180

Wahat Cumr

واحات العمر: سيرة ذاتية: الجزء الأول

Genre-genre

وعندما عدت من الكلية في اليوم التالي وجدت خطابا من منير عبد النور رئيس وحدة بحوث المستمعين يخبرني فيه أن قسم الاستماع بالإذاعة قد أعلن عن مسابقة للتعيين في وظيفة مترجم للمواد الإذاعية التي تبثها المحطات العربية، خصوصا نشرات الأخبار والتعليقات السياسية، وأنني يجب أن أقدم طلبا على وجه السرعة إن كنت أحب هذا اللون من الترجمة! واتصلت تليفونيا بمنير عبد النور أسأله عن التفاصيل فقال لي إنني أستطيع أن أعمل في عطلة نهاية الأسبوع وأتفرغ باقي الأيام للدراسة، وفرحت بذلك وقدمت الطلب، وتحدد يوم الامتحان، وذهبت إلى مبنى الإذاعة الرئيسي في لندن وكان الامتحان يستغرق ثلاثة أيام؛ الأول للترجمة التحريرية من العربية إلى الإنجليزية، والثاني للاستماع؛ نشرات عربية يستمع المتقدم إليها ويترجمها كتابة فور سماعها، والثالث للمعلومات العامة بالإنجليزية. وكان عدد المتقدمين نحو عشرين من مختلف الأعمار والجنسيات، وكنت واثقا من نجاحي.

وبعد نحو أسبوعين جاءني خطاب يحدد لي موعدا للمقابلة الشخصية، فأدركت أن إجاباتي لاقت القبول، وكان مكان المقابلة خارج لندن، في مكان يدعى كافرشام

Caversham

وهي قرية على مشارف بلدة ريدنج

Reading (تنطق ردنج

reding ) التي تبعد عن لندن نحو 35 ميلا يقطعها القطار في نحو نصف ساعة، وهي في منتصف المسافة بين لندن وأوكسفورد. وعندما ذهبت للمقابلة وجدت لجنة من خمسة أشخاص، وتلفت حولي أنظر باقي المتقدمين فلم أجد أحدا، فتفاءلت. ورأيت بين أعضاء اللجنة رجلا قصيرا أصلع الرأس، أسمر الوجه وعيناه خضراوان، كان يتكلم الإنجليزية بلكنة أجنبية، وعرفت فيما بعد أنه مصري، واسمه حمدي الجمل، وكان رئيسا لقسم الترجمة العربية. وكان من أعضاء اللجنة رجل أحمر الوجه شعره أبيض ويتكلم الإنجليزية بلهجة تشبه لهجة أبناء وسط أوروبا، عرفت فيما بعد أنه ألماني الأصل يدعى بريم

Brehm

ويعمل مراقبا للإنتاج، أما رئيس اللجنة فكان مستر شرينجهام، الذي كان يعرف العربية وكانت زوجته مصرية! واقتصرت في حديثي على الإجابة على الأسئلة، وكنت صريحا في كل ما قلته حتى لو أدى ذلك إلى ضياع الوظيفة، فقلت لهم إنني طالب، وإنني لا أنتوي العمل بالترجمة مدى الحياة، وإن هدفي الأوحد هو كسب المال، وإن زوجتي مصرية تعيش معي في لندن، وإنني لا أعتزم ترك الشقة، فقال أحدهم: ولكنك ستضطر أحيانا إلى العمل مساء وقضاء الليل هنا. فأسرع شخص آخر وقال: يمكننا أن نهيئ لك سكنا مؤقتا ليلة أو ليلتين في الأسبوع. ثم انصرفت.

وبعد نحو أسبوعين وصلني خطاب يقول كلاما غريبا: «إننا مهتمون بالطلب الذي تقدمت به، وسوف نعلمك بالنتيجة قريبا، ونرجو أن تخطرنا إذا التحقت بعمل آخر في هذه الأثناء.» كنا في مارس وكنت قد بدأت العمل من جديد في الرسالة، ووصل نهاد خطاب القبول النهائي من جامعة ساسكس، وكان ما لدينا من المال لا يكفي للمصاريف الدراسية، ناهيك بمصاريف المواصلات وإيجار الشقة! ولم ينقض أسبوع آخر حتى جاء خطاب القبول من الإذاعة، ويتضمن سؤالا عن الموعد الذي أحب أن أبدأ العمل فيه. وذهبت إلى المشرف أسأله ما أفعل، فقال إن كنت ستنتهي من الرسالة في مايو فابدأ العمل في يونيو. واتفقت مع نهاد على أن تكون لندن هي قاعدتنا التي ننطلق منها إلى برايتون وردنج، ومن ثم كتبت الرد المطلوب.

وكان «بيت الحديقة» يتكون من أربع شقق، نسكن في إحداها وتتكون من صالة كبيرة وغرفة نوم وحمام ومطبخ، ولكنها كانت تتسم بالرطوبة مما كان يصيبني بالكحة كثيرا دون أن أدرك السبب، وإلى جوارها على الطابق الأرضي أيضا شقة مماثلة يقيم فيها سوداني يدعى عبد الحليم عباس وزوجته نجاة نجار، وفي الطابق العلوي (الأول عندنا في مصر) شقتان يقيم في إحداهما سوداني آخر هو الطبيب الجزولي دفع الله العاقب وأسرته، وفي الأخرى نيجيري عملاق وزوجته الأجنبية (الألمانية) ويصل بين الطابقين درج تتوسطه بسطة فيها تليفون مشترك لجميع السكان. ورغم الشهور القليلة التي قضيناها في ذلك المنزل فقد كنا نشعر أنه بيت الأسرة حقا، وسرعان ما توطدت العلاقة بيننا وبين جيران الطابق الأرضي، فكنا نتزاور، خصوصا لأن عبد الحليم كان شقيق حسن عباس (المستشار الثقافي بالسفارة السودانية) وكانت زوجته تعمل فيها، ولم يكن عبد الحليم قد انتقل إلى المنزل عندما انتقلنا إليه، بل كان يقيم في الشقة دارس للعلوم يسمى محمد علي، وسرعان ما رحل مع زوجته والرضيع الذي ولد في لندن.

Halaman tidak diketahui