أقر ساجرت الذي لم يستطع أن يخفي حبه للقاطرة حتى وهو يلقي عليها باللوم: «لا! إنها ستقوم بعملها على خير وجه فقط إذا لاطفتها.»
قال المحصل وهو ينهض من مكانه ويرفع مصباحه: «إذن، ربما لا بأس بهذا السائق، لكنني سأشعر بأمان أكبر إذا تركت عربة التدخين وجلست في مقدمة القطار. آسف يا جون لأنني لا أستطيع أن أعرض عليك مضجعا الليلة، لكن العربات كلها ممتلئة عن آخرها حتى مؤخرة القطار. ولا يوجد حتى كرسي واحد فارغ في الجزء الأمامي من القطار.»
قال ساجرت: «أوه، لا يهم ذلك، لا أستطيع النوم على أي حال. إنني أفضل الجلوس هنا والنظر عبر النافذة.»
قال المحصل: «حسنا، الرحلة طويلة. سأذهب الآن وأعرج عليك مرة أخرى في الليل.»
أشعل ساجرت سيجاره وحدق في الظلام. كان يعرف كل بوصة من الطريق، كل الأجزاء العلوية والسفلية من الطريق وكل تفاوتات الارتفاع والمناسيب. بل كانت معرفته بالطريق في الليل الحالك أفضل بكثير منها في وضح النهار الساطع. وبين الحين والآخر كانت تمر أمام ناظريه للحظة كتلة سوداء ضخمة لحظيرة ما أو مجموعة من الأشجار، فيقول ساجرت في نفسه: «عليه الآن أن يغلق بوابة البخار بمقدار بوصة واحدة.» أو «ينبغي أن يفتح بوابة البخار الآن على مصراعيها.» توقف القطار بضع مرات، لكنه رأى أنهم كانوا يهدرون الوقت. من الوارد جدا أن القاطرة رقم ستة وثمانين كانت مستاءة. وبسبب تفكيره في القاطرة تحول ذهنه إلى التفكير في مصيره هو. لا يوجد إنسان في هذا العالم مهم لدرجة أنه لا يمكن الاستغناء عنه، ففي النهاية، في اللحظة التي يتنحى فيها، يكون هناك دوما إنسان آخر على استعداد لأن يحل مكانه. كان الرجال الحصيفون في المدينة الذين استمعوا إلى دفاعه يعرفون تماما أن القاطرة ما هي إلا مزيج من الحديد والصلب والنحاس، وأن عددا معينا من أرطال البخار سيجعلها تسير عددا معينا من الأميال في عدد معين من الساعات، وقد ابتسموا إليه تعبيرا عن عدم تصديقهم حين قال لهم إن لكل قاطرة نوبات غضبها، وأخبرهم بأنها في بعض الأحيان تكون بحاجة إلى التدليل كأي امرأة أخرى. وحتى عندما يبذل الرجل قصارى جهده، فهناك بعض الأحيان التي لا يسعه فيها أن يفعل شيئا ليهدئ من ثورتها؛ ومن ثم كان لا بد من وقوع مشاكل، ولكن لكي يكون منصفا، فقد أضاف بأن القاطرة دائما ما كانت تندم على فعلتها في النهاية. وبسبب هذه الملاحظة الأخيرة، تحولت ابتسامتهم إلى نوبة ضحك، مما أصابه بالحيرة والارتباك.
تساءل عما تظنه الآن القاطرة رقم ستة وثمانين بشأن السائق الجديد. ليس الكثير، على ما يبدو؛ ذلك أنها كانت تهدر الوقت، وهو أمر لا دخل لها به في هذا القطاع من الطريق. ومع ذلك، ربما يكون خطأ السائق الجديد أنه لا يعرف متى يضغط عليها ليزيد سرعتها إلى أقصى درجة ومتى يتمهل. كل هذه العوامل تدخل في مسألة الوقت. لكن كان من المرجح كثيرا أن القاطرة رقم ستة وثمانين العتيقة كانت تتعجب كثيرا - مثلما فعل حصان جيلبين - مما يفعله هذا الشخص الذي يمتطي صهوتها. تمتم جون في نفسه: «سيكون في مأزق، حين تدرك القاطرة ما يحدث.»
أتى المحصل مرة أخرى وجلس إلى جوار السائق. لم يقل شيئا، لكنه جلس في مكانه وراح يفرز التذاكر بينما راح ساجرت يحدق خارج النافذة. وفجأة، هب السائق واقفا وقد اتسعت عيناه من الدهشة. كان القطار يتمايل من جانب إلى آخر وينطلق بسرعة هائلة.
رفع المحصل نظره إليه مبتسما.
وقال: «من الواضح أن القاطرة رقم ستة وثمانين ستعوض ما فاتنا من وقت.»
أجابه السائق: «لا بد أن تبطئ من سرعتها لعبور تقاطع جي آند إم.» ثم صاح بعد لحظة: «يا إلهي! لقد انتقلنا إلى سكة جي آند إم بسبب تلك القفزة القوية.»
Halaman tidak diketahui