والأساس الصحيح الذي تقوم عليه الوجوديات السليمة هو إنصاف ضمير الفرد من طغيان الجماعة على استقلاله، ولكن الاستقلال كالمال يلزم الإنسان لأغراض كثيرة؛ فمنه ما يلزمه للعصمة من الزلل، ومنه ما يلزمه للتورط في الزلل وتيسير الذرائع إليه.
وأسوأ الوجوديات الإباحية لا يسوغ الانطلاق من قيود الآداب بغير نظر إلى العواقب والضحايا، فإذا اختار الوجودي أن يستوفي كيانه الفردي بإشباع شهواته، فهو حر في اختياره واحتمال جرائر هواه، وهو حقيق أن يوازن بين الخطر والإحجام على علم بما يصيبه من المنعة وما يصاب به من الأذى، وتلك هي قيمة «الاختيار» الملائم في عرف هؤلاء الوجوديين.
أما المسوغ الفلسفي الذي يستند إليه الوجوديون الإباحيون، فهو أسخف الأسناد الفلسفية التي ظهرت في عالم الفكر والعقيدة.
إنهم يقولون إن الوجود الحقيقي هو وجود الفرد المعروف بشخصه وكيانه، وإنما النوع كلمة أو لفظة أو خيال لا وجود له في غير التصور، وليست «الإنسانية» إلا كلمة خاوية لا توجد بمعزل عن هذا الفرد وذاك الفرد، أو هذا الإنسان وذلك الإنسان.
ومن هنا اسم الوجودية الذي ينتسبون إليه ويحسبونه تصويرا للواقع، لا مراء فيه.
إلا أن الواقع الذي لا مراء فيه أن النوع موجود في تركيب كل إنسان وإنسانة، وأنه ما من خلية في بنية الفرد لم يتمثل فيها النوع تمثيلا أوفى وأعمق من تمثيل الفرد ذاته خصائصه ومقوماته.
ولقد ثبت ثبوت اليقين أن قوام البنية مرتبط بالغدد الصماء وغير الصماء، وأن علاقة هذه الغدد بالخصائص النوعية وثيقة جدا في عملها المنفصل وأعمالها التي تتعاون عليها.
وإذا كان تمثيل النوع حيويا أو «بيولوجيا» حقيقة لا ريب فيها، فالتمثيل النفساني أو السيكولوجي حقيقة تضارعها ثبوتا ويقينا، إن لم تكن أبرز منها للوعي والشعور.
وعلى هذا لا يمكن أن يقال إن الفرد موجود حقيقي وإن النوع وهم ليس له وجود؛ لأننا نستطيع أن نتخيل فردا مجردا من الخصائص النوعية في كل خصلة من خصاله وكل خلجة من خلجات وعيه وشعوره، ومن قال إنه ينطلق على هواه ويمضي على رأسه غير مبال بمصير النوع إلى الفناء، فعليه قبل كل شيء أن يخرج من دعوى «الوجودية» إلى دعوى «العدمية»؛ لأن فلسفته تقوده إلى فناء الفرد وفناء الإنسانية، حين يزعم أنه يبالي بحاضره ولا يبالي بمصيره ولا بمصير الإنسانية جمعاء.
وبعد فهذه الوجوديات كلها شيء، والمدارس الفوضوية كلها شيء آخر.
Halaman tidak diketahui