketahui
وفي يوم دخل ثروت إلى الصالون وكنت أطلي أظافري، فجلس إلى جانبي وطلب مني أن يقوم هو بذلك، وطبعا المقصود لم يكن المساعدة، وإنما المقصود هو تلامس الأيدي، وكان هذا هو نوع الغزل في فترة الخطوبة، وكنا لا نخرج وحدنا أبدا أيام الخطوبة التي دامت سنتين، وإنما كان خروجنا مع أبي وزوجته ومع أعمامي وزوجاتهم، هكذا كانت التقاليد في هذا الزمن.
وكنت أسأل نفسي هل أستحق منه هذا الحب؟ وكنت دائما أجيبها بغرور الشباب واعتقادي أن مثلي يجب أن يحب إلى هذه الدرجة بل وأكثر. ولكن مثلي دائما تهزه العواطف الجياشة الصادقة التي يحسها من قلب محب، فلقد وجدتني يوما وبدون سابق إنذار أشعر بتناقض غريب في مشاعري؛ أحسست بأن هذا الثلج الذي تراكم على قلبي كاد أن يذوب، إنني لم أكن أتصور أن قلبي سيخفق يوما بالحب، ولكن إذا بي وبعد شهور أسأل ابن خالي وكان أخا وصديقا: هل يمكن أن يكون تفكيري الدائم فيه حبا؟ وهذا القلق إذا غاب والفرح إذا أقبل أيكون هذا هو ما يسميه الناس بالحب؟ وهذه الخفقات التي تعلو حتى يكاد يسمعها الناس من حولي وهذا اللهيب الذي يطفو من القلب إذا هو ناداني أو نطق باسمي، إذا كان هذا هو الحب فأهلا به بعد طول الغياب.
وكانت أيام الخطوبة تعني بالنسبة لي لهفة وحبا من الخطيب، وهدوءا ورزانة من الخطيبة، وليس عليها أن تبدي مشاعرها بل عليها أن تستقبل المشاعر الجياشة بشيء من الكبرياء، وكنت لا أسمع منه إلا الكلمات الحلوة الرقيقة، ولكن للأسف لم يكن في مقدوري أن أسمعه بدوري كلمات جميلة؛ فقد كانت تقف في حلقي وتظل حبيسة به. وبقيت على هذه الحال بعد زواجي بسنوات طويلة. ولو كان يسمع نغمات قلبي وخفقاته لشعر بالزهو والثقة بالنفس. وإني لأندم الآن لأنني حرمته من المشاعر التي يحب الشباب أن يشعروا بها، وأنني ظلمته. ومشكلتي كانت في كبريائي وخجلي، وما حيلتي؟ فهذا هو قدري. ومع أني ألوم نفسي الآن بعد ما علت بي السن، وأقول يا ليتني ويا ليتني ... غير أنني واثقة أنه لو عاد بي الزمن إلى الوراء ما كنت غير الذي كنته، وتذكرت بيت الشعر الذي تعلمته من أبي وأنا طفلة وهو:
دلائل الحب لا تخفى على أحد
كحامل المسك لا يخلو من العبق
فما حاجتي للكلمات؟
وقد لامني إخوتي على ذلك؛ أختي الكبرى فردوس وأخي واثق، وقالا لي: إنك تعاملينه بشراسة، وهذا طبعك منذ طفولتك؛ فقد كنت دائمة الشجار معنا ومع أقاربك الذين من سنك، ولم أفصح لهما بالطبع عن أسباب هذه المعاملة.
وبدأ الإعداد للزواج، ولم يقبل أبي المهر من دسوقي باشا كما فعل مع أختي الكبرى، ولكن زوجة أبي - ولا أحب أن أدعوها كذلك لأنها أم بكل ما تحوي هذه الكلمة من معان - تدخلت وأصرت أن يحترم أبي التقاليد؛ فوافق أبي على مضض واشترى لي بالمهر «بروشا» من الماس، ولكن للأسف لم أتزين به لأنه كان كبير الحجم وأكبر بكثير من «البروشات» التي تتزين بها صديقاتي، وأقيم الفرح في منزل دسوقي باشا، وكان المدعوون من السيدات فقط، وأما الرجال فكانوا أقرب المقربين لي ولثروت، وكانت «الكوشة» عبارة عن ستائر من الحرير الأبيض مطرزة بالخيوط الذهبية، وكانت زوجة أبي قد قضت صباح يوم الفرح في إعدادها.
وبدأت الزفة، وهي في نظري الدقائق العصيبة التي تمر بها كل فتاة، يقولون: إن هذه الدقائق لا تحسب من العمر، وهي فعلا لا تحسب من العمر لأنها تخرج الفتاة عن الشعور بالحياة، فأمام كل هذه العيون التي تنظر في لحظة واحدة إلى شيء واحد لا يسعها إلا أن تكف عن الحياة، وبينما أنا خارج الحياة لم أر إلا عيون أبي تتابعني وبجانبه أم كلثوم، واستطعت أن أسمع أغنية الزفاف التي سمعتها أجيال من قبلي وسيسمعها أجيال من بعدي. وبعد انتهاء السهرة جاءت زوجة عمي أحمد وقالت لي: هيا غيري ملابسك لتذهبي مع زوجك إلى فندق مينا هاوس، فقلت لها: ولكنني لم أستأذن أبي ولا أعمامي، فنظرت إلي طويلا لتتأكد أنني لست بلهاء. وفي اليوم التالي ذهبنا إلى الإسكندرية، وبدأ شهر العسل، ونزلنا في فندق البوريفاج ، وهو من أهم الفنادق هناك، وأخذنا نتجول في البلد، وذهبنا إلى محل هانو ، وكان صورة طبق الأصل من محلات باريس، ولفت نظري نوع من العطر، وقلت: إنني أحب هذا العطر ولم أشتره لأنني كنت قد اشتريت في جهازي كل ما أريده ولا ينقصني شيء، ولما عدنا إلى الفندق قدم لي ثروت هذا العطر الذي أعجبت به، وبدلا من أن أفرح به وأشكره قلت له في سخافة: لماذا اشتريته؟ فقد كنت أستطيع أنا أن أشتريه، ولكني تذكرت أن عندي منه ما يزيد عن حاجتي. ولن أقول ماذا حدث، غير أنني أستحق منه أي رد فعل ممكن؛ فهو شاب في الثالثة والعشرين من عمره وتزوج منذ يومين ويريد أن يشعر أنه زوج وأنه مسئول عن زوجته، فقد صدمت عنده كل هذه المشاعر بغطرستي، وقضينا أسبوعا ولم أكن أتناول فيه من الطعام إلا الشاي، ونزل وزني خمسة كيلوجرامات؛ لأنه في اعتقادي أنه لا يصح أن يتكفل هو بمصاريفي، إلى أن جاء عمي أحمد وزوجته إلى الإسكندرية ودعونا على العشاء في مطعم معروف هو «سانتا لوتشيا» وأكلت وعوضت الأيام التي لم أتناول فيها الطعام لأن عمي هو الذي دفع. وكان يحلو لثروت أن يروي هذه القصة فيما بعد ويقول يا ليتها بقيت كما كانت في شهر العسل. وطبعا مع مرور الزمن تغيرت هذه الأفكار نهائيا.
وانتهى شهر العسل على خير وعدنا إلى بيتنا الجديد في الزمالك في شارع الكامل محمد، وكانت شقة أثثتها زوجة أبي بذوقها الرفيع. وفي أوائل أيام زواجنا ذهب ثروت إلى أبي ليسأله عن المبلغ الذي يكفي مصاريف بيتنا في شهر، فكان أبي رحيما به وحدد مبلغا يكفينا أكثر من أسبوع؛ لأننا كنا نذهب إلى السينما مرتين في اليوم على الأقل، ونذهب إلى المسرح مرتين أو ثلاثة في الأسبوع، ونتناول غداءنا أحيانا في مطعم «نيو كورسال» وعشاءنا في كازينو الحمام، وبعدما تنفد مرتباتنا يمسك كل منا التليفون لأبيه فيلقنوننا درسا طويلا في التدبير ثم يهبون إلى نجدتنا.
Halaman tidak diketahui
وابتدأنا نستضيف شقيقتي ثروت ، وقد أحببتهما وأحبتاني، وكنا ننتظر زيارتهما بفارغ الصبر كل أسبوع، كانتا في بواكير الشباب في الخامسة عشرة والثالثة عشرة من عمرهما، وكانتا تعتبران زيارتهما لنا حلما من الأحلام؛ ففي بيت أبيهما لا يخرجان إلا مرة كل شهر، وبعد رجاء ملح منهما وتردد طويل من الأهل، فقد كان خروج البنات في ذلك الوقت نادرا، وبلغ من شدة سعادتهما أن اصطحبتا معهما في الأسابيع التالية ابنة عمهما سلوى وكنت أقول لهما ضاحكة: من قال لكما إننا سنتحمل الضيف الثالث؟ ألا يكفي ضيفتان؟ أهو ذنبنا أننا رحبنا بكما، وكانت الضيفات الثلاث مستعدات أن يتحملن هذه المداعبات بل وأكثر منها ما دمن يخرجن ويسهرن ويتسلين.
وبعد يوم مشحون بالأفلام والمسرحيات ذهبن إلى فراشهن ونادين علي لأسهر معهن وأخذنا الحديث والسمر إلى ما بعد منتصف الليل، ولما أردت العودة إلى حجرتي كن يمنعنني باحتجاج شديد، ولما حاولت الخروج أقفلن الباب بالمفتاح، لنستأنف معا الضحك والمرح، ولم يكتفين بهذا بل كن يقصصن على أبيهن أخبار السينما، فكان يعنف زوجي ويمنعه من اصطحابهن بهذه الكثرة إلى الملاهي، وكان زوجي يقول لهن: أنا لا أجني من إكرامي لكن إلا التعب والتعنيف. وحدث أن احتاج زوجي لجراحة استئصال الزائدة وكانت عملية كبيرة نظرا لتأخر التشخيص وتأخر التنفيذ.
