وكنا في مصر نجعل شوقي أمير الشعراء، ولكنكم لو رجعتم إلى الجرائد والمجلات لرأيتم مئات المقالات في الثورة على ذلك اللقب مع ما تعرفون ويعرف العرب جميعا من عظمة شوقي.
والرأي عندي أن يقوم فريق من الناقدين بالبحث عن الشعراء المغمورين فقد تكون فيهم مواهب يقتلها الخمول، وقد اقترحت مائة مرة ومرة أن يؤلف كتاب يجمع الأطايب من الشعر الحديث في جميع الأقطار العربية على نحو ما صنع الثعالبي في القرن الرابع، ولكن يمنع من ذلك أن العصر الحاضر ليس فيه رجل واحد يملك من الإخلاص ما كان يملك الثعالبي، فأهل هذا العصر يغلب عليهم الحقد ولا يحب أحدهم خيرا لأخيه، ولا ينبغ النابغ في زماننا إلا إن كان فيه من الحيوية ما يرغم حاسديه على أن يخلوا له الطريق.
وقد اتفق مرة للدكتور عبد الوهاب عزام أن يثنى على الرافعي في مجلة الرسالة ثناء مستطابا ثم حدثني بعد ذلك أنه لقى مر العتب من بعض الأصدقاء.
ولما مات شوقي رثاه صاحب البلاغ بكلمة طيبة، ولكنه وجد من يعترض بأن شوقي لم يكن من الوفديين، ومعنى ذلك أن الخصومة السياسية قد تنقلت إلى خصومة أدبية.
هذا اقتراح أذعته في مصر ثم ضاع، فهل ترون من الخير أن أقدمه إلى أدباء العراق؟
ويسرني أن أعلن بلا موارية وبلا تكلف أن الله نجاني من هذا المرض البغيض: فما أذكر أبدا أني جحدت الحق، وربما كنت أشجع أهل هذا العصر لأني أنصف أعدائي، في زمن يضن فيه الأصدقاء بالإنصاف.
وخلاصة القول أني أنكر التوحيد في الآداب والفنون، وذهني يسيغ الحكم بأن أبا تمام في بابه أشعر من البحتري في بابه، والبحتري في بابه أشعر من أبي تمام في بابه، والمتنبي أشعر من الشريف الرضي، والشريف الرضي أشعر من المتنبي، وشوقي أعظم من حافظ، وحافظ أعظم من شوقي، والرصافي أعظم من الزهاوي، والزهاوي أعظم من الرصافي، وزكي مبارك في بابه أعظم من الجميع.
وهذا الكلام يحتاج إلى توضيح، وقد بينته في الطبعة الثانية من كتاب (الموازنة بين الشعراء).
من هو الأديب الذي تعتقدون بحق وإخلاص أنه أحسن أدباء العربية في الوقت الحاضر مع ذكر اسمه؟
وأقول مرة ثانية إن فيكم رجعة إلى عقيدة التوحيد، مع أن الشرك أفضل في هذا المجال، ولكن لا بأس من الإشارة إلى أن الأدباء المصريين في الوقت الحاضر يتسامون جميعا إلى هذا اللقب الطريف، وسيموت منهم ناس قبل الأوان بفضل الكدح، وأخشى أني أقول مثلا إن خصومتي مع الدكتور طه حسين ستقصف عمري، لأني أحاول طرد مؤلفاته من الأسواق لتحل محلها مؤلفاتي، ولأغتصب ما ادعاه لنفسه من زعامة الأدب العربي، وستنقل جرائد مصر هذه الكلمة وسيبيت الدكتور طه مؤرقا لأنه سيتذكر أنه لم يؤلف كتابا في قوة كتاب «النثر الفني».
Halaman tidak diketahui