8
أما النسخة العربية، فتؤكد على غلافها أنه «قد ترجم عن اللغات الأصلية، وهي العبرانية «أصلا الكنعانية»، واللغة الكلدانية «وما تحمله من تراث رافدي طويل»، واللغة اليونانية «وما حملته من علوم جامعة الإسكندرية وتراثها المصري العريق».»
وقد ساعد اليهود على الإحاطة بشكل واسع بتراث المنطقة وتحميله للتوراة، أن هناك ظروفا أدت إلى ارتحالهم في مناسبات مختلفة إلى الرافدين وإلى مصر؛ مما أدى إلى زيادات وتراكمات اصطبغت مع كل ارتحال بلون جديد؛ مما أدى بباحث متحيز لليهود مثل «إيفار لسنر» إلى الاعتراف باحتواء التوراة على متنافرات عديمة الاتساق والتمازج، وقوله: «إن تابوت العهد، يعود بنا إلى مساكن آلهة النيل المتنقلة، وآثار السحر ترجع بنا إلى مصر، كما تذكرنا قصة الطوفان والأرقام الغامضة ببابل، ويصير الإله البابلي جلجامش نمرود، وتصبح ثيران آشور المجنحة كروبيم العبريين. كما أن أسطورة الجنة، وشخصية الشيطان أهريمان وعالم الملائكة ورؤساء الملائكة، تعيد إلى أذهاننا بلاد الفرس، ونتعرف على البعل إله الفينيقيين والكنعانيين في أسماء إشبعل ومربعل. لقد كان الفلسطينيون الذين يحتمل أنهم وفدوا أصلا من كريت، ينظرون إلى اليمامة أصلا كإله، أما السمكة التي عبدت في عسقلان، فتظهر في قصة يونان.»
9
وكلام «لسنر» هنا كلام شديد العمومية والتسطيح، إلا أنه يشير إلى المعنى المقصود، ويؤكد وراثة اليهود، أو سلبهم تراث الآخرين بشكل فاضح وضح لدى «لسنر»، وهو المعروف بتحزبه لبني إسرائيل. إلا أن هناك دراسات أخرى أكثر علمية وتدقيقا وتوثيقا، قدمها جلة من العلماء الأجلاء، لعل أهمها وأشهرها وأحوزها للثقة، دراسات المصرولوجي «جيمس هنري برستد
J. H. Breasted » حول تأثير الحضارة المصرية وثقافتها القديمة في التراث التوراتي، ودراسات عالم الآثاريات السومرية، «صموئيل نوح كريمر
S. N. Kramar » أحد أعلام أركيولوجيا الرافدين ، حول تأثير السومريين المباشر، وغير المباشر - عن طريق بابل وآشور - في التوراة.
ويقول «برستد»: «إن الكنعانيين، الذين كانوا يسكنون هذه البلاد قبل العبرانيين، كانوا قد اجتازوا مرحلة النمو المتحضر التي تبلغ أكثر من ألف سنة، حينما غزا العبرانيون البلاد، وقد عرفنا من النقوش التاريخية، البابلية والمصرية القديمة، وكذلك من الحفائر الآثارية، شيئا كثيرا عن المدن الفلسطينية الراقية النامية، السابقة لعهد العبرانيين. كما كان للثقافة البابلية أثر مهم خالد في فلسطين الكنعانية، وعن طريق الكنعانيين، بوجه خاص، وصل أثر البابليين في الفن والأدب والدين إلى العبرانيين، يضاف إلى ذلك أن الإقليم كان، منذ زمن بعيد، واقعا تحت نفوذ الحضارة المصرية القديمة، فقد بدأ المصريون يبسطون سيطرتهم على الساحل الفينيقي قبل أن يطأ العبرانيون فلسطين بأكثر من ألفي سنة، إذ اقتحمت الجيوش المصرية فلسطين قبل سنة 2500ق.م. ولما فتح المصريون آسيا الغربية، ووصلوا في فتحهم إلى نهر الفرات في خلال القرن السادس عشر ق.م. بقيت فلسطين مستعمرة في أيديهم أكثر من أربعة قرون، والواقع أنهم حكموا فلسطين مدة قرنين بعد دخول العبرانيين فيها، وبذلك بلغت المدنية الكنعانية مرتبة سامية في القرون التي احتلتها فيها مصر، فلما غزاها العبرانيون، كانت قد اصطبغت مرارا وتكرارا بالعناصر المصرية.»
10
وغاية ما يريده «برستد» هنا، بوضوح، هو القول: إن العناصر الثقافية الكنعانية، حتى التي أثرت في اليهود الغزاة، تعود بدورها إلى أصول مصرية ورافدية؛ لذلك يستطرد: «وكان من نتائج ذلك، أن العبرانيين حينما غزوا فلسطين، صاروا على اتصال مباشر بتلك الحضارة الكنعانية المركبة، التي أنشئ معظمها من العناصر البابلية والمصرية معا، أما من الناحية الثقافية، فإنها كما أوضحنا كانت داخلة ضمن الإقليم التجاري الذي طالما كانت المعاملات البابلية تسيطر عليه، كما كانت في الوقت نفسه تقع مباشرة في ظل صرح المدنية المصرية العظيمة.»
Halaman tidak diketahui