وحددنا اليوم وذهبنا إلى المستشفى بتشجيعي وتشجيع زوجة أبي؛ فقد كنا نراه متعبا متألما وعصبيا، وأجريت العملية، التي تستغرق في العادة نصف ساعة، في ساعتين، وتوترت أعصابنا جميعا وخفقت قلوبنا، ولم أحتمل نظرات والدته اللائمة؛ فهي طبعا لم تكن موافقة على الجراحة، واعتبرتني بطيبة قلبها وتلقائيتها مسئولة عن هذا الموقف الدقيق. وخرج أخيرا إلى غرفته وهو ما زال تحت تأثير المخدر الثقيل، لا يكاد ينطق إلا باسمي. ودخل أبوه وقلبه يملؤه القلق، ووقف إلى جانب سرير ابنه ينظر إليه، ويسمعه يناديني ويمد لي في الهواء ذراعيه؛ فطلب مني الأب أن أقترب، وكنت واقفة بعيدا محرجة من هذا الموقف العاطفي أمام الأهل، واقتربت بعد تردد وبحذر شديد، وأخذ يكلم - وهو نصف نائم - الممرضة الإنجليزية بلغتها ويحكي لها عن حبه لي. وما إن أفاق واستعاد نفسه حتى بدأت المناقشات من جديد، وكان الصراع بين الكبرياء والكبرياء، بين الحب والحب، واستمر سنوات وسنوات كنت أحس بحبه الجارف لي؛ فتجبرت وأخذت أثبت وجودي وأدافع عن كياني بقوة الشباب. عاتبته على الهفوة، آخذته على نغمة الصوت وعلى خائنة الأعين وما تخفي الصدور، تخاصمنا، وتقاطعنا، وترك كل منا البيت، ولكن الحب الكامن في قلبينا كان يشفع لكل هذا، وكان الحب المتدفق يعيدنا إلى البيت دائما.
وكانت عقدة حياتي هي أنني أريد أن يعاملني كخطيبة وليس كزوجة، فقد كان الصوت خافتا والكلمات رقيقة، أما بعد الزواج فيرتفع الصوت من القرار إلى الجواب والرقة تقل تدريجيا، وكان كلما كلمني بطريقة الأزواج تصدم مشاعري فأجيبه بعدوانية، وهو طبعا لا يفهم السبب، فيحار ويتعجب، ثم يغضب - ومعه الحق - ولولا هذه العقدة لسارت حياتنا في مسار أهدأ، وبقينا على هذه الحال سنوات، ولكن أحمد لله أن مد في عمر زواجنا واستطعت أن أقبل الأمر الواقع، وأن أكون زوجة ككل الزوجات وأن أعوضه عن بعض ما فات، ولكن كنا قد وصلنا إلى الكهولة، وشتان ما بين الشباب والكهولة!
وفي أوائل سنوات الزواج كان معتادا أن يسافر إلى قريته «غزالة» من وقت لآخر، وسافر مرة وكلمني بالتليفون عند وصوله إلى هناك مساء، وفي أثناء المكالمة احتد أحدنا على الآخر؛ فأغلق التليفون في وجهي، وجن جنوني، ولم يكن عندنا اشتراك للاتصال بخارج القاهرة، وبقيت والدم يغلي في عروقي إلى أن طلبني ثانية فأسرعت وأقفلت التليفون في وجهه؛ واستطعت أن أنام. وعندما عاد وزال الغضب قال لي: إنني طلبتك ثانية لأنني أعرف أنك لن تنامي قبل أن تردي الإهانة؛ فأردت أن أمكنك من ذلك، وهذه القصة على رغم بساطتها إلا أنها أثرت في نفسي ولا أزال أذكرها حتى الآن.
ذهبنا يوما لزيارة عمة لنا، وأثناء مرورنا بالحديقة تعثرت قدمي وكدت أن أقع؛ فصرخ زوجي صرخة عالية خوفا علي ولهفة، ولكن ما كان مني إلا أن قلت له : لا تصرخ هكذا! فتملكته الدهشة واعتبر هذا برودا مني، وقال لي إنني لا أستحق منه هذه اللهفة.
والواقع الذي لم يفهمه زوجي إلى آخر وقت من عمره هو أنني خجلت أن يسمع أحد صرخته ويعرف ما بيننا من مشاعر، وأظن أنه لم يخطر بباله هذا الخاطر، ولكن هذا ما شعرت به وخجلت أيضا أن أشرح له حتى بعد مضي السنين، إلا أنها أثرت في نفسه، وكنا نقضي شهور الصيف في الإسكندرية ولم نكن قد رزقنا بأبنائنا بعد فكنا أحرارا كالطيور في السماء نذهب حيثما نشاء في أي وقت نشاء، وكان مكاننا المفضل هو نادي السيارات حيث نشاهد غروب الشمس ونتابعها وهي تغيب رويدا رويدا وبتؤدة وجلال في البحر، وكان منظرها يملأ نفوسنا سعادة وانشراحا، وبعد المغيب نقضي الوقت في ترديد الشعر؛ يقول كل منا أجمل ما يحفظه منه، أنا أقول شعر أبي في الغزل وهو يقول شعر شوقي.
ويمضي الوقت ولا نكاد نشعر بمروره، وكان زوجي يقول لي إنه حفظ الشوقيات في رأس البر، وإنه كان يقرؤها في ضوء القمر، وكنت أقول له: إن أبي كان يعلمنا الشعر ونحن أطفال؛ أختي وأخي وأنا، وكان يقوله ونحن نردده وراءه حتى نحفظه، وكنا نحفظ الشعر خصيصا لنستعمله في المطارحة الشعرية التي كنا نقتل بها ملل السفر الطويل.
وسافرنا مرة إلى أسوان والمسافة طويلة بينها وبين القاهرة، وقطعنا الوقت بالحديث والقراءة، ثم أخذ هو يقول الشعر، وهو من أكثر الناس حفظا للشعر، وأخذ يتغنى ساعات طويلة بشعر أمير الشعراء أحمد شوقي؛ إلى أن استبد بي الغضب وتجهم وجهي على الرغم مني، ولما سألني عن السبب لم أقل له شيئا، ولكن الواقع أنه لم يذكر بيتا واحدا من شعر أبي، وأنا أعرف أنه يحفظ منه الكثير، ويعجب به أشد الإعجاب.
ووصلنا إلى أسوان «بتكشيرة» كبيرة مني ودهشة وتعجب منه. وفي أوائل شهور زواجنا طلب عمي أحمد - وأنا أناديه يا بابا كعادة أهل الريف - من زوجي أن يذهب إلى منزل فنانة معروفة جدا حينذاك، وكان يقال إنها لا تقاوم، فحاولت أن أعترض ولكني لا أستطيع أن أرد لعمي طلبا، وطلب منه أن يتم معها إجراءات شراء سيارتها، وكانت قد عرضتها للبيع حينما تلقتها هدية من أمير عربي. وذهب ثروت في الميعاد واستقبلته الفنانة بقميص نوم و«روب» شفافين يظهران أكثر مما يستران، وتمت الصفقة وأعطته مفاتيح السيارة، وكان مكتوبا على السلسلة غزل في عيون الفنانة. وحكى ثروت لعمي ما رآه، وندم عمي على أنه لم يذهب بنفسه، وعاد زوجي إلى بيته سالما.
Halaman tidak diketahui
ومن مداعبات بابا أحمد لنا هذه القصة؛ فقد كنا نخرج كثيرا في أوائل سنوات الزواج، وكنا نذهب إلى السينما مرتين في اليوم، وكانت لي صديقة شابة مطلقة وعلى خلق عظيم، فكنا دائما ندعوها للخروج معنا؛ لأنه في ذلك الوقت لم يكن مسموحا لشابة في سنها أن تخرج وحدها أو حتى مع صديقات لها؛ فكانت تخرج يوميا معنا، وكنا جميعا سعداء بذلك. وفي يوم كنت أزور عمي فقال لي أتخرجين دائما مع صديقتك فلانة؟ قلت له نعم، فقال لي: إن والدتها قالت لي إنها تتمنى لو أن ابنتها تتزوج من ثروت.
على رغم أنني أعرف أنه يمزح إلا أنني قلت لنفسي وما أدراني لعلهم يفكرون في ذلك فعلا؛ فإذا بي أنقلب 180 درجة من ناحية صاحبتي المظلومة، وقررت ألا أدعوها للخروج معنا بعد ذلك. وفي يوم قال لي زوجي: هيا نذهب إلى السينما وكلمي صديقتك لتأتي معنا، فإذا بي أنفجر فيه وأحاصره بالأسئلة؛ فبهت ولم يجب. وهكذا كانت دعابة عمي سببا في حرمان صديقتي من الخروج. ولكن صداقتنا بقيت كما هي؛ فهي لا ذنب لها إلا أنني أخذت دعابة عمي مأخذ الجد، وظلت هي حبيسة المنزل إلى أن تزوجت مرة أخرى وأفرج عنها.
وأول مرة سافرنا فيها معا إلى أوروبا كانت في يناير سنة 1967م، فقد فاجأنا صديقنا «محمود خضر» وكان عضوا بارزا في المخابرات العامة، وفي نفس الوقت كان زوجا لراوية أباظة وهي من أقرب المقربين لنا؛ فاجأنا حين قال لثروت: «استطعت أن آخذ لك ولزوجتك إذنا بالسفر إلى الخارج.» وكان السفر في هذا الوقت من أصعب الأشياء ، وكان في أضيق الحدود لا يسمح به إلا للمرضى، وحتى المريض الذي يحتاج إلى العلاج في الخارج يعرض على «قومسيون» طبي للتأكد من مرضه، وقد يعقد هذا «القومسيون» بعد أن تسوء حالة المريض، ولكنه يضطر للانتظار حتى يأتي دوره، ولا يحصل على قرار «القومسيون» إلا المريض سعيد الحظ. كان هذا بالنسبة للمريض فما بالك بالسليم؟ تملكتنا فرحة غامرة وكنا لا نكاد نصدق أنفسنا؛ فلسنا ضباطا أو مشرفين على الموت حتى يسمح لنا بالسفر، وشكرنا صديقنا «محمود خضر» ولم ننس له هذا الجميل إلى الآن. وبعد الفرحة والسعادة تذكرنا أننا لا نملك تكاليف السفر، وما هي إلا ثوان ووجدتني أذهب إلى أبي وأقص عليه ما حدث؛ فقال دون تردد: «دي فرصة ما تتسابش.» وتكفل على الفور بتكاليف سفري أنا وثروت، فأخذ يبحث عن وسيلة إلى أن اهتدى إلى طريقة تحقق له هذا السفر، فقد اتصل بناشر لبناني كان قد نشر له كتابا وطلب منه، بوسيلة أو بأخرى أن يحول مستحقاته من لبنان إلى سويسرا على بنك في جنيف، وهذا البنك يتعامل معه صديق له.
وتم الاتفاق وسافرنا، وكان سفرا مباركا، ففي روما أول محطة لنا وجدنا السيدة «قوت القلوب الدمرداش» وهي صديقة للعائلة الأباظية، وكانت قد غارت مصر مع أولادها بعد الثورة لأنها كانت من أغنى الأغنياء، ووضعت تحت الحراسة واستولت الحكومة على بيتها الذي كان يطل على كوبري قصر النيل. خصصت لنا هذه السيدة الكريمة سيارة «مرسيدس» يقودها ابنها الأكبر لنتجول بها في روما، وكان ثروت مصرا أن يرى تمثال «موسى» لمايكل أنجلو، ولم يكن موجودا في متحف إنما كان في مكان على ربوة في وسط المدينة، فأخذ سائقنا وهو ابن صديقتنا يسأل ويبحث إلى أن وجدناه. ولهذا التمثال قصة شهيرة حكاها لي أبي وأنا طفلة «وهي أن صانعه الفنان العظيم بعد أن أتم نحته نظر إليه فأخذ بعظمته فلم يتمالك من أن يأخذ عصاه ويضربها على التمثال ويقول له: انطق!» وتم لزوجي ما أراد. وكان سفير مصر في إيطاليا هو المربي الكبير «نجيب هاشم» الذي كان ناظرا على ثروت في المدرسة الثانوية، ويعرفه جيدا لأنه كان يشكوه دائما لوالده دسوقي باشا لتأخره عن ميعاد الدخول صباحا. وعاملنا «نجيب بك هاشم» كوالد وعرفنا بعائلته الكريمة وأحببناهم جميعا. ولا أنسى سفيرنا في الفاتيكان «محمد التابعي» وزوجته فهما أصدقاء الأسرة أيضا، وكيف اهتما بأمرنا، وتبادلت زوجت السفيرة «نجيب بك هاشم» وزوجة السفير «محمد بك التابعي» الاهتمام بي وخصوصا في الذهاب إلى المحلات، وكانت كل منهما تصحبني إلى المحل المفضل عندها، وكنت أجد نفسي مضطرة للشراء مجاملة لهما مع أن الميزانية لم تكن في منتهى الازدهار. وعند سفرنا من روما إلى باريس أوصلنا مستشار السفارة وكان زميلا لثروت في المدرسة بسيارته «المرسيدس» إلى المطار، وفي باريس قابلنا «إبراهيم الدسوقي أباظة» الذي كان يحضر الدكتوراه هناك وهو المحامي والكاتب الكبير الآن في جريدة الوفد، وقد تنازل لنا عن شقته الكائنة في شارع «جان جاك روسو» واستعار سيارة صديق له لنتجول بها في باريس وضواحيها. واستقبلنا في مطار باريس أيضا «إبراهيم أباظة» وكان يعمل في شركة مصر للطيران، وكان يلازمنا دائما ويدعونا إلى منزله على أكلات مصرية تصنعها زوجته الجميلة أمينة. ومن باريس ذهبنا إلى لندن، وهناك وجدنا صديق زوجي المقرب جدا إليه وقد ترجما معا أعمال «همنجواي» و«شتاينبك» وهو «عبد الله البشير» وكان ملحقا ثقافيا هناك ويملك ناصية اللغة الإنجليزية، وقد تولى أمرنا طوال إقامتنا في لندن. كل هذا الإكرام في هذه الرحلة كان راجعا للصداقة الشخصية فقط، ووجد ثروت كل شيء سهلا ميسرا على الرغم من أن المسافر لأول مرة يجد صعوبة في التعرف على معالم المدينة وفي المواصلات. وكنت أقول له: إن صفاء نفسك وطيبة قلبك جعلنا نسافر كالملوك على رغم أنه ليس لك أية صفة رسمية وإنما أنت محاط بحب الناس واحترامهم.
وكتبت لأبي أشكره وأطمئنه علينا فهو يعلم أننا نسافر لأول مرة، وقلت له: إننا سعداء جدا وننتقل في جولاتنا من مرسيدس إلى مرسيدس.
ولما عدنا إلى القاهرة استقبلنا أولادنا في المطار، وكان دسوقي يحمل في يده «برطمانا» صغيرا لوح به في وجهنا وهو في غاية السعادة، وقال: «لقد عملت عملية المصران، أهو في البطرمان.» فانزعجنا وضمه أبوه إلى صدره وقال له: «لن أغيب عنك أبدا مرة ثانية.» فبكى دسوقي وكان في الثامنة من عمره، فنظر إلي ثروت وقال لي بيتين من شعر أمير الشعراء عن أولاده:
بكيا لأجل خروجه في زورة
يا ليت شعري كيف يوم فراقه
لو كان يسمع يومذاك نداهما
ردت إليه الروح من إشفاقه
Halaman tidak diketahui
ولما بدأ في كتابة القصص القصيرة كتب قصة قصيرة، أخذ يتغزل فيها في جمال بطلتها وفي شعرها الذهبي المنسدل على جبينها وعلى كتفيها، وفي عينيها الزرقاوين الواسعتين؛ فتملكني الغيظ لأن هذه الأوصاف لا تنطبق علي على الإطلاق، فخبأت القصة في حصن حصين لأثير غضبه.
وعندما عاد من الخارج سأل عن «الكشكول» الذي كتب فيه قصته فقلت له: إنني لم أره. فثارت ثائرته، ولما بلغت مأربي في إثارته أظهرت له القصة، وقلت له: «أنت عندك عقدة الخواجة.» هل تعتقد أن الشعر الذهبي والعيون الزرقاء هي الشرط الوحيد للجمال؟ فقال لي منتقما أنا أعجب كثيرا بالشقراوات.
وكان لا يحب المرأة المتكلفة التي تبالغ في إظهار زينتها، ويحب فيها أناقتها وبساطتها، ولا يحب المرأة التي تتكلم في المواضيع العامة كالسياسة مثلا بحدة مثل الرجال، ولا يحبها أن تحاول في مناقشتها أن تحل مشاكل الشرق الأوسط. وكان له مناقشة قاسية مع سيدة تتكلم عن الذرة والإشعاع وهي ليست متخصصة، ولم تشفع لها أنوثتها عنده.
وأحب أن أضيف أنه كلما رأى المذيعة الجميلة نجوى إبراهيم على شاشة التليفزيون كان يقول لها من على المقعد وهي على الشاشة ولا يبالي بوجودي ويقول بصوت عال: «أنت قمر!» ويتكرر هذا الإعجاب كلما ظهرت أمامه.
كان لا يفوته مسلسل في «التليفزيون» وكان يتابعه باهتمام شديد ويقول لي: «هذا بالنسبة لي شغل.» أما أعماله «التليفزيونية» فقد اعتاد أن يرى بعضها مختلفة تماما عما كتب، ولكنه كان يقول: «أنا مسئول عن كتابتي فقط.» وكان له مسلسل في السبعينيات فيه طفل حديث الولادة تحمله أمه بين ذراعيها، وكان والده في سنة أولى في كلية الطب، وتخرج الأب بعد سبع سنوات ولا يزال الطفل محمولا على ذراع أمه، وفي نفس حجمه عندما ولد، ولم يتمالك زوجي أن يطلب المعد ويصرخ فيه: ماذا فعلتم بكتابي؟! وعرض له فيلم سينمائي لا يمت لكتابه بأية صلة ولكنه فقط يحمل اسمه.
وكان يحب أن يشاهد أفلام الفيديو ويقول: إنني أنا الذي أقرر ما أريد أن أراه، لا يتحكم في أحد (يقصد التليفزيون)، ويطلب مني دائما أن أذهب إلى مكتب الفيديو في الزمالك لأختار له أفلاما مسلية وخفيفة، ويقول لي: عندما أعود من عملي لا أحب أن أتعب ذهني فاختاري لي أتفه الأفلام. فأذهب إلى مكتب الفيديو وأختار فيلما تافها، فترشح البائعة فيلما جادا فأقول لها: أعطيني فيلم «الفول صديقي» وفي يوم آخر تعرض علي فيلما تاريخيا معروفا فأقول لها بل أعطيني فيلم «تجيبها كده تجيلها كده هي كده»، وفي اليوم التالي لم أذهب بنفسي وإنما أرسلت السائق، فلما عاد قال في انفعال ظاهر: البائعة قالت لي «كلام وحش أوي». - ماذا قالت؟ - قالت كيف يستطيع ثروت أباظة أن يعيش مع هذه السيدة وهي بهذه العقلية التافهة؟
فضحكت لأني لم أشاهد هذه الأفلام بالمرة، بل أحيانا أنظر إليها ولا أتتبعها فأنا لا أطيق التفاهة بطبعي، ولكني أتفهم رغبة زوجي في مشاهدة هذه الأفلام، فرأسه مشحون بقضايا كثيرة متنوعة، وهي مسئولية كبيرة تتعب تفكيره وترهقه؛ فيحاول أن يخفف منها قبل النوم، ولكن حاسته الفنية كانت تغلبه، وكان يسعى إلى مشاهدة أفلام نجيب الريحاني كلها في الفيديو، كل ليلة يشاهد فيلما ولما تنتهي الأفلام كلها يعيدها من جديد، وكان يحفظ كثيرا من حوارها، وعلى رغم إعجابي الشديد بنجيب الريحاني إلا أنني لم أكن أحب أن يشاركنا حياتنا بهذا الشكل.
أبوة حانية وتدليل
وبعد مضي خمس سنوات رزقنا الله بأول طفلة وأسميناها أمينة على اسم زوجة أبي أمينة صدقي، وهي الأم التي أكرمنا بها الله بعد وفاة أمنا، وقد أسميناها على اسمها، وهو أقل ما نستطيع أن نظهر لها به مشاعرنا. ومضى العهد الذي تصرفنا فيه كشباب مدلل، وبدأ كل منا يمد يده للآخر ويسانده بكل ما أوتي من قوة، ويعتبر كل منا الآخر كهفه الذي يحميه من الأيام. ولكن بدأ الخلاف على تربية الأولاد؛ فويل للأم من أول طفل، وويل للطفل من أول أمومة؛ فالطفل الأول يعاني من عدم خبرة أمه، والأم تعاني بدورها لأنها لم تتعامل قبل ذلك مع هذه المخلوقات الصغيرة؛ فكلاهما معذب.
بعد عامين جاءنا دسوقي وهو على اسم دسوقي باشا والد ثروت، بدأت الخلافات لأنني كنت أريد الدقة في المواعيد وفقا لما قرأت في كتب تربية الأطفال، وكان زوجي يسخر من مواعيدي ومني ويوقظ الأولاد بعد أن يناموا لأنه اشتاق لهم، وكان علي أن أكرر المجهود الشاق الذي تعرفه كل أم عندما تنيم أطفالها، ولم يكن أطفالي ممن ينامون بسهولة. كنت أبالغ في التمسك بالقواعد الصحية وكان زوجي يقول لي: الريف فيه أطفال أكثر مما يجب، ولا يراعي أحد هناك القواعد الصحية. وتمر الأيام ويتكون في بيتنا حزبان؛ حزب فيه زوجي والأولاد، وحزب أنا فيه وحدي؛ هم يريدون الفوضى وأنا أريد النظام، هم يريدون التسامح في الغلط وأنا أريد الضرب على أيدي هؤلاء الأشقياء الصغار، هم يريدون التربية الحديثة وأنا أريد التربية القديمة، هم يريدون السهر أمام شاشة التليفزيون في السن الصغيرة وأنا أريد النوم المبكر، هم يريدون - وبخفة دم - الحرية وأنا أريد - بجدية - الضبط والربط. وكنت أحيانا أشك في أدائي لأنني وحدي ضد الأغلبية.
Halaman tidak diketahui
وكنت كلما حاولت أن أوجههم فقط على المائدة غضب ثروت وقال: دعينا (أي هو والأولاد) في حالنا وكفى نكدا. - ولم تدخل نفسك مع الأطفال وأنا لم أوجه إليك الحديث؟ - أنت دائمة الانتقاد ولا تدعين الأولاد وشأنهم. - إنه واجبي، ويجب علي أن أعلمهم كيف يأكلون، وإذا لم أفعل فمن يفعل ؟ وإذا لم أقم بواجبي فما جدوى وجودي في الدنيا؟ - إنني لا أحتمل أن أرى أولادي باكين دائما. - إنني أربيهم. - بالله دعينا وشأننا.
وتنتهي المناقشة بأن أترك الغرفة محتجة وأجلس وحدي، ويبقى هو والأولاد سعداء هانئين.
ويرى زوجي أنني إذا طلبت من أمينة طلبا ورفضت وعاقبتها أنا وعنفتها فأنا ظالمة، وإذا شكت لي ناظرة المدرسة أحد الأولاد وأخذت جانبها فأنا أم غير طبيعية وأريد أن أدعي العدل؛ وما علي إذن إلا أن أتحمل اعتراضات زوجي وتمرد أولادي ولكن لا أكف عن التوجيه.
كانت عادتنا في الشتاء أن نأخذ أولادنا معنا في الغرفة وأمامنا التليفزيون في ليلة الأحد وهي ليلة عطلة المدرسة، وفي مرة حرمت أمينة - وكان عمرها أربع سنوات - من مشاهدة التليفزيون معنا عقابا لها على ذنب لا أذكره الآن، وكانت تفتح الباب علينا وتقول في عذوبة مصطنعة: أنا غلطانة، أنا وحشة.
ثم تغلق الباب وتختفي قليلا ثم تعود وتقول في رقة تمثيلية: لك حق تذنبيني يا مامي.
وتغلق الباب وتختفي ثانية؛ فنظر إلي ثروت في تحد وقال: إن لم تأت أمينة معنا الآن فسأبكي.
وهكذا كان عطفه وحبه لأولاده زائدا عن الحد.
وتستطيع الشيطانة الصغيرة أن تناقش ساعات وساعات دون ملل، شعارها «أنا وبعدي الطوفان.» وتعود وتقول وهي في الخامسة عشرة: هاتي يا ماما العطر الذي تستعملينه. - لماذا؟ إنني أحبه. - وأنا أيضا، ثم إن عندك غيره. - وأنت أيضا. - أعطيني نصفه. - أهذا استخسار؟ - إذن أعطيني هذه الأسورة التي في يدك. - أنت لا تلبسين ولكنك تضيعين. - أعطيني ظل العين. - إن حجرتك تفيض بأدوات الماكياج، فهل هذه الأدوات القليلة هي التي تعجبك؟ - أنا شابة صغيرة. - وأنا ما زلت على قيد الحياة ومن حقي أن أتجمل ما دمت لا أحرمك من شيء. - أعطيني الكتاب الذي تقرئين. - إنني لا أستطيع أن أحصي عدد الكتب التي بدأتها ولم أكملها بسبب مصادرتك لها، قولي بالمرة: إنك تريدين الهواء الذي أتنفسه. - أريد الهواء الذي تتنفسينه.
وتبتسم ابتسامة فداؤها الحياة.
ودخل أبوها وهي تطلب مني الهواء الذي أتنفسه فضحك من أعماق قلبه وربت على شعرها، وأظن أنه لم ير أن أمينة تطلب أمرا عجيبا.
Halaman tidak diketahui
وأقول لابني دسوقي عند عودته من المدرسة: هيا احفظ القرآن فعندك امتحان غدا. - إنني حفظته في المدرسة وسأقرؤه عليك.
وقرأه كلاما غير مفهوم ليس فيه حرف واحد سليم، وأخطاء في التشكيل وفي النطق. - اقرأ بالتشكيل. - إن المدرسة لا تطالبنا بذلك فلماذا تصممين أنت عليه؟ - لأن القرآن كلام الله ويجب أن نقرأه قراءة صحيحة، ثم إن أسلوبه جميل وأنت بنطقك هذا تجعلني لا أريد أن أسمعه. - إننا نكتبه في الامتحان ولا ننطقه؛ فلماذا أتعب نفسي؟ هل أنت أكثر معرفة وأكثر دقة من المدرسة؟
ولأن موضوع النقاش بيني وبين ابني يدور حول القرآن واللغة؛ لهذا السبب فقط تدخل الأب وهاله استهانة ابنه بحفظه، وعدم اهتمامه بالنطق والشكل؛ فعنفه بشدة، وبقي معه إلى أن قرأ القرآن كما يجب أن يقرأ. وكانت جدته لأبيه تحبه حبا عارما؛ فقد سمي على اسم زوجها الذي كان كل حياتها، ولأنه صبي، وكانت الجدات في هذا الوقت يفضلن الذكور على الإناث، وكانت تقول لأبي بكل فخر: دسوقي يقرأ القرآن كما أنزل. ولما كبر دسوقي تعمق في دينه وتمسك بتعاليمه في السر أكثر منه في العلن.
عندما كان دسوقي في الثالثة عشرة من عمره أراد أن يهرب من مدرس اللغة العربية بحجة أن المدرس تأخر، فغضبت وأصررت أن ينتظره إلى أن جاء متأخرا عن ميعاده ساعتين، فكتم دسوقي غيظه ولكنه خاصمني، وفي مساء ذلك اليوم حدثت مشادة بيني وبين أبيه لا أذكر سببها ولكن الذي أذكره أن ثروت خرج من الغرفة غاضبا وذهب ليقضي الليلة في غرفة أخرى، وذهلت عندما رأيت ابني الذي أغضبته منذ قليل يروح ويجيء بهمة ونشاط بين حجرتي وحجرة أبيه؛ لا ليقرب وجهات النظر وإنما لنقل «راديو» أبيه إلى الغرفة الجديدة، ثم يعود مسرعا وهو يغني ليأخذ «الأباجورة» والكتاب، ثم يرجع مهرولا لأنه نسي أن يأخذ «الترموس»، وهو يعلم جيدا أنني لا أطيق هذه المظاهر أمام أهل البيت ولكنه مع ذلك أصر على أن يظهر لي شماتته؛ فثارت ثائرتي وقلت لنفسي: لأنهين تلك الأعمال الصبيانية ولأشمتن أنا فيه. ولأول مرة أتصرف على عكس مشاعري وذهبت إلى زوجي في حجرته بابتسامة متشنجة وقلت له: إن ما تفعله أكثر مما يحتمل الأمر، سأنقل كل هذا إلى مكانه وكأن شيئا لم يكن. - إنني أتعب طول النهار وعندما أعود تتشاجرين معي. - لقد انتهت المشاجرة الآن ولا داعي لكل ذلك.
وعدنا إلى غرفتنا هو يمسك بالراديو والكتاب وأنا أمسك بالأباجورة والترمس، ومشينا بهذا الموكب أمام الشرير الصغير، وفرحت في نفسي أن ابني لم تتم فرحته في.
ويستغل أولاده طيبته وحبه الذي لا نهاية له ويمكرون عليه؛ فقد أرادت أمينة أن تسافر في رحلة تمر بموانئ البحر الأبيض فرفضت لأنني لا أحب أن تسافر وحدها وهي في السادسة عشرة من عمرها في رحلة مع آخرين لا أعرفهم، ولكن ابنتي أمينة لا تيئس، فأعادت الطلب ولكن من أبيها وقالت له إن صديقتها ووالدتها ستكونان في هذه الرحلة فلم لا تذهب في حمايتهما؟ فرحبت حينئذ بالفكرة ولو أني لا أعرف الصديقة ولا والدتها ولكنها ستكون في رعاية أم مثلي على كل حال. ودفعنا مصاريف الرحلة وتحدد ميعاد السفر فاتصلت بوالدة صديقتها تليفونيا لأوصيها أن ترعى أمينة كما ترعى ابنتها، وجاءني في التليفون صوت هامس فيه نعومة واستكانة؛ صوت مدرب ومثقف ثقافة معينة؛ صوت اقشعر منه بدني؛ فقررت في التو واللحظة أن أمينة لن تسافر مع هذا الصوت، ورويت القصة لزوجي؛ فسخر مني: هل تحرمين البنت من رحلة تتمناها وتنتظرها بلهفة؛ لأن أذنك لم ترتح للصوت؟
فقلت ضاحكة: أنا لا أخطئ، هذا الصوت لا يمكن أن يكون إلا لامرأة من نوع معين. - ارحمي ابنتك. - أأرحم ابنتي إذا أرسلتها في رحلة مع هذا الصوت؟ - البنت ستجن، ارحمي. - لا لن أرحم.
ولم تذهب أمينة إلى الرحلة على رغم احتجاجها وثورتها وبكائها. ولما هدأت ثائرتها جاءت وجلست بجانبي وقالت: أتعرفين يا مامي أم صديقتي تعمل ...؟ - يا خبر أسود، وكنت تعرفين؟ - طبعا، ولكن ماذا يضيرني؟ إنني لست محتاجة لمن يحافظ علي؛ فأنا التي أحافظ على نفسي. - وترمينني بالظلم وأنت تعرفين أنني على حق وأن أذني لم تخطئ؟ - الرحلة تستاهل.
وقلت ضاحكة: سأقول لأبيك ليكف عن الوقوف بجانبك. - أتعرف ابنتك كانت ستسافر مع من؟ - مع من؟! - مع سيدة تعمل ... - يا خبر أسود! - لست في حاجة أن أقول إنني كنت على حق.
ولم يدر كيف يدافع عن ابنته.
Halaman tidak diketahui
وكان يعطي أولاده من وقته الكثير، ويذهب معهم إلى حديقة الحيوان وإلى حديقة مينا هاوس، وكنا نصطحب معنا «أمين أباظة» ابن عمي وكان في سن دسوقي، ونعتبره ابنا ثانيا لنا، وكان له مربية دميمة، فلما وصلنا إلى مينا هاوس لم يستطع ثروت أن يصبر وطلب والدة أمين وهي ابنة خاله وقال لها: حرام عليك، أهذا منظر تأتين به إلى منزلك؟ أهذا منظر ترسلينه لي في نزهة مع الأولاد؟! أهذا وجه يكون إلى جانب ابنك أمين طوال الوقت؟! حرام عليك والله، وأغلق الهاتف وعاد إلينا وقد شفى غليله. و«أمين أباظة» ولد وحجمه أكبر بثلاثة أضعاف من حجم الطفل العادي حتى إنهم ألبسوه قميصا من الأمام وقميصا من الخلف حتى يغطي جسمه، وفي يوم ذهب ثروت لزيارة ابنة خاله والدة أمين وأخذ يعلق على سمنة ابنها، ويمزح معها حتى راودها القلق، وشرب ثروت معها القهوة وخرج، ولما خرج عادت المربية إلى فنجان القهوة وأخذت قليلا منه ورسمت رسومات على جبين أمين، وكان يشاع أن هذه الرسومات تمنع الحسد، وتصادف أن عاد ثروت إلى الحجرة، ورأى ما حدث؛ فقال لابنة خاله: هذه القهوة قهوتي أنا، فقالت ضاحكة إن عينيك ملونتان، ويقال إن العيون الملونة عيون حاسدة. وضحك معها ولم يمس الطفل بسوء ولم يحسد إنما زادت سمنته.
وأمين أباظة أصبح الآن شابا رشيقا ووسيما، عمل في البنك الأهلي والبنك المصري الخليجي، ولفت الأنظار إليه لكفاءته ولذكائه، ثم دخل مجال القطن، وما إن مرت فترة وجيزة إلا وقد ألم بدخائله وعرف أسراره؛ وأصبح يرأس مؤتمرات القطن في الشرق والغرب.
وعودا إلى اهتمام ثروت بالأولاد وخروجه معهم إلى الأماكن التي يعرف أنها تدخل السرور على قلوبهم، كان البحر هاما جدا عنده، ولا يعترف باليوم الذي يمنعه طارئ من الذهاب إلى «الشاطئ»، ولكن قبل الذهاب إلى البحر ومن الساعة العاشرة صباحا وحتى الثانية عشرة ظهرا كان عنده موعد مقدس وهو الذهاب إلى قهوة بترو للقاء الأستاذ الكبير نجيب محفوظ والأستاذ الكبير توفيق الحكيم، ويبقى معهم إلى أن أمر عليه أنا والأولاد ونذهب معا إلى البحر، وعند ذهاب أمينة ودسوقي ليخبرا أباهما أن ميعاد البلاج قد حان يصمم توفيق بك الحكيم على أن يشربا كوكاكولا على حسابه ثم يقول لهما: ميعادنا الصيف القادم فأنا لا أدفع لكما الكوكاكولا إلا مرة في السنة. ثم نذهب معا إلى المنتزه حيث نجد في البحر الدكتور الدمرداش أحمد وهو صديق ذواقة، يأخذهما الحديث في الأدب والشعر والسياسة إلى أن يحين موعد العودة إلى المنزل.
وفي البحر كان يلتف حوله شباب الأسرة وهم جميعا في المرحلة الثانوية والإعدادية، وكان يكلمهم عن طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي، فسألته إحدى الفتيات قائلة: «ومن هو عبد الرحمن الشرقاوي؟» أجاب: «اغربي عن وجهي واتركينا الآن حالا.» فذهلت الفتاة، ولكن طاهر أباظة وهو من المداومين على هذه الندوة الشبابية قال لها: «اخرجي من البحر الآن وعودي بعد قليل.» وعندما كان يكلمهم عن السياسة والسياسيين تكلم عن تشرشل فسأله طاهر أباظة: «ومن هو تشرشيل؟» فكان رده عليه بمثل ما رد على الفتاة منذ قليل. وعلى رغم ذلك كان هؤلاء الشباب يتمتعون بهذه الندوات اليومية التي تعقد في عرض البحر، وكان يشجع الأولاد على القراءة، وكان رأيه أن يقرأ الأولاد في كل شيء وفي أي موضوع حتى لو لم يكن مناسبا لسنهم؛ فقد كان رأيه أن يقرءوا فحسب، ولا أمل من أن أقول إن هذا لم يكن من رأيي.
وكبرت الأولاد بعد مشوار طويل في الدراسة ودخلت أمينة كلية الآداب قسم لغة فرنسية وكانت تنجح بأعجوبة؛ فهي لا تفتح كتابا إلا قبل الامتحانات بشهر واحد. وفي «الليسانس» حدث نفس الشيء ولما ظهرت النتيجة كلم عميد الكلية أباها وقال له مبروك أمينة نجحت، ففرح ثروت في أول رد فعل ثم طلب العميد ثانية ليتأكد منه، وأعاد العميد نفس الكلام، وما كان من ثروت إلا أن أخذ سيارته وتوجه إلى كلية الآداب ولم يهدأ إلا عندما رأى اسمها مع الناجحين.
وبعد التخرج عملت في المصرف العربي الدولي وانتعشت حالتها المالية هناك، ولكنها لم تجد نفسها في البنوك؛ فاستقالت. وأرسلها والدها إلى الأستاذ الكبير موسى صبري في الأخبار، فذهب معها بنفسه إلى مكتب الأستاذ الكبير رشدي صالح وعملت معه في مجلة آخر ساعة سنة كاملة، وكتبت تحقيقا عن العوامات وساكنيها، وعن المدبح. ولما علم الأستاذ رشدي صالح عن موضوع المدبح قال لها: يجب أن تكتبي عن الزهور وعن جمال الطبيعة وليس عن المدبح. وكلم موسى صبري أباها وقال له ابنتك لطيفة وجميلة ولكنها «روشتني» لأنها سريعة الخاطر، سريعة الكلام، سريعة الحركة، وحينما عدت إلى منزلي قلت لزوجتي ابنة ثروت أباظة «روشتني». واستقالت أيضا من آخر ساعة وعملت في الإذاعة في قسم مراقبة الأفلام، ثم انتقلت إلى قسم الترجمة في القناة الفضائية تترجم من العربية إلى الفرنسية التي تملك ناصيتها، ثم فكرت أن تفتح مستشفى صغيرا لإيواء الكلاب الضالة وحمايتهم من الأطفال الذين دأبوا على رميهم بالطوب ولا أحد يدري السبب، فهذه الحيوانات أرواح خلقها الله يجب أن تعامل بإنسانية، في حين نرى الطفل الأجنبي يمسح بيده على ظهر الكلب ويربت على رأسه في حب وحنان. وهي تأخذ هذه الكلاب وتعالجهم وتطعمهم وتجد كثيرا من الناس يقولون لها: لماذا لا يكون هذا المستشفى للأطفال؟ فتقول: إن الأطفال يجدون الحضانات المدفوعة وغير المدفوعة، ولكن لا أحد يفكر في هذه الحيوانات المعذبة من سوء المعاملة، وقد جمعت سورا من القرآن الكريم، وأحاديث عن النبي
صلى الله عليه وسلم
يحث فيها على الرفق بالحيوان لتقنع بها من يعارضونها، ويساندها في ذلك الكاتب الكبير أحمد بهجت والدكتور صلاح عبد الستار الأستاذ في جامعة السويس.
تزوجت أمينة من رجل الأعمال رءوف مشرفي وهو رجل غاية في الرقة والأدب والرقي، يجمع بين الثقافة العربية والفرنسية والإنجليزية واستقر بها الأمر في حياة زوجية هادئة.
لابنتي أمينة صديقات فرنسيات يعملن بالتدريس، وهن على دراية واسعة بالحركة الأدبية عندنا، فقد قرأن لنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ومحمود تيمور وثروت أباظة، ودائما يقلن لها: إن الشعب الفرنسي يقدر الأدباء ويعتبرهم أرقى البشر ويصنع لهم هالة من التقديس، ويتعجبن كيف أن أمينة لا تتباهى بما أعطاها الله؟! فلها أب كاتب معروف، هيأ لها مقابلة نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وكبار الكتاب.
Halaman tidak diketahui
وأما دسوقي فبعد حصوله على الثانوية العامة أراد أن يدخل كلية الآداب قسم فلسفة ولكن والده نصحه بكلية الحقوق، ولما طال بينهما النقاش اقترح ثروت أن يشرك الأستاذ الكبير نجيب محفوظ في الأمر، وقال نجيب بك لدسوقي: «جميل جدا أن تدخل فلسفة ولكن لتستطيع أن تكون شيئا في الحياة يجب أن تكون من الأوائل.» ففكر دسوقي وقرر أن يدخل كلية الحقوق، وتخرج منها ودخل المركز القومي للدراسات القضائية الذي افتتح في هذه السنة بالذات، وكان رئيسه المستشار سمير ناجي، وكان هذا المركز صورة مصغرة لمثيله في باريس من ناحية الشكل والأداء، ورفض سمير بك أن يأخذ مقابلا لإدارة هذا المركز، وكان دسوقي الأول على دفعته وعددها 260 وكيلا للنيابة؛ فأرسله سمير بك في مهمة مدتها ستة أشهر إلى باريس، وعند السفر ودعنا دسوقي وداعا حارا والدموع في عينيه ويضم شفتيه بقوة حتى لا تنهمر تلك الدموع، ولكن بعد شهرين من وصوله إلى باريس فوجئنا بتليفون منه يطلب من أبيه أن يمد البعثة إلى سنة، ولكن أباه رفض رفضا باتا. وعاد دسوقي وعمل وكيلا للنائب العام في النيابات المختلفة، ثم اختاره المستشار سمير بك ناجي ليعمل رئيسا للمكتب الفني، وليدرس لوكلاء النيابة الجدد اللغة الفرنسية فقبل، وأراد أن يتمثل بأستاذه وأن يرفض مقابلا لهذا العمل ولكن سمير بك رفض هذا الطلب. وظل دسوقي في القضاء وأحب عمله؛ ولذلك نجح فيه. وعمل لسنوات عديدة ثم ترك السلك القضائي وعمل في الجامعة العربية.
ولدسوقي أسلوب رصين في الكتابة، نشرت له جريدة الأهرام عدة مقالات، آخرها مقالة يودع فيها الداعية الجليل محمد متولي الشعراوي. وهو قارئ منذ فجر شبابه، ويقرأ في الدين وفي الآداب والشعر، وهو يحفظ كثيرا من شعر أحمد شوقي ومن شعر جده عزيز أباظة.
وتجده دائما إلى جانب اليائس والذي تتعثر معه الأيام، وقد تحمل المسئولية بعد أبيه بصبر وسماحة نفس.
وتزوج دسوقي من جيهان حتاتة كريمة منير بك حتاتة المحامي المشهور، وهي زوجة وأم وسيدة منزل ممتازة، وأنجبا «ياسمين وعفاف وملك».
وقد أخذ دسوقي وأمينة عن أبيهما القيم والأخلاق والصدق والسعي في مساعدة الناس بكل قواهما، وأخذا أيضا حب الخير والعطف على المحتاجين ونجدتهم.
وظل ثروت يرعى أولاده ويغدق عليهم من حبه وحنوه ولم يبخل عليهم بماله ولا بجاهه، وكان حصنهم الحصين، وأما أحفاده فكانوا النور الذي يضيء حياته وينسيه كل متاعبه.
وهم بدورهم يرتمون في أحضانه ويجدون عنده الأمن والأمان، ومن اللافت للنظر أن هذا هو حال كل الأطفال معه وليس فقط أحفاده، فالطفل يحس بالنقاء والصفاء فيلجأ إليهما لحمايته، وحتى الحيوانات المنزلية الأليفة كانت تختار مكانها تحت أقدامه وتنام وهي هادئة مطمئنة راضية.
أما أول أعمال ثروت الأدبية فكانت بعد زواجنا بقليل، طلب منه المخرج المشهور الأستاذ فتوح نشاطي أن يشترك معه في كتابة مسرحية عن ابن عمار والمعتمد بن عباد؛ لأن قصتهما مثيرة وتستحق أن يكتب عنها، ولكن الظروف لم تساعد على إتمام هذا العمل وظلت الفكرة تراوده وتداعب ذهنه، وبدأ يفكر في أن يكتب كتابا عن ابن عمار، والقصة التاريخية معروفة وكتبها فعلا. وفي رأيي أن أسلوبها العربي الرصين كان سببا لأن تقرر وزارة التربية والتعليم تدريسها أوائل الستينيات على تلاميذ الشهادة الإعدادية. وكان لا يحرم في رواياته المجرم والفاسد من الضمير نهائيا، وإنما دائما يترك لهم شعاعا منه ليحاسبهم حتى وإن لم تصل إليهم يد العدالة؛ على اعتبار أن الأمل في الندم والتوبة موجود دائما.
وبعد ذلك كتب «هارب من الأيام» وهو يصور فيها شرذمة من الأشرار روعت قرية وسلبت أموال أهلها وعاثت في الأرض فسادا، وكان هدفه من هذه الرواية هو الحرية وتصوير الرعب والمناداة بالخلاص من نير الاستعباد، وكانت الحرية هي شغله الشاغل في كل كتاباته، ولما تقرر أن يتحول كتاب «لقاء هناك» إلى فيلم سينمائي والذي يتكلم عن الصراع بين المادة والإيمان وعن المصالحة بين الأديان، كان على ثروت أن يذهب إلى شيخ الأزهر «الشيخ عبد الحليم محمود» وإلى «البابا شنودة» ليوافقا على عرض الفيلم، وكانت هناك مناقشات بين شيخ الأزهر وبابا الأقباط اللذين حضرا العرض الأول للاطمئنان على سلامة التنفيذ. وقد نجح الفيلم نجاحا كبيرا، وقد عبر عن الوحدة الوطنية أجمل وأصدق تعبير.
وكانت له حاسة سياسية صادقة، وكثيرا ما تنبأ بأحداث سياسية قبل وقوعها؛ فقد تنبأ بحرب 56 في اللحظة التي أعلن فيها الرئيس جمال عبد الناصر تأميم القنال، وعمل رهانا مع توفيق بك الحكيم على ذلك وكان مستبعدا تماما للحرب، وتناقش كثيرا مع محسن أباظة السفير في ذلك الوقت وكان متأكدا من عدم نشوب حرب، وعندما بدأ العدوان الثلاثي اعترف بحاسته السياسية، وتنبأ أيضا بانهيار الاتحاد السوفييتي في مقال نشره في الأهرام سنة 1970م، ولعل نشأته في بيت كله سياسة ساعدت على تنمية هذه الحاسة فيه.
Halaman tidak diketahui
وكان دائما يصف الإخوان المسلمين في مقالاته بأنهم بداية الإرهاب، ويهاجم الناصريين وينقل حيثيات من أحكام المحاكم تثبت بطشهم، ويهاجم الشيوعيين أيضا، وعبثا حاولنا - أولاده وأنا - أن نخفف من هجومه، ولكنه رفض أن يقلل منه، وكان يقول: أنا مع الحق إلى أن أموت.
وفي أوائل حياتنا الزوجية لم يكن أيضا عندنا «تكييف» ولم يكن منتشرا كل هذا الانتشار، فكان يهرب إلى سينما ريفولي وكانت قد افتتحت أول كافتيريا مكيفة في القاهرة، وكتب هناك رواية «هارب من الأيام» وكان يكلمني من وقت لآخر ليقرأ لي ما كتب. وبعد صدور الرواية كان الأقارب والأصدقاء يقولون لي مجاملين أنت التي ألهمته هذه القصة الشيقة ، وكنت أقول لنفسي: بل تكييف سينما ريفولي هو الذي ألهمه. وقد نال على هذه الرواية الجائزة التشجيعية سنة 1958م، وكان هذا أول تكريم رسمي يحصل عليه. ثم كتب بعد ذلك «شيء من الخوف» ونشرت في مجلة صباح الخير على حلقات، ثم اختارها الفنان صلاح ذو الفقار لينتجها فيلما سينمائيا، وتم إعداد السيناريو في منزلنا وكان يجتمع المنتج بالمخرج العظيم حسين كمال والسيناريست صبري عزت للمشاورة وتبادل الآراء؛ ولذلك خرج الفيلم بهذا الجمال، وكان للموسيقى والتصوير والتمثيل فضل كبير في نجاحه.
ولهذا الفيلم بالذات قصة، فقد اعترض عليه وكيلا وزارة الثقافة حسن بك عبد المنعم وعبد المنعم بك الصاوي وطلبا أن يراه الوزير، وكان الدكتور ثروت عكاشة هو وزير الثقافة في ذلك الحين. ولما رآه وأحس بما فيه من إسقاطات وتلميحات على الحكم طلب بدوره أن يعرض الفيلم على رئيس الجمهورية شخصيا. وقد كان تعليق الرئيس جمال عبد الناصر: «لو كنت أنا مثل هذا الرجل لقتلني الشعب.» وسمح بعرضه. وأما التكريم الذي ناله ثروت فهو تكريم الجمهور الذي أحس بنفسه وأحس بالمرارة التي تملؤه تحت نير الطغيان، وكانت الناس تتعجب كيف ظهر هذا الفيلم؟! كيف كتب له أن يرى النور؟! وحتى الآن لا يزال يعرض ويقابل بنفس الإعجاب وبنفس التقدير. والحقيقة أن «شيء من الخوف» كان صرخة مدوية تنادي بالحرية.
ثم جاءنا «التكييف» وكتب باقي رواياته في حجرة مكتبه في المنزل، وكتب كثيرا منها في سويسرا وبالتحديد في لوزان، وكان يستوحي رواياته من الواقع المحيط به وينتهي من كتابتها في سنة تقريبا، وكنت أحاول أن أقنعه بأن يخفف قليلا من عنف مقالاته ولكنه كان لا يتزحزح عن مواقفه ويقول لي: «أنت خلقت كما أنت، وأنا خلقت هكذا.» وحدث أن هاجمه أحد الكتاب في صحيفة حزبية، وهاجم أباه دسوقي باشا بألفاظ لا تمت للأدب بصلة؛ فصمم أن يلجأ إلى القضاء، وكلف المحامي المعروف منير بك حتاتة - حما ابنه - أن يترافع في القضية، وكسبها، وحكم على الكاتب الصحفي بالسجن، وتدخل صحفيون وشخصيات معروفة لإقناعه بالتنازل عن القضية ولكنه صمد لكل هذه الضغوط، وقال لي: «قد أتنازل عن حقي، ولكن لن أتنازل عن حق أبي.» وكل كتاباته كان يكتبها في حجرة مكتبه في المنزل، ويغلق عليه الباب ولا يسمح لأحد بالدخول، ولا يحب أن ندخل عليه لنسأله إذا كان يريد قهوة أو شايا، إنما يحب أن يطلب هو في الوقت الذي يريده. وكان قد ذاع اسمه فسعى إليه الناشرون للنشر في المطابع المختلفة، ثم بعد ذلك عهد بكل أعماله دون استثناء لدار المعارف.
وإذا كان لي أن أصف أخلاقه فأشهد أنه كان عنده صفاء نفس كصفاء الأطفال، لا يعرف قلبه الحسد ولا الحقد، ولا ينطق إلا صدقا، طاهر القلب واليد والضمير، يسعد لسعادة الناس، وكان شموخه وهيبته تجبر الناس على احترامه وحبه في نفس الوقت، وكانت زوجة ابني دسوقي «جيهان» تقول: «إذا نطقنا باسم عمي ثروت فإن اسمه يكون كالكلمة السحرية؛ يسهل كل صعب ويذلل كل مشكلة في جميع المجالات، وفي جميع الأوساط، وهذا فضل من الله عليه.»
وقال لي المخرج المعروف منير التوني - وكانت تجمعه بثروت أعمال تليفزيونية كثيرة - قال لي: إنه طلب من ثروت طلبات لتعيين أقارب له وأصدقاء، وما إن سمع ثروت الطلب حتى رفع سماعة التليفون واتصل بالمسئولين وهو على علاقة طيبة بهم جميعا وفعلا أجابوه إلى طلبه في الحال.
وهذه قصة تستحق أن تروى، فالصحفي فاروق أباظة كان كاتبا في مجلة «المصور» ودأب على أن يهاجم «ثروت» على صفحات مجلته على مدى سنوات، ولكنه حين فاجأه مرض خطير يحتاج إلى العلاج في الخارج لم يلجأ إلا إلى ثروت أباظة الذي لم يتوان عن مساعدته، وطلب رئيس الوزراء في الحال ورجاه أن يسافر الصحفي على نفقة الدولة؛ وقد كان، وعاد إلى بلده سليما معافى وعاد أيضا بحب وبتقدير لثروت. وإحقاقا للحق أنه عندما هاجم الأستاذ جلال أمين «ثروت» بعد وفاته مباشرة بهجوم غير موضوعي بالمرة - ويكفي أنه يهاجم إنسانا ليس في إمكانه أن يرد عليه، وكان هذا الهجوم على صفحتين من جريدة العربي - تصدى له فاروق أباظة مدافعا عن ثروت بكل صدق وشهامة.
والأستاذ جلال أمين له سابقة مع ثروت ولكن في حياته؛ فقد كتب مقالا ينتقد فيه «ثروت» نقدا غير موضوعي يحس فيه بالحقد والكراهية، ولم يشأ ثروت أن يرد عليه أو العنف به، والمعروف أنه كان عنيفا في خصومته، ولكنه آثر الصمت إكراما لذكرى والد الأستاذ جلال أمين الأستاذ العالم الجليل أحمد بك أمين.
وقد كان أحمد بك أمين أول من أفسح لثروت صفحات مجلة الثقافة الشهيرة التي كان يرأس تحريرها في الأربعينيات، وكان ثروت لا يزال في البكالوريا - الثانوية العامة الآن - وبالطبع لم ينس لأستاذه أبوته ورعايته وتشجيعه.
وكانت كلمته عقدا ووعده حقا؛ فقد حدث أن باع قطنه في بلدته غزالة، واتفق مع التاجر على ثمن محدد ولكنه لم يكتب عقدا وإنما كان الاتفاق بكلمة، وفي اليوم التالي جاءه تاجر آخر بسعر أعلى بكثير، فقال له دون تردد: «أنا أعطيت كلمة أمس.» وعبثا حاول الذين حوله أن يذكروه بأنه لم يكتب عقدا، ولكنه أصر، وهذا هو خلقه.
Halaman tidak diketahui
وبما أننا نتكلم عن غزالة، فقد كان عاشقا للقرية التي نشأ فيها، ونعم بأرضها وسمائها، وتعلم فيها وغاص في أعماقها؛ فقد تبرع بقطعة أرض لإنشاء مركز للشباب بها، كما سعى بعد ذلك لإنشاء مدرسة ابتدائية، وأدخل السنترال، وأهدى الجامع الذي بناه والده دسوقي باشا إلى وزارة الأوقاف، فهدمته وأنشأت بدلا منه جامعا كبيرا، وكان والده قد تبرع من قبل بقطعة أرض ليبني عليها معاهد دينية ابتدائي وإعدادي وثانوي. وأسوق هنا قصة غريبة وهي أميل إلى الطرفة، ولكنها حدثت فعلا؛ فقد اشترى «يوسف عبد القادر الكلاف» في القرية من ثروت قطعة أرض صغيرة في الخمسينيات وكان سعر الفدان زهيدا، فقد اشترى قيراطين ليبني بيتا صغيرا، واتفق مع ثروت أن يدفع جزءا من ثمنها والباقي على أقساط، ولكن الذي حدث أنه عجز عن دفع القسط الأول فاقترح أن يسمن ديكا روميا ويدفعه بدلا من كل قسط، ووافق ثروت، واستمر الأمر على هذه الحال حتى سدد ثمن القيراطين كاملا.
وإن دلت هذه القصة على شيء فعلى أن قلبه منسوج من البر والرحمة.
تعرض منزله في قرية غزالة للسرقة؛ فكبر على نفسه أن يسرق بيته من أهل غزالة التي نشأ على حبها، وأمسك التليفون فورا واتصل بمدير الأمن بالزقازيق ولما سأله المدير عن عنوان غزالة قال «غزالة الخيس.» ولم ينس وهو في أوج انفعاله وثورته أنه عاشق للغة العربية فقال لمدير الأمن «الخيس معناه بيت الأسد.» ثم ظهر أن اللصوص ليسوا من أهل غزالة.
وكان إيمانه بالله لا حدود له، يسلم له أمره، ولا تساوره الهواجس أو القلق، إنما هو مؤمن وتغمره الثقة أن الله لن يضيره أبدا.
وكان يتهمني بضعف إيماني؛ وذلك لأني أخاف من «الأسانسير» وأخاف من الظلام، وأخاف على أولادي إذا تأخروا، وأتخيل سيناريوهات كلها مؤلمة، وكنت لا أقول لزوجي، ولكنه كان يلاحظ على وجهي ما أخفيه من فزع فيقول لي:
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا
وكنت أخاف من الطائرة وكان يمكن أن ينام هو ونحن معلقون بين السماء والأرض، في حين أظل أنا مستيقظة أنصت إلى صوت المحركات وأراقبها. وفي مرة أحسست بانخفاض في صوت المحركات بعدما كانت مدوية؛ فأصابني الهلع، وبعد ثوان خرج مساعد الطيار ممسكا في يده فنجانا من القهوة وكأنه ليس في الأمر شيء، وقال: إننا مضطرون إلى الهبوط في أثينا لسوء الأحوال الجوية في جنيف وهي مقصدنا؛ فتأكدت أن كارثة على وشك الوقوع. وفي أثناء الهبوط سأل زوجي هذا المساعد عن السبب الحقيقي فقال: «إن محركا من محركات الطائرة قد توقف.» فأدركت أن من شدة خوفي أحسست بانخفاض صوت المحركات، وكان ثروت هادئا يحاول أن يهدئ من روعي وكنت أحسده لأنه لا يهاب الموت، وإنما إيمانه ينشر السكينة في قلبه.
وكان دائما ينتقدني لأنني عندما تعجبني مقالة وتدخل إلى أعماقي أتحمس وأحب أن أكلم صاحبها لأهنئه، وإذا رأيت فنانا أجاد دوره وبرع فيه كالفنان العظيم محمود ياسين في مسلسل «أبي حنيفة النعمان» الذي أذهلتني براعته وتعمقه في الشخصية وأردت أيضا أن أهنئه، أعجبت بدور الفنان العملاق نور الشريف في مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي» فقد كان أداؤه فوق القمة، ودور الفنان عمر الحرير في مسلسل «عمر بن عبد العزيز» الذي جسد فيه عبد الملك بن مروان؛ كان رائعا، وفي رأيي كان يستحق عليه جائزة، ودور الحجاج في نفس المسلسل الذي قام به الفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة بقوة واقتدار.
وأعجبت بمطربة شابة ذات صوت جميل أصيل، ولكنها كانت ترتدي فستانا لا يناسب سنها، ويظهر من كتفها ما كنت أفضل أن يستر، وعلى رغم أن الفستان ليس عاريا إلا أنني كنت أحب أن أقول لها: «إن صوتك وحده سيبلغ بك إلى أعلى الآفاق؛ فلا داعي لإظهار القليل من كتفك، فصوتك لا يحتاج إلى أية مساعدة من مظهرك، فكوني بسيطة في أزيائك واحرصي على أن تناسب سنك.» أما الفنانة الكبيرة سميرة أحمد فقد رأيتها في رمضان تتحدث في برنامج «على الورق» قالت: «إذا أردت أن أتكلم عن الفنانات في مصر فإنني أستثني الفنانة العظيمة «فاتن حمامة» فلا أحد منا يستطيع أن يصل إلى مستوى فنها وعبقريتها.» أردت أن أهنئها على هذه البساطة وعلى إنكار الذات.
ولما قلت لزوجي: إنني سأهنئهم جميعا شبهني بسيدة نعرفها وننتقدها دائما لأن لها رأيها الخاص في كل المواضيع العامة، وتتصرف بناء على هذا الرأي، فهي تكلم التليفزيون وتهاجمه بشدة وإذا صدر في الصحف قرار لا يعجبها تتصل بصاحب القرار وتناقشه وتهاجمه، وكان زوجي يقول عنها: إنها تدس أنفها في كل شيء! ولا يكف عن السخرية من ضعف عزيمتي، ولم أكلم أحدا بعد هذا التشبيه.
Halaman tidak diketahui
قرأت يوما في الستينيات في مجلة المصور مقالا كتب صاحبه وهو شاعر غير معروف من شعراء الشعر الحديث أن أغراض الشعر المعروفة وهي الغزل والفخر والمدح قد عفى عليها الزمن، ويجب أن يكون أغراض الشعر هي معاناة الناس في الجمعيات الاستهلاكية، ومعاناتهم أمام طابور الجمعية؛ فشعرت بغصة في حلقي؛ فقد نشأت على الشعر الجميل ، وموسيقى الشعر الساحرة؛ فكيف يريدنا أن نسمع شعرا يتكلم عن طابور الجمعية! فكتبت للأستاذ الشاعر صالح جودت وكان رئيس تحرير مجلة المصور؛ رسالة، وقلت له فيها: «إذا كان الشاعر يريد أن يتكلم الشعر عن الجمعية والدجاج فلتدع ذلك للشعر الحديث وليتكلم الشعر العمودي الأصيل عن الحب والجمال والخيال.» فنشر صالح جودت هذه الرسالة وكانت بدون إمضاء. قدمت لزوجي مجلة المصور وقلت له ما كان، وعلى رغم أن رأيه من رأيي إلا أنه اعترض على تحمسي وعلى مسارعتي بالرد على الشاعر، وقال لي: «ليس هذا من شأن النساء!» ولا أذيع سرا إذا قلت إنه شبهني بمن يدس أنفسه في كل شيء، وكان لا يحب هذا الحماس ولا هذا التصرف من المرأة.
وكان يستطيع أن يفتح موضوعات للحديث، ولا يستعصي عليه أن يكلم شخصا قابله لأول مرة في شتى المواضيع، وله قدرة أن يثير مناقشات تشغل الحاضرين ويندمجون فيها. وحدث أن دعينا مرة عند عمي أحمد على العشاء، وكان من ضمن المدعوين أمير عربي، وظل هذا الأمير صامتا لا ينطق على رغم محاولة الجميع في فتح حوار معه، وأراد ثروت أن يشرك الأمير في الحديث؛ فأخذ يسأله ويحاوره إلى أن اضطر الأمير اضطرارا إلى أن يخرج عن صمته، بل أخذ يتحدث معه في مواضيع شتى. وجاء محمود ابن عمي أحمد وقال لي ضاحكا: «عمي ثروت يستطيع أن يكلم طوب الأرض.» وتذكرني هذه الواقعة بواقعة شبيهة على رغم اختلاف الشخصيات؛ فقد دعانا «حسن الطاهي» الذي يعمل عندنا؛ لحضور عقد قرانه في قريته في طنطا، فذهبنا بطبيعة الحال، وأخذنا معنا الشربات وصينية حلوى، تماما كما فعلنا يوم عقد قران ابننا دسوقي، وكان قد تزوج حديثا، ولما وصلنا دخلنا داره وهي مبنية من الطوب اللبن، واستقبلنا والده، وهو فلاح طبعا، وأخذ ثروت يحدثه، وأعتقد أن أحسن موضوع يتكلم فيه الفلاحون هو الزراعة، فسأله: كم قنطارا من القطن يرمي الفدان هنا؟ - لا أعرف. - كم إردبا من القمح يرمي الفدان؟ - لا أعرف.
كان هذا هو الرد دائما على أسئلة ثروت؛ فأسقط في يده! وكانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي يفشل فيها في إجراء حوار مع شخص ما، ثم دعونا لتناول العشاء وأكرمونا ما وسعهم ذلك، ثم ودعونا بكل امتنان.
ووصلنا للكهولة وذهبت الخلافات الصبيانية، والواقع أن الحب كان دائما سبب الخلاف، وكان دائما هو سبب الصلح، وهدأت العصبية وحل محلها الهدوء، وأصبح كل منا يرعى الآخر ويسانده بكل ما أوتي من قوة، واطمأن زوجي إلى أنه ليس الزوج المنقاد لزوجته، وأصبح أكثر ليونة، وأصبح لا يجد حرجا في أن يكشف لي بكلمات رقيقة حلوة عما يختلج في نفسه دون أن يخشى أن أتسلط عليه وإن استغل حبه لي، وكان هذا الخوف يقلقه ويلازمه منذ بداية زواجنا، وتصرفاته العصبية أغلبها نتيجة لهذا الخوف. ولكنه طوال حياته كان يحب بيته ويحترمه ويقدر زوجته ويتفانى في إسعاد أولاده، وفي الكهولة أيضا تحتاج الزوجة بعد طول المسئولية أن تستشير طبيبا كبيرا في أحوال صحتها؛ فذهبت إلى الدكتور العظيم محسن إبراهيم، وبعد خروجي من عيادته وقبل وصولي إلى المنزل كان ثروت يطلبه في التليفون ليستفسر عن صحتي وليطمئن علي، ولم يكن يعرف بعد الدكتور محسن إبراهيم وإنما كان كل منهما يسمع عن الآخر ولكن بدون معرفة شخصية.
وفي يوم جاء الدكتور محسن إبراهيم إلى منزلنا للكشف على ثروت، وكان قد أصبح الطبيب المعالج له بعد وفاة الدكتور عبد العزيز الشريف، جاء إلى منزلنا وحضر مناقشة حادة بيني وبين زوجي؛ فهو من شدة تفاؤله يخفف من وصف حالته للطبيب وأنا أريد أن أصف الحالة كما هي. فقال لي الدكتور محسن لا تناقشيه ولا تغضبيه فإنه الزوج الوحيد الذي يسألني عن صحة زوجته بعد الكشف عليها، وأنا طبيب منذ عشرات السنين ولم أسمع صوت زوج واحد يسألني عن صحة زوجته بعد الكشف عليها.
وكان صريحا ليس عنده ميل أو مواربة، وأكبر دليل على صراحته الزائدة ووطنيته المتعصبة هذه الواقعة، فقد دعانا سمو الأمير تركي بن عبد العزيز وسمو الأميرة هند إلى السعودية لأداء العمرة، وأقمنا في فنادق فاخرة، وأحاطنا كالعادة برعايته واهتمامه، وحدث أن دعانا ناشر سعودي يطبع لثروت كتابا؛ على العشاء في منزله، وبينما نحن على المائدة بدأ الداعي يقطع الخروف الذي هو علامة من علامات الحفاوة هناك، وسأل ثروت: هل رأيت كورنيش جدة؟ - نعم؟ - أليس أجمل من كورنيش القاهرة؟
فهب ثروت وارتفع صوته وقال له: إن مصر ليس عندها أول كورنيش فقط، وإنما عندها أول حضارة في العالم عمرها 7000 سنة فلا تقارن بينها وبين غيرها.
فبهت الداعي ولكنه أمن على هذا الكلام باللفظ والإشارة.
ودعي مرة أخرى إلى مسقط لإلقاء محاضرة عن القصة في الأدب العربي، وذهبنا إلى هناك وقوبل بحفاوة كبيرة، ودعاه السفير المصري للتعرف على أدباء مسقط وعلى المصريين المقيمين هناك، وجاء موعد المحاضرة وتكلم ثروت عن القصة في الأدب العربي بادئا برواية زينب للكاتب الكبير حسين هيكل باشا، والحب الضائع ثم شجرة البؤس لعميد الأدب العربي طه حسين باشا، ثم تكلم عن محمود تيمور، وتوفيق الحكيم، والأديب العالمي نجيب محفوظ. وبينما هو منهمك في الحديث قام أحد الأدباء العمانيين وقال بانفعال شديد: «ألا يوجد أدب إلا في مصر؟!»
وقبل أن يكمل المقاطع المحتج كلامه رد عليه ثروت على الفور: ألأنكم دعوتموني إلى بلدكم وأكرمتموني اعتقدتم أنكم اشتريتموني؟! نعم، مصر هي منارة الأدب والشعر والفن، ومن إشعاعها وصل إلى كل البلاد العربية النور بعد طول الظلام الدامس.
Halaman tidak diketahui