Wasaya
============================================================
الجاهل بأمره أن طيفا من الجن قد اعترض له، وقد خامرته في اكثر أحواله البهتة، وغلبت عليه الكأبة، فهو في نهاره نافر مستتر، مستوحش من الخلق(1)، وليله ليل مضطرب.
فلو أبصرته أيها المغرور بدنياه، المخدوع عن طريقه، في سواد ليله وقد هدا العباد ولم يهدأ فؤاده، وسكن الخلق ولم يسكن خوفه، واستراحت الخليقة ولم يفتر حنين قلبه، وقام بين يدي ربه بقلبه المحزون، وفؤاده المغموم، منكسأ رأسه، مقشعرا جلده، وقد ثى عنقه، وحنى صلبه، والحياء قد غلب على قلبه، فافتتح كتاب ربه، مع تعظيمه لما يتلو، إجلالأ للمتكلم به (2) .
فما لبث آن هاجت عليه أحزانه، واشتعلت حرقات فؤاده، وأسبل دمعه، وحن في بكائه خشية آن تسمعه أذن غير سمع ربه(3) فأنفاسه متوهجة، وزفراته بحرق فؤاده متصلة.
فلما طال منه القيام بين يدي ربه، اشتاق إلى التذلل له بتعفير وجهه، خضوعا له، فلو أبصرته منحطا من انتصابه بحرقة قلبه، وأزيز صدره، وتراجع أنفاسه، فخر ساجدا على وجهه، ذاكرا لنظر مولاه إليه، سائله دموعه على خده، حتى آثرت في وجهه، يضرع ويتضرع، ويهتف ويبكي، ويزفر وقد ملا العظيم قلبه، وأذهبت رهبة الله عقله(4).
(1) ليست الوحشة من الخلق عند المحاسبي هي العزلة عنهم ، وخلاصة مذهبه في ذلك قوله لتلميذه الجنيد البغدادي : "لو أن نصف الخلق تقربوا مني ما أتست لقربهم ولو أن تصفه الآخر بعد عني ما استوحشت لبعدهم، (حلية الأولياء 90- 180) (2) يريد أن التائب الصادق يتوهم أنه يسمع القرآن من ربه فيجله ويعظمه لذلك (3) البكاء عند مناجاة الله تعالى مشروع في القرآن حين يقول تعالى في علامات الصادقين : (وخرون للاذقان يبكون) وقوله : (خروا سجدا وبكيا) (4) يرى المحاسي : أن الشيطان لا يسكن إلا القلب الخرب . ويرى أن خراب القلب إنما يكون إذا كان فارغا من الحزن والخوف الدائم، فحينيذ ينقث فيه بالوسوسه ومنى الدنيا، والطمع فيها وخافة فقرها. انظر : (آداب النفوس : باب معرفة النفس والقصد الى الله، وأعمال القلوب والجوارح: 110)
Halaman 